عندما يمتزج السياسي بالثقافي

0000fattah

(ينصح بعدم القراءة من قبل ذوي الحساسيات….)

مسعود عمشوش

من المسلم به أن يكون أي رئيس دولة أو زعيم سياسي ناجح خطيبا جيدا. لكن هناك فئة من الساسة والزعماء حرصت على المزج التام بين السياسة والثقافة، ومارست الكتابة بمختلف أنواعها. واشتهر الرؤساء الأوائل للولايات المتحدة الأمريكية بحبهم للأدب والثقافة وممارستهم للكتابة. وفي أوروبا، كان المثقف لا يقل أهمية عن السياسي في شخصية الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران (1916-1996)، الذي كان قارئاً نهما للفكر والأدب والفلسفة، ونشر كتبا عدة. ويقال إنه لهذا السبب بادر إلى مضاعفة ميزانية وزارة الثقافة في بلاده أثناء رئاسته. ويؤكد أمين الريحاني، في كتابه (ملوك العرب)، إن الإمام الملك يحيى حميد الدين كان في عصره الشاعر الوحيد بين ملوك العرب.

وكتب الزميل المهندس الصحفي نجيب مقبل، في مقالة نشرها في مدونة خيوط في 24 فبراير 2022 بعنوان (أربعون عامًا على دار الهمداني، مشروع ثقافي رائد أفلَ قبل أوانه): “كانت لطبيعة النموذج الاشتراكي الذي كانت تحتذي به السلطة الحاكمة آنذاك، وخاصة بعد قيام الحزب الاشتراكي اليمني في 13 أكتوبر عام 1979، ذي النهج الاشتراكي العلمي، قد قرب المسافة بين السياسي والثقافي وكانت أكبر تجلياته في الرئيس عبد الفتاح إسماعيل الذي كان ينشر قصائده تحت اسم مستعار (ذو يزن)، وقدم نفسه كشاعر ومثقف، استطاع من خلال هذه البوابة أن يلتقي بشعراء عرب كبار، أمثال أدونيس وسعدي يوسف وغيرهم، وسار على منواله الرئيس علي ناصر في الاهتمام بالشأن الثقافي.وهذا ما جعل الاهتمام بالجانب الإبداعي يأخذ حيزًا من اهتمام قادة السلطة السياسية والحزبية، واعتباره جزءًا من معركة التقدم والتغيير الجذري في المجتمع. وكان اهتمام السلطة بالثقافة والإبداع يولد الحاجة إلى ضرورة إيجاد شكل ثقافي يحتوي رغبات المبدعين في الحرية الإبداعية وصناعة ثقافة وبناء مؤسسات ثقافية تمتلك قدرًا من حرية التعبير”.

ومن المعلوم أن عبد الفتاح إسماعيل قد نشر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كثيرا من نصوصه الشعرية في صحيفة (الثوري)؛ ففي عدد 18 أكتوبر 1986مثلا نشرت قصيدة (الدودحية). وفي عدد 25 يوليو 1987، كرست الصحيفة جزءا كبيرا من باب (ثقافة وأدب) لعبد الفتاح إسماعيل؛ فهناك قصيدة طويلة بعنوان (الشك) وقعت باسم ذو يزن (الاسم المستعار للشاعر عبد الفتاح إسماعيل الذي اختتمها على النحو الآتي:

يا مصباح يقيني الأحمر

أو تجرؤ أن تنطق حرفا من جملة صدق

حتى لو صلبوك..

هل يجرؤ.. من أجل إزالة أكداس الصدأ المتراكمة فوق جبين الحق؟

فلتومض!

ولتخترق في الظلمة والأسوار

كما تتعرى كل الأشباح ساعتها ينكشف الوجه الأعور

تتضح مكامن هذا الضعف.

كما تضمن الباب ترجمة عن الروسية قام بها عبد الفتاح إسماعيل لمقاطع من قصيدة (انتظريني) للشاعر السوفييتي قسطنطين سيمينوف. ويتضمن الباب كذلك مقالة للناقد المثقف هشام علي بن علي بعنوان (جدلية الثقافي والسياسي)، أكد فيها أن الهم الذي كان يورق عبد الفتاح إسماعيل يكمن في (الوصول إلى معادلة متوازنة بين السياسي والثقافي ليس على المستوى الفردي، فذلك أمر تمّ له عل صعيد التجربة الفردية كمثقف ومناضل بارز في الحركة الوطنية، لكن على صعيد التجربة اليمنية كلها.. ومن هنا أهمية ودور الثقافة؛ فالعمل الثقافي يسعى إلى تحطيم حلقة التخلف ويفتح التجربة التاريخية أمام الإبداع. لذلك من الضروري امتلاك رؤية ثقافية شاملة تستطيع توجيه التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، هذا ما يقوله عبد الفتاح إسماعيل للشاعر لعربي أدونيس: تأكدوا أنني أنظر أولا وقبل كل شيء إلى الثقافة والفن من منظور شمولي تماما؛ بمعنى تحرير الإنسان اقتصاديا وتحريره اجتماعيا، وتحرير عقليته من كل القيم والتقاليد القديمة وبناء تقاليد جديدة محلها. وكذلك تحريره من روابط الماضي وقيوده، لكن هذه عملية معقدة، وعملية طويلة جدا. بهذه النظرة الشمولية إلى الثقافة كان يتحدد أفق ومسار عبد الفتاح إسماعيل”.

وتجدر الإشارة إلى أن الصفحة الأخيرة من ذلك العدد كرست لمقالة طويلة كتبها حسن عبد الوارث لـ (أوراق من مفكرة عبد الفتاح اسماعيل).

واليوم يبدو لي أن مستوى هوس الثقافة بين ساستنا قد انخفض، على الرغم من بروز بعض الساسة الذين –بمساعدة الطاقم الإعلامي واللغوي المحيط بهم كما هو الحال دائما– لا تمنعهم انشغالاتهم بالأمور السياسية عن نشر مقالات وكتب كثيرة، مثلما يفعل اليوم د. عبد العزيز حبتور رئيس حكومة أنصار الله في صنعاء، الذي بات يمتلك دار نشر خاصة بكتبه التي تجاوزت ستين كتابا. وبالمقابل هناك في بلادنا أشخاص محسوبين على الثقافة والأدب لا يزالون يصرّون على الخلط بين العيسى (الشاعر) والعيسي رجل الأعمال السياسي.

وفي ختام هذه السطور علينا ألا ننسى أن كثيرا من المثقفين أو الأشخاص المحسوبين أساسا على الأدب والثقافة لديهم هم أيضا هاجس المزج بين الثقافي والسياسي. وقد تجسد طموح المثقف الأديب لممارسة السياسة في بلادنا في شخصية الأديب المرحوم عمر الجاوي الذي أسس في سنة ١٩٩٢ حزبا سياسا أطلق عليه حزب التجمع الوحدوي اليمني. ولم يسجل رسميا الا سنة ١٩٩٩