سطوة الصورة في الكتب الأدبية

imageries

سطوة الصورة في الكتب الأدبية
مسعود عمشوش
من المؤكد أن العين البشرية قد استمتعت بالرسومات الفنية والتماثيل قبل أن تستمع بمشاهدة الكلمات في الكتب المخطوطة يدويا، التي تضمّن قليل منها بعض الرسومات، واللوحات الفنية قبل الانتشار الواسع للمطبعة في القرن التاسع عشر. وقد قال الجاحظ يوماً لتلاميذه: لم يُخجلني طيلة عمري أحد، كما فعلت امرأة ثريَّة، لقيتني في بعض الطُّرق، وسألتني أنْ أصحبها ففعلت، حتَّى أتت بي إلى مَحلِّ صانع للتماثيل وقالت له، مُشيرة إليَّ: كهذا. فبقيتُ حائراً مِن أمرها، ولمَّا انصرفت سألت الصائغ عن القِصَّة، فقال: لقد سألتني هذه المرأة أنْ أصوغ لها تِمثالاً للشيطان، فقلت لها: إنِّي لم أرَ الشيطان كي أصوغ تِمثاله، فطلبت مِنِّي أنْ أنتظر حتَّى تجيء بتِمثاله، واليوم جاءت بك إليَّ وأمرتني أنْ أصوغه شبيهاً لمنظرك.

وبرزت في القرن التاسع عشر، الذي شهد الانتشار الواسع للمطبعة وظهور الصور الفوتوغرافية، ظاهرة جديدة غيّرت جذريا طريقة جذب عين القارئ وعاشق الفن والنصوص الأدبية؛ وتجسدت الظاهرة في استخدام الصور الفوتوغرافية بكثافة في الكتب والإعلانات والملصقات، والتماثيل الشارع، وأصبحت (التصاوير) الأيقونية والحجرية والنحاسية، بمختلف أنواعها عنصرا مهما لتقديم الواقع والخيال.
وقد تنبّه لأهمية هذا التغيُّر الناقد الأكاديمي الفرنسي فيليب هامون، أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة باريس3، الذي اشتهر بين القراء العرب بفضل كتابه (الشخصية الروائية)، وذلك في كتابه (التصاوير، الأدب والصورة في القرن التاسع عشر 2001 Imageries, littérature et image au XIXe siècle ). ويشير هامون في مقدمة الكتاب إلى دهشة الروائي بلزاك بانجذاب عيون الباريسيين في حياتهم اليومية بمختلف المشاهد البصرية، كالألعاب النارية والزجاج الملون ومعارض الصور واللوحات والإعلانات والرسومات الكاريكاتورية. وكتب أن القرن التاسع عشر تميز بنهم النظر، وتضخم العين، وتشبع الفضاء بالصور، والتماثيل، وزجاج النوافذ، والمتاحف، والنقوش. وأسهمت هذه الأنواع الفنية والممارسات الجديدة في تكوين ثقافة بصرية جديدة.
وسعى فيليب هامون في كتابه إلى الكشف عن الآلية التي ساعدت الصور والرسومات والتماثيل والإعلانات على فرض نفسها على القارئ والمشاهد في القرن التاسع عشر وأرغمت الأدباء على قبول أن يفسح الناشر والمخرج حيزا كبيرا من كتبهم لمختلف أنواع التصاوير والايقونات البصرية. ويخلص إلى أن القرن التاسع عشر وحد بين الصورة والنص الأدبي، لا سيما في بعده “الواقعي”، بين عامي 1840 و1890. واستشهد هامون بنص (قلب البسيط) Un cœur simple، الذي كرستُ له رسالة ماجستير دافعت عنها في جامعة بوردو 3 سنة 1980. فهذا النص الواقعي يعج بوصف النقوش، والزجاج الملون، والتماثيل، والشخصيات. ويرى فيليب هامون في انتشار الملصقات والصور الإعلانية التي غطت، ليس فقط جدران الشوارع والمتاحف في القرن التاسع عشر، بل كذلك صفحات الكتب والمجلات، في ذلك التغيّر انتصارا للتجارة، وإمبراطورية التفاهة، والتنوع الذي ميّز الثقافة البصرية الجديدة في القرن التاسع عشر، أولا، ثمّ أخذ أبعادا أوسع في القرن العشرين، ففيه باتت الصور تمارس تأثيرا هائلا في القارئ والمشاهد بفضل شاشات السينما والتلفزيون ووسائل الميديا المختلقة.

وباتت الصور من أهم العناصر المحفزة على مواصلة النصوص الأدبية، لاسيما الخيالية. وصغارا، كنا في كثير من الأحيان نواصل قراءة حكاية ألف ليلة أو رواية لنجيب محفوظ بدافع الوصول للصورة التالية. وبسبب سطوة الصورة في هذا العصر، تمت طباعة كثيرا من النصوص التي لا تتجاوز مخطوطاتها المئة الخمسين صفحة، في 450 صفحة.
ومن المعلوم أن دراسة الصورة غدت اليوم أحد الميادين المهمة للنقد الثقافي المقارن أو الدراسات الثقافية. وبما أن معظم الرحالة الغربيين الذين زاروا بلادنا منذ نهاية القرن التاسع عشر قد حرصوا على تضمين كتبهم كثيرا من الصور لضمان انتشارها بين القراء، فقد ضمنت دراستي للكتب التي نشرها بعض هؤلاء الرحالة، فصولا قدمت فيها الرسومات والصور التي ضمنوها تلك الكتب، فكرست فصلا من كتابي (حضرموت في كتابات فريا ستارك) لتقديم الصورة عند فريا ستارك. وكرست فصلا من كتابي (المستكشف هاري سانت جون فيلبي) لتقديم الرسومات التي احتواها كتابه (بنات سبأ).
وخلال السنوات العشر الماضية وجهت عددا من طلبة الدراسات العليا إلى تخصيص فصول من رسائلهم لدراسة الرسومات والصورة في عدد من كتب الأطفال والروايات التي نشرت في بلادنا.
وفي نهاية هذه السطور يمكن أن أشير إلى أن كثيرا من المحققين (الحداثيين)، الذين تولوا نشر بعض نصوص أدبائنا – لاسيما النصوص الخاصة بأدب الرحلة- اختاروا أن يضمونها مئات الصور الفوتوغرافية، وذلك سعيا منهم لمساعدة القارئ على تصوّر الأماكن التي زارها صاحب الرحلة. هذا ما فعله، مثلا، الدكتور محمد أبوبكر حميد في كتاب (يوميات باكثير)، والدكتور محمد أبوبكر باذيب في كتاب شيخ الحبشي (الشاهد المقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول).