هل هناك نزعة نسوية مبكرة في حضرموت؟

poetry ouv

مسعود عمشوش

 كثيرا ما ينظر إلى المجتمع الحضرمي بوصفه أحد المجتمعات الأكثر محافظةً في الشرق الأوسط؛ ففيه كانت المرأة (ولا تزال) تعاني من كثير القيود التي تحرمها من عدد من حقوقها المختلفة، مثل الحرمان من مواصلة التعليم، والبقاء عشرات السنوات بعيدة هن زوجها المهاجر. ومن خلال قراءتنا لعدد من النصوص التي كتبتها خمس شاعرات حضرميات شعبيات في القرن الماضي لمسنا أن المرأة الحضرمية لم تكن تتقبل ذلك الوضع بصمت. فإذا كان الشعر الشعبي في حضرموت يعدُّ من أهم الوسائل التي يستخدمها الشعراء الذكور لتوجيه النقد الصريح للحاكم ورجال السياسة والمتنفذين، لاسيما في جلسات شعر الدان ومطالع الشبواني، نلاحظ أن الشعر الشعبي النسوي في حضرموت، والنصوص النسوية بشكل عام، تتجنب الخوض في أمور السياسة، لكنهن بالمقابل، لا يترددن في تناول عددٍ من الظواهر والقضايا المرتبطة بالشأن العام؛ وتحديدا تلك القضايا المرتبطة بالمرأة، وتتضمن المطالبة ببعض الحقوق، وتجسّد نوعا من التضامن النسوي، الذي يمكننا أن نلمس فيه نزعة (نسوية) مبكرة.

فالشاعرة الداعية علوية بن عبيد الله السقاف، أخت المؤرخ الأديب عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف (علوية عبودة)، انتقدت في مقدمة كتابها (المرآة الناظرة في السنة الداثرة)، الرجل الذي ترى أنه سبب جهل المرأة بأمور كثيرة، وكتبت: “ويقلن إذا أصابتهن مصيبة: إنا لله وأنا إليكم الراجعون، ويقلن بسم الله والحمد لله والخير والشر من مشيئة الله. وهذا غلط. وأشياء أخرى لا تحصى. ولا سببه إلا من الرجال، فلا يرون للزوجات عليهم حق، ولا بناتهم حق، ولا حد يخلق مُتعَلّم إلا بالتعليم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، وكذلك النساء..”. وتضيف: “والآن فقد أسقطوا حقوق النساء بالكلية؛ وصرن يتملقن للرجال لمّا أسقطوا حقوق النساء هانت عليه”. ص 8 وترى علوية عبودة أن في ترك المرأة جاهلة، لا سيما بأمور الدين، إهانة لها، وكتبت عن تجهيل المرأة: “وإنما غرضنا البيان، ولهذا أنهم أهانوا النساء من جهة الدين، وذلك من قلة الرغبة فيهن؛ فترى المرأة ما تعرف الكلام، ولا الحلال من الحرام، ولا الواجب من السنة”. ص5

وتناولت جميع الشاعرات الشعبيات في حضرموت المعاناة التي تسببها هجرة الرجال لزوجاتهم وأخواتهن وأولادهم. فالشاعرة علوية عبودة، مثلا، انتقدت إهمال الرجل للمرأة خلال فترة الغربة التي تميّز بها الرجال الحضارم، قائلة: “ولا رخصة للرجل أن يطيل الغربة في السفر ويذرها لا هي مطلقة ولا هي معلقة”. أما الحبابة خديجة بنت علي الحبشي، فقد أنهت قصيدة (ياعيني الساهرة، ص30) داعية أخيها علوي بالعودة إلى سيئون، قائلة:

يا علوي إيش البصر يكفيك من ذا السفر

والوقت كثرت شواره با أعطيك مني خبر

لا تردف المبنى جرّد عزومك مع لي با يخرجون.

وفي قصيدة أخرى عبّرت خديجة عليّة عن المعاناة التي سببها لها بُعْد أخويها، ثم تتوجه إلى الله وتدعوه أن يرفق بحالها ويرد لها أخويها أحمد، وقالت فيها، بعد أن: صفحة 104

يا عديم المثال يا الله ارفق بحالي

شفه بالشوق عتبان

كل ما لاح لائح قلت ذا عطر فائح

خاف خاتم سليمان

قل لظبي الخميلة المحبة ثقيلة

عوّجت كل ميزان

فرقة أحمد وعلوي منها قل سلوي

دوب خاطري كسلان

يا آل كسب الجميلة شوّقوا للطويلة

حلها قطب الأزمان.

وفي قصيدة أخرى تتحدث خديجة عن شدة الألم الذي سببه لها طول غياب أخويها وأولادهما الذين لم تشاهدهما إلا في الصور (القنابر)، وتطلب من أبيها رد إخوتها من بلاد جاوه، قائلة: (ص78)

يا حبيب علي لي كرامتك با تحصل مع كل شي

والسعادة تقع دنيا ودين

دوب ما نا سلي با كرامات منك يا حبيبي علي

شف عيالك بجاوه غارقين

كان قلبي سلي كننا يا عرب ذا الوقت مانا خلي

كدر خاطري طول السنين

با نوصي لهم ريت حد بالذي في القلب يحكي لهم

خاف ما هم بشوقي داريين

كير في الجوف شد يوم ما حد تشوق من رفاع النسب

كلهم في بتاوى عامدين

يا درك يادرك هو من اللي في منبخ منك ما احترك

قل له إخوتك ماهم راضيين

خاطري ما استقل يوم شفت القنابر حقكم والسقل

لا دجى الليل بيّت في حنين

يا علي يا علي با كرامات للغائب الى أرضه يجي

جا المكتّب وقالوا خارجين.

وتنتقد شاعراتنا الشعبيات ظاهرة تعدد الزوجات، فعلوية عبوده كتبت في (المرآة الناظرة في السنة الداثرة):”وقوله ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم. فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، وما ذلك إلا من الحقوق الكثيرة التي لهن“.

ولم تتردد شفاء صبانة كذلك في نقد تعدد الزوجات. لكنها، بالمقابل، توجّه نقدا لاذعا لزميلاتها النساء اللاتي صرن يخرجن للأسواق، ويحرصن على شراء مختلف أنواع الكماليات، ويبالغن كثيرا في تجهيزات الزواجات، ويتسببن في إثقال كاهل الرجال بالديون.

وتكمن إحدى أهم سمات قصائد الشعر الشعبي النسوي في حضرموت في تقديمه لتفاصيل جلسات النساء وطقوسه المختلفة في وادي حضرموت، الذي يُحرَّم فيه الاختلاط حتى داخل بيت الأسرة.