مشترحات حضرموت وصوت الخيبعان

المشترحات333

مسعود عمشوش

 إضافة إلى الشاعرات الشعبيات الحضرميات، اللاتي قدّمنا لخمس منهنّ في كتابنا (الشعر الشعبي النسوي في حضرموت)، اشتهر في حضرموت عددٌ من الفنانات الشعبيات اللاتي يغنين في مختلف المناسبات، وبشكل رئيس في الزواجات. وقد قام عدد من الباحثين بالتوثيق لبعض الفنانات الشعبيات اللاتي اشتهرن في ساحل حضرموت. مثلا، قام محمد عمر معدان بتقديم الفنانة الشعبية الراحلة عائشة نصير، وكتب أنها “صالت وجالت في مجال الغناء، وشاع ذكرها وذاع في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وهي من مواليد مدينة المكلا عام 1907، ومن أصول شبامية، حسب روايات بعض الأقارب. واحترفت الغناء الشعبي، شعراً وغناء وقرعا ًعلى الطبل والهاجر. وفي ريعان شبابها ظهرت عليها موهبة قرض الشعر والغناء؛ فبدأت حياتها الفنية عام 1930 حيث شاع ذكرها وصيتها في الأربعينات، وشكلت مع زوجها الشاعر سعيد بكران ثنائيا فنيا، حيث كانا يتعاونان معاً في كتابة شعر الشروحات النسائية من طرب وزفين وكان صوتها قويا وطويلا ويصل مداه لأعلى السلم الموسيقي. وأسست فرقة مصاحبة لها في الغناء والقرع على الطبل والمراويس”.

ويذكر محمد معدان أن عائشة نصير شاركت في إحياء مراسيم زواج الشاعر حسين أبي بكر المحضار سنة 1954 في الشحر، وغنّت، للنساء، في هذه المناسبة قصيدة من تأليفها، قالت فيها:

خرج ذا فصل ياوعل مربعي في حيد تشبي

صانك من الحسد والعين ربي

ورميانك قيام في كل شنطوب

شرع بالغناء في الجبح يانوب

ومازال سركم في القلب مخفي

ومهما حصل منكم ما بايخمي

لفي الساقية ياخير مشروب

شرع بالغناء في الجبح يانوب

ولك يا الحبيب في القلب خانة

ولا بانساك ركنك في مكانه

مكانه حبكم في القلب مرغوب

شرع بالغناء في الجبح يانوب.

ويوماً تنقطع عني الرسالة

عيوني بالدموع دائم ملانة

قرب يا المحب خلاص باتوب

شرع بالغناء في الجبح يانوب.

وقد ظلت هذه القصيدة وصاحبتها عالقتين في ذاكرة المحضار الذي ألّف، عند وفاة عائشة نصيره سنة 1974، قصيدة رثاء وصفها فيها بـ(شحرورة الوادي)، وغنّاها الفنان الراحل كرامة مرسال، ومطلعها:

تغرد ليش عادك يا البلبل الشادي

سكت مادام سكتت شحرورة الوادي

وودعها بدمعك ويكفيك التغاريد

حمام الروض يبكين بحرقة وحسرة عالعناقيد

نعم سكتت وراحت من دون ميعادي

وبقيت عائشة في خاطري وفؤادي

وفي سمعي نردد ألحانها ترديد

حمام الروض يبكين بحرقة وحسرة عالعناقيد

يذكرني بها صوت الطبل والحادي

وعازف نآي ساعة يعزف وعوادي

ويبكي العود لا غنّت والحسان الغيد

حمام الروض يبكين في حرقة وحسرة عالعناقيد

**

وبالمقابل لم يُقْدِم، حسب علمنا، أي باحث على الكتابة عن الفنانات الشعبيات اللاتي اشتهرن في وادي حضرموت، ويُطلَق عليهن المشترحات، وأحيانا الفقاعات، مثل الفنانة المرحومة (دويلة)، التي ورث صوتها الاستثنائي ابنها الداعية الخطيب سالم خندور، إمام مسجد عمر حيمد في قرن سيئون الطويلة، والفناة المرحومة (نرجيس)، زوجة مغني الدان المرحوم عوض سالم بارمادة، ووالدة الشاعر المرحوم عمر عوض، والفنانة (رحمه موساه)، التي أشار إليها غالب الحامد، وكتب عنها: “المشترحة رحمه سعيد موسى متعهدة إحياء أفراح الزواجات، جزءٌ من الماضي الجميل في سيئون، كانت هي من تقضب للعروس وتحيي وتسامر وتزف العروس، وكانت ورحمه موساه مضربا للأمثال بين المشترحات؛ فهي تشجو بصوتها الجميل، حاملة الهاجر: (ألفين يامرحبين أربع عراوس ضوين * ألفين يامرحبين فتحوا لهن سدتين)، أو (ثوّر العاشق وقلّه لا تنام الليل كلّه)، رحم الله رحمه موساه، كم أحيت من زواجات مدخلة الفرحة في قلوب الناس، وكم كانت أجرتها زهيدة”.

**

الخيبعان:

من أهم الأصوات الغنائية التي يرددنها الفنانات الشعبيات (المشترحات) في مراسيم الزواج في حضرموت: الخيبعان،  الذي لا يزال منتشرا في بعض مدن وادي حضرموت وقراها.  وقد حظي الخيبعان باهتمام عدد من الباحثين، مثل الباحث الأديب عبد القادر محمد الصبان، الذي عرّفه، في كتابه (عادات وتقاليد بالأحقاف)، بأنه “شعر غنائي يعدد أوصاف ومحاسن العروسة وصفات أهلها. وتقوم بإنشاء ذلك الشعر النساء الشاعرات من أهلها وأقاربها أو مستاجرات، وتبتدئ الشاعرة بترديد يا خيبعان يا خيبعان، أو هداني ياهداني النسائية”. ويؤكد الصبان أن صوت الخيبعان يردد أولا في (جلسة القراضة) التي تقع الساعة العاشرة من صباح يوم الغسة، “وهي جلسة نسائية يحضرها والد العروس ومحارمها وتبتدئ بوضع الشبح أو الستارة بين النساء والرجال، وتفتتح الجلسة بقرع الطبول، ثم تلاوة الخيبعان في العروسة، ثم يقوم والد العروسة أو جدها أو جدتها بقص شعيرات من أعلى رأس العروسة”. ص101

ويؤكد الصبان أن صوت الخيبعان يكرر في (المسامرة) التي تقع مساء ليلة الغسة (أو الحراوة) التي تُزَف فيها العروس إلى بيت زوجها، ويكتب “في المسامرة تجتمع النساء في سمرة نسائية طويلة، تبدأ من الساعة التاسعة ليلا وتنتهي عند تحرك العروس لبيت زوجها، وفي تلك الجلسة يكون الرقص والزفين والشرح واللهو والطرب النسائي المتنوع، وقد يقمن ببعض التمثيليات الهزلية المرحة من وحي الواقع، ويعاد الخيبعان مرة أخرى”. ص102

وكرس المستعرب البريطاني روبيرت سيرجانت للخيبعان أربع صفحات من كتابه (نثر وشعر من حضرموت، ص 102-105). وقدم فيها جلسات النساء التي تردد فيها الخيبعان، وذلك على النحو الآتي: “تجتمع النساء في شكل دائرة في إحدى غرف الاستقبال، وتضم الدائرة ثلاث نساء يحملن الطبول، تحمل الكبرى منهن الهاجر، وهي الرئيسة أو الأم لهؤلاء النسوة المعروفات باسم المشترحات. وقبل الزواج تردد المرأة المغنية أبيات الخيبعان حتى تتمكن من حفظها، ويمكن أن تكون منتمية إلى أي طبقة كانت من طبقات المجتمع. ويقمن النساء ويرقصن على الخيبعان بخطوات رتيبة، إلى الأمام ثم إلى الخلف، ثم يتوقفن ليتمايلن بشعرهن كما يفعل المزارعون أو الحرث (البقارة) في الرزيح، ويسمى هذا نعيش. وتسمى هذه الرقصة في الخيبعان زفين.. وعلى الرغم من أن قصيدة ورقصة الخيبعان مضجرتان ومملتان إلا أن مشاهدتهما على الطبيعة شيء جميل كما قيل لي”. ص104

ومن اللافت أن روبيرت سيرجانت، بعكس الصبّان، ربط نظم قصائد الخيبعان بالرجال وليس بالنساء، إذ كتب: “مثل هذا القصائد ينظمها في الغالب شعراء من الرجال، قد يكونون أيضا من السادة أو المشائخ، لكنهم لا يقرون بنظمه، حتى لا تلحق بهم شائنة”. ص102

وإذا كان الباحث عبد القادر محمد الصبان قد كتب أن الخيبعان، لغةً، تعني دعاء على الحاسد بالخيبة (خيب عائن) اتّقاءً من شره، وبواسطته يتم تحصين العروسة في ليلة زفافها، فأن هناك من أجتهد وربط الخيبعان باسم أحد الآلهة التي كانت تعبد في حضرموت”. وهناك من قال إن الخيبعان اسم لعائلة كانت تمتهن الرقص والغناء.