مالرو وملكة سبأ، أو عندما يبلف* العظماء

palau

مسعود عمشوش 

من المعلوم أن جنوب شبه الجزيرة العربية قد شهد في ثلاثينيات القرن الماضي موجةً واسعة من الرحلات الاستكشافية، التي قام بها مستشرقون ومستعربون ورحالة مغامرون وضباط وجواسيس من مختلف الجنسيات؛ منهم الألماني هانز هيلفيريتس، والبريطانيان فريا ستارك وجون فيلبي، والهولندي فان دن ميولن. وفي الغالب كان اكتشاف طريق البخور ومدينتي شبوة ومأرب الهدف الرئيس لهؤلاء الرحالة المغامرين، الذين كانوا، لضمان الحصول على التمويل اللازم لرحلاتهم وجذب القراء للكتب التي سردوا فيها رحلاتهم، يحرصون على اقتناء أحدث آلات التصوير لالتقاط الصور التي ضمنوها كتبهم. ففي سنتي 1931 و1932 قام الرحالة المغامر الألماني هانز هيلفيريتس برحلتين إلى جنوب الجزيرة العربية، وصل خلالهما إلى وادي حضرموت، ونشر صورا ممتازة لمدينة شبام نُشِرت في عشرات الصحف والمجلات الغربية، وضمنها كتابه الثاني عن حضرموت (شيكاغو الصحراء). وكانت تلك الصور محفزا لعدد آخر من الرحالة، أشهرهم فريا ستارك التي كرست أحد كتبها للصور التي التقطتها في حضرموت: (مشاهد من حضرموت Seen in Hadramout).

وشاهد صور شيكاغو الصحراء كذلك الرحالة والدبلوماسي الفرنسي أندريه مالرو، الذي أصبح وزيرا للثقافة وأمر الرئيس ميتران بنقل رفاته إلى مقبرة عظماء فرنسا بباريس، والذي كان قد نشر عددا من التقارير المصورة التي أعدها خلال رحلاته لكمبوديا والصين. وفي 9 ديسمبر 1933 نشرت وسائل الإعلام الباريسية تصريحا أعلن فه أندريه مالرو أنه قرر القيام برحلة استكشافية لتحديد موقع مدينة، [مأرب عاصمة ملكة سبأ] الذي يعرفه جيدا.

وللقيام بتلك الرحلة كان مالرو بحاجة إلى طائرة قادرة على التحليق عاليا فوق جنوب الجزيرة العربية، وتطير بسرعة 4000، ومدة طيران تمكنها من بلوغ صحراء الربع الخالي والقيام برحلة ذهاب وإياب من إلى مأرب دون التزود بالوقود. وعرض عليه المليونير بول لوي ويلر Paul-Louis Weiler وضع طائرته الشخصية الـ Farman 190، والطيار كورنيجليون مولينير والمهندس مايلارد تحت تصرفه. ولكي يتمكن من الحصول على أحدث آلات التصوير لالتقاط صور الرحلة أبدت صحيفة الانترازيجان Intransigeant اليومية الباريسية، دفع ثمنها مقابل حقوق النشر الحصري لصور وتقارير الرحلة.

وغادر مالروا وكورنيجليون مولينير ومايلارد باريس دون إبلاغ السلطات بوجهتمه. وتوقفوا في إيطاليا وليبيا ومصر قبل الوصل إلى جيبوتي. وفي الساعة 6 صباحًا من السابع من مارس 1934، أقلعت طائرة الفارمان من جيبوتي اتجهت شمالا ثم شرقا، وحلقت بالقرب من ميناء المخاء في الجانب الآخر من البحر الأحمر، وحرص الطيار الماهر كورنيجليون مولينير الابتعاد عن المدن لتجنب عيون البريطانيين واليمنيين. وفي الساعة 10 صباحًا، كانت الطائرة استهلكت نصف القود، حينما شاهد مالرو تحتهم سهلا رمليا تنتصب وسطه بعض المباني، وقرر أنها ما يبحثون عنه: مدينة ملكة سبأ، وأمر الطيار بالانخفاض لالتقاط مائة صورة، وقال إن البدو أخذوا في إطلاق النار تجاههم، لهذا سارعوا في الابتعاد والعودة باتجاه البحر، لاسيما أن الوقود ينفد، ولن يستطيعوا الوصول إلى جيبوتي، وهبطوا في طريق مستقيم بالقرب من بلدة أوبوك، في خليج تاجورة بالقرب من جيبوتي. ومنها أرسل الكابتن كورنيجليون في 8 مارس الساعة 7 مساءً، برقية إلى صحيفة L’Intransigeantهذا نصها: “اكتشفنا مدينة سبأ الأسطورية. قف. عشرون برجا أو معبدا لا تزال قائمة. قف. في الحد الشمالي للربع الخالي. قف. التقطنا صوراً مذهلة. قف. تحياتنا”. وهكذا يبدو أن مشروع مالرو أصبح حقيقة. وشرع في كتابة سلسلة من المقالات التي بعثها إلى L’Intransigeant، وكذلك فعل الطيار Corniglion-Molinier، تارة تحت عنوان (فوق الصحراء العربية) وتارة أخرى تحت عنوان (التحليق فوق العاصمة الغامضة لملكة سبأ). ونشرا كذلك بعض الرسومات التخطيطية التي ساعدهما في منتجتها المهندس المعماري، أندريه هاردي، لأن الصور الفوتوغرافية كانت في الحقيقة مخيبة للآمال. ولاحظ المتابعون أن مالرو، بدلاً من تحرير تقرير مفصل عما شاهده في الواقع، ضمّن مقالاته قصصا مستوحاه من الكتاب المقدس تتحدث عن سليمان وقصته مع ملكة سبأ والشياطين الذين حرسوا قصرها سنوات طويلة.

وفي الحقيقة، تم التشكيك في إنجاز مالرو ووصوله إلى فوق مدينة مأرب حتى قبل أن ينشر تلك المقالات، التي لم تتضمن صورا فوتوغرافية لأنقاض مدينة مأرب وتثبت حقيقة اكتشافه. وبعد نشر المقالات ارتفعت حدة الجدل، وردد بعض القراء أن مالرو ” خلط كل شيء”، وخلط بين سبأ والمخا، ولم يأت إلى نجدته أي عالم آثار معروف، فيما يتعلق بتحديد أنقاض عاصمة ملكة سبأ. وأكد مالرو نفسه أنه كان بإمكانه الخلط بين مدينة ضخمة ونجوع صغيرة. وكانت لديه شكوك. وكتب أن “ملكة سبأ معروفة من مصدرين فقط: الكتاب المقدس والقرآن. باختصار، لقد كتبت الآلهة وحدها عن هذا الموضوع، ويمكننا أن نرفض وجودها، ونأخذها على أنها أسطورة”. وفي الولايات المتحدة، نشرت الصحف مقالات وخرائط وصورًا لطاقم الرحلة.

malraux

وفي العام الأول من هذه الألفية نشر الكاتب الفرنسي أوليفه تود أشهر كتاب سيرة عن أندريه مالرو، قدم فيه العديد من الحجج والبراهين على بطلانه ادِّعاء مالرو اكتشاف موقع عاصمة ملكة سبأ أو التحليق فوقها، وكتب: “كان مالرو مولعا دائما بالشرق الاوسط، وكان يراه فيه أرض للصيد الأدبي”. وذكر أن مالرو كان يريد أن “يتقمص” شخصية لورنس العرب، الذي كان يتحدث اللغة العربية وتخفى بزي بدوي ليعيش بين العرب. وكان يريد أن يعيش المغامرة نفسها، بعد أن قابل رحالة ألمانيا اسمه جاكوب ستاب في افغانستان وأخبره أن هناك “قطعا ذهبية مدفونة في خرائب عاصمة مملكة سبأ في مأرب، قريبا من صنعاء البيضاء في اليمن”.  ويرى أوليفيه تود أن اندريه مالرو قد “بلف فعلا، ولكن ليس مثل كذب أولئك الذين أرادوا أن يحصلوا على مكاسب صغيرة وإنما على غرار نابليون أو قيصر”، ويرى كذلك أنه استحق بجدارة بطاقة الدخول إلى (البانتئون)، مقبرة العظماء وسط باريس.

*يبلف كلمة عامية تستخدم في عدن بمعنى كذب كثيرا.