اليوم وقتش عبر يا نور قدريِّه

نور600

اليوم وقتش عبر يا نور قدريِّه

قراءة أولى في قصائد نور عبد القادر حسان

مسعود عمشوش خاص بموقع مهارات

أشار الأديب المؤرخ جعفر محمد السقاف، في كتابه (لمحات من الأغاني والرقصات الشعبية بحضرموت)، إلى بعض الشاعرات والمغنيات الحضرميات، مثل سعيدة مبارك بكير، التي ولدت وعاشت وتوفيت في بلدة بور شرقي سيئون، والشاعرة فاطمة البقري من منطقة الكسر غربي القطن، والشاعرة الصوفية الشيخة سلطانة بنت علي الزبيدي، صاحبة حوطة سلطانة بنت علي. ما عدا ذلك، نلاحظ أن مؤرخي حركة الأدب في حضرموت ركزوا على النتاج الأدبي للذكور، وأهملوا ما كتبته الإناث؛ فعبد القادر محمد الصبان، مثلا، لم يشر في كتابه الشهير والرائد (الحركة الأدبية في حضرموت)، لأي شاعرة حضرمية على الرغم من بروز عدد كبير منهن في بيئته وحوله، بل وفي بيته، فهو لم يذكر شقيقته شفاء محمد الصبان التي كانت شاعرة، ولا جدته لأبيه نور عبد القادر حسان (نور قدرية)، زوجة أحمد بكران الصبان، التي توفيت في سيئون سنة 1961، والتي اخترنا أن نكرس لها هذه السطور.

يذكر محمد عمر محفوظ حسان، الذي قام بجمع قصائد نور قدرية، عمة والده، أنه “كان لها ترددات كثيرة إلى بيوتات أبني أخيها محفوظ عبد القادر حسان، عمر وعبد الله، وتبقى الأيام الكثيرة عندهم تشارك خالها في إنشاء القصائد والمساجلات الشعرية خاصة مع الوالد عمر لولعة الذي قال فيها عدة قصائد عند نزولها وجلوسها عنده وعند العم عبد الله. ولها عدة قصائد فيهما جواب على قصائده والمرموز بقولها: بو قدري وبو سالم، وكذلك في ابن أخيها علي بن محفوظ حسان الفقيه المعروف والعم سالم بن أحمد محروس الملقب بو سلوم”.

وقد ذكرت نور حسان ولعها الشديد بالغناء والسلا في عدد كبير من قصائدها، التي نظمتها حتى بعد تقدمها في العمر، وقد كتبت في إحداها:

حب السلف عندي عسى لا أنقطع

على الأثر با سير وأتبع

أهل التقى والعلم وأهل الورع

وجوههم بالنور تلمع

من حبهم يسقونه كرع

دائم وهو في خير يجزع

حرك اشجاني ذاك لي فقع

على الطرب بالصوت يسجع

حب السلا في وسط قلبي زرع

وفي السلا قلبي مولّع

لا قوت يستاكل ولا ماء اجترع

يا أهل السلا قلبي مضيّع

داويت في داويت ما شي نفع

وشي دواء للقلب ينفع

يا ريت إلا بالتماني تقع

با أدّية لمّا الفجر يطلع

يا ريت حتى كان بعض السِوَع

لا عندكم با سير وأرجع

واليوم شو وقت الصغر قد جزع

لمّا متى ما طعت أقنع

وأختم بمن هو في للخلائق شفع

محمد البدر المشفّع

وفي قصيدة أخرى تتذكر نور قدرية كذلك ليلة من ليالي الغناء التي انتزعت فيها منهن أدوات الغناء (الهاجر والمراويس)، بسبب مبالغتهن في الرقص، وتقول:

ويقول من حركت شجونه طول الدجى ما هنى رقده

هو من ينسنس على الدانِ لا شل صوته تنسمته

صوت الغناء حرك أشجاني ولعاد غنيت لي مده

وكل ما جيت با غنّي حصلت دنيا الندم نِكده

ذكرت أوقات قد عبرت على المسرات والرعشة

على صفاء وقتنا دائم وقلوبنا كلنا وحده..

هاتوا سبح با نشل شروة من عندنا شلّوا العده

صبان لي يحمل الهاجر وكل الشور من تحته

وتفقدي قل لجوّاسه وخلي الطبع والحده

ما شان صبان ما سيبه ذلاّ عمر حامل الشده

حريم بيّتن في شده كما المغاريم في جدله

يرقصن من فوقنا قامه ما قاصر ألا من الهدّه

وحينما تقدم العمر بالشاعرة نور، عبرت عن حسرتها على ما سلف من أيام الشباب، لا سيما تلك التي كانت فيها على اتصال بأبني عمها محفوظ، عبد الله وعمر، وقالت:

أبديت بالله ربي واسع المدة ولا يرده خلي من مج له يدّه

ومن توثق بحبل الله ما خلاّه كلٍّ تفطر وني في الدار حسرانه

ودير لفكار وسط الريم حيرانه لكن في عافيه با قول الحمد لله

يا هوين يا هوين ما شي مقدرة فيِّه واليوم وقتش عبر يا نور قدريِّه

لإنسان لكذ حُذُق يقعد في مصلاه

قلبي تشوّق لبو سالم وبو قدري إذا ذكرت مجالسهم حِيي قلبي

نقعد على بسط حتى القوت نتهنّاه

يحفظهم الله قد وقعوا سند ليِّه عيال خويه قعوا يا خير ذريه

من بر في الرحم يتقرب إلى مولاه…

ويطول عمري عسى يارب جازيهم وشل من رزق با قسِّم وبا أعطيهم

والجود لي هو معيِّه قط ما بانساه

ومن اللافت أن الشاعرة نور قدريه كثيرا ما تستخدم ضمير المذكر، فهي تبدأ إحدى قصائدها قائلة: يقول خو لاثنين قلبي قنع وأزهدت في الدنيا الدنية… وتستخدم ضمير المذكر كذلك للداعية علوية بنت عبيد الله السقاف، وذلك في قصيدة نظمتها بمناسبة زيارة قامت بها لها تلك الداعية، ودعت فيها بنزول المطر، قالت فيها:

قال الذي سهران بيت شوه في طول الدجى

ألفين يا حيا بنون العين عندي يوم جاء

حيا بشيخ العلم لي له صيط رافع بالعلى

وجاء على نيته من مولاه يبشر بالجزاء

الله يتمم قصدها يا رب في هذا وذا

عسى لها فرحة من المولى تقع في الوقت ذا

وفي ظلام الليل باتهجد وأكثر في الدعاء

بالعافية بادعي لها دائم وبالعمر المدي

من مد يده إلى كريم الوجه ما ترجع خلاء

عسى ببركتها تقع نفحة وكلين اهتداء

وتنزل الرحمة على الوديان كل جرب امتلاء

وتشرب الحمة نشوف النخل يرعش بالحياء

وتطلع لثمار ترجع رخص من بعد الغلاء

ألف صلاة الله على خير الورى نور الهدى

وفي إحدى القصائد الأخرى تتوجه نور بالدعاء لحفيدها عبد القادر محمد الصبان، قائلة:

قل لقدري في كل شي يبلغك ربي

بجاه خير البشر

دائم أدعي لك عافية دوب وأعمار تمدي

يا قرة العين والنون

إضافة إلى ذلك، تضمّن نور قدرية بعض قصائدها عددا من المواعظ والنصائح تدعو فيها الناس إلى الصبر والقناعة والتحلي بمكارم الأخلاق، وتعزو فيها سوء أحوالهم إلى أعمالهم السيئة، قائلة:

يا بخت من هو على حكم القضاء صابر

ولا يعول على الدنيا وما فيها

ودوب وقته وهو حامد وهو شاكر

تعبر حياته سعيده ما يشوف الهون

واحذر هوى النفس تتبع شورها العاثر

لا والحذر لا تساير من يدهبيها

واحفظ فروضك ودينك لا يقع قاصر

وساير أهل السلف لي في الكتب يقرون

ذلا من أعمالنا يوم الزمن غائر

بسطاه متعكية والله با يبتيها

ولا يفوتها أيضا أن تؤكد، وهي توعظ الناس، أن الالتزام بالأخلاق الحميدة لا يتنافى مع حب السلا والطرب، وتقول في إحدى قصائدها:

يا بخت من هو في طريق المصطفى شمر وسار

يحفظ فروضه هي ودينه وإن ركع وقت المثار

وساير ألا الزين واحذر لا تساير كل ضار

وساير أهل العلم وأهل العرف والناس الخيار

والنفس لا تتبع هواها شف هواها ألا غيار

واحذر من الغيبه وجنب منها شفها دمار

وأما السلا لا فيه شي خزوه ولا شي فيه عار

وألف صلاة الله على أحمد عد ما كل طير فار

ولا تتردد الشاعرة نور قدرية في تناول الشأن العام في بلادها حضرموت، وتذكر ما آلت إليه من فوضى ونهب وظلم ومجاملة ونفاق، مثلما قالت في هذه القصيدة:

ما حضرموت اليوم مشرح لآل حاضر

لا جابوا الحاصل يقول التمر ليه

ودوب شرحان شو كل يخابر

مولى النقيله شب في بطنه مشاعيل

ما يسلك في البلد إلا من كان تاجر

وكل من هو تحت يده دامكيه

إذا بغى حيه يضويها صوادر

حتى خيار الناس رجعوا له مذاليل

وقالوا إنه شيخ ذا رجال طاهر

لا هو عمي ردوا كلامه في السويه

كل يحبه قال أنا باعطيه خاطر

لميد تسلوم الدراهم والمواكيل

وكثرت الأشوار كم من شور عاثر

وتغير التركوب بقعة ملعبية

وين لي هم يعرفون المناكر

ولعاد حد ميزوا في الحكم تعديل

وأهوال ظهرت ذا الزمن والذهن حائر

وين هم لي يبتون العكيه

لي صدروا الحكم كل قام شاكر

على طريق الشرع ما شي فيه تبديل

ما يحكمون إلا المحابي في المحاضر

وألقوا مجامع في حجج ما هي بتيه

كمين واحد قال أنا رجال شاطر

وألقى عمامه شال وألقى له عثاكيل

ويا الله عسى خير يأتي بالبشاير

من كل بلده والطرق سمحه بتيه

وكل من له دراهم با يبادر

ولعاد شي جمرك ولا في الحكم تسجيل

وفي قصيدة أخرى تقول:

قال الذي بيت عبر الليل الطويل البهيم

حيران في الدنيا وفي ذا الوقت علمك يا عليم

وأتغير التركوب في الأشوار شو كل قسيم

غلوا في الأسعار والكبهات والطبع الشتيم

والنقص والقصران عند الكيل والفعل الذميم

والآدمي طاغي في الدنيا على نفسه غشيم

ما يحسب المخرج من الدنيا ولا نار الجحيم

إن حد بغى شي دين يوحل ما يحصل له غريم

ساروا إلى المطعم توطا كل من راسه حشيم

كم الغنم في الحوش الرحلان مره والحريم

وتعود نور قدرية إلى وصف الأوضاع المتردية في سيئون في قصيدة أخرى طويلة، وتربط فيها بين تردي الأوضاع وبين اضطرار الرجال إلى ترك العمل فيها والهجرة، وتركهم لنسائهم وأطفالهم وأرضهم، وقالت فيها:قال الذي في الدجى بيت يدير الفكارمن وقت جوان شيب بالطفول الصغارأهوال في الوقت ظهرت منها الذهن حاروأتغير الوقت بالوكلاء وكثر لشواركلين يعمل برأيه والغلا في السعارما حد يلبي بحد صاحب ولعاد جارولعاد مده ولا صدقه والأيدي قصاروضاقوا الناس ساروا إلى طريق السفارساروا وخلوا نساءهم والطفول الصغاروأهل الخلا كلهم ساروا وخلعوا الآباردركاه يا أهل السلف يا أهل الرتوت الكبارعسى غياثه من المولى علينا يغاروتأتي أخبار لي تفرح وفيها مساروالصلح في كل بلده وأنطفت كل نارسيئون ترجع على العاده بلاد النوارالعلم والدين والطاعات فيها سبار