صورة المولدين الحضارم

hadr

صـــــــورة المولـــــــــــدين الحضارم في الأرخبيل الهندي

(دراسة تحليلية مقارنة لكتابات فان دن بيرخ وأحمد عبد الله السقاف وحامد القادري)

د. مسعود عمشوش 1998

 منذ نهاية القرن التاسع عشر حظيت الهجرة الحضرمية باهتمام بعض السياسيين والمؤرخين والأدباء من العرب والأجانب، وذلك بسبب حجمها الكبير وأهمية الدور الذي يقوم به المهاجرون الحضارم وأحفادهم في المناطق التي هاجروا إليها أو ولدوا فيها. وفي الربع الأخير من القرن العشرين أزداد الاهتمام بمختلف قضايا الهجرة الحضرمية لاسيما في إطار نوع جديد من الدراسات الاجتماعية الانثروبولوجية والاستشراقية يُعنى بظاهرة الأقليات و”الشتات diaspora”، فنظمت لها ندوات في لندن وبطرس جراد وماليزيا، وشجعت كثير من الجامعات ومراكز الاستشراق الغربية الباحثين على القيام بدراسات حولها. وفي اليمن كذلك كرست ندوة (المغتربون: الرافد الأساسي للتنمية المستدامة، 1999) جزءاً كبيراً من أبحاثها لدراسة الهجرة الحضرمية.

وإذا كان عدد كبير من الباحثين الذين تناولوا الهجرة الحضرمية لا يميزون بين الحضارم الذين ولدوا في حضرموت وآلاف المولدين الذين ولدوا في المهجر من أب حضرمي وأم من عرق آخر (جاوي أو ملايوي أو هندي أو صيني أو أفريقي) فقد لاحظنا أيضاً أن عدداً محدوداً منهم قد تنبه للتباينات الكبيرة بين شخصية المهاجر وشخصية المولد ورسم صورة خاصة لكل منهما.

ضمن اهتمامنا بدراسة صورة حضرموت في كتابات الأجانب التي باتت تشكل أحد أهم ميادين البحث في الأدب المقارن، سنحاول في هذا البحث أن نرصد أهم ملامح صورة المولدين العرب في الأرخبيل الهندي، وذلك من خلال القيام بدراسة تحليلية مقارنة للنص الذي كتبه المستعرب الهولندي فان دن بيرخ (حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي) والذي نقدم في هذا الكتاب ترجمة لجزء كبير منه،(1) ونص (فتاة قاروت)، وهو”رواية انتقادية تتناول عادات المهاجرين الحضارم في جاوه” نشرها أحمد عبد الله السقاف في جاوه سنة 1928،(2) وكذلك النص الذي يتناول فيه المولد حامد القادري (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا).(3)

في الجزء الأول من الدراسة سنسعى إلى تقديم  تعريف أوّلي للمولدين وتحديد أهم مكونات هويتهم. وفي الجزء الثاني، بعد تحديد طبيعة العلاقة بين المولدين وحضرموت أرض الأجداد وكذلك العلاقة المتذبذبة بين المولدين والمهاجرين الحضارم، سنتناول العلاقة بين المولدين والسكان المحليين الآخرين في الأرخبيل الهندي، وسنبين كيف اصطدم حماس المولدين للاندماج في المجتمعات المحلية بموقف السلطات الاستعمارية العدائي تجاه المولدين من أصل عربي. أما الجزء الأخير فسنكرسه للكشف عن المنطلقات الأيديولوجية المتباينة التي ترتكز عليها نصوص فان دن بيرخ وأحمد السقاف و حامد القادري.

ومن خلال مقارنة موقف كل من المولدين أنفسهم والمهاجرين الحضارم والسكان المحليين والمستعمرين الهولنديين، نعتقد أنه سيكون بوسعنا في نهاية الدراسة أن نبيّن مدى قدرة أبناء المهاجرين الحضارم وأحفادهم على التكيف والاندماج في المجتمعات التي يعيشون وسطها.(4)

الجزء الأول: من هم المولدون الحضارم وما أهم مكونات هويتهم؟

يذكر فان دن بيرخ في كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي) “أن غالبية العرب المهاجرين في جميع المستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي يأتون من منطقة واحدة في حضرموت تمتد من شبام غربا إلى تريم شرقا”.(5) ويلاحظ أيضاً أن العرب الآخرين الذين يمرون في المستعمرات العربية لا يستقرون فيها. وبما أن المهاجرين الحضارم لا يحضرون معهم زوجاتهم أو بناتهم فهم يتزوجون من نساء محليات (ملايويات أو صينيات أو مولدات، وهؤلاء المولدات هن في حكم المحليات من حيث اللغة والطباع والعادات).  لذلك، فالمولدون في جزر الأرخبيل الهندي هم أبناء المهاجرين العرب الحضارم وأحفادهم من أم محلية: جاوية أو ملايوية أو صينية أو مولدة حضرمية.(6)

ويبرز فان دن بيرخ في الجزء الثاني من كتابه عددا من السمات التي تميّز المولدين الحضارم في الأرخبيل عن أبائهم الحضارم. ومن أهم أوجه الاختلاف تلك: اللغة. “فبما أن الحضارم القادمين إلى الأرخبيل الهندي لا يحضرون معهم نساءهم، فجميع العرب الذين يولدون في هذه الجزر تقريباً يحملون دماءً مختلطة. وإذا كان العرب المقيمون في الأرخبيل الهندي يتحدثون فيما بينهم بلغتهم الأم، فهم في البيت مع أولادهم، لا يستخدمون إلا اللغة الملايوية أو لغة محلية أخرى التي هي لغة أولادهم. ومع ذلك، ففي المستوطنات الكبيرة، حينما يبلغ الأبناء الذكور سن الرشد يتعلمون شيئاً يسيراً مع اللغة العربية، في الغالب من خلال محادثاتهم مع مواطني آبائهم. أما البنات فلا يتحدثن إلا مع نساء محليات لا يعرفن العربية، وبما أنهن لا يستطعن الحديث مع رجال باستثناء أزواجهم أو محارمهن الذين يخاطبونهن منذ الطفولة بالجاوية أو الملايوية ـ فهن لا يفقهن من العربية إلا بضع كلمات. وفيما عدا بعض الحالات الاستثنائية، لا تستطيع أية بنت منهن الخوض في محادثة حتى بسيطة باللغة العربية”.(7)

ويؤكد فان دن بيرخ أن الحضارم الذين يرغبون في رفد أبنائهم بتعليم متميز يرسلونهم عند أقربائهم في حضرموت. وهناك “يعيشون في بيئة عربية بعيداً عن الوسط الجاوي أو الملايوي المثير للأعصاب. ويبقى الأولاد في تلك البيئة العربية بضعة سنوات يتعلمون خلالها لغة أجدادهم”. ولكنه يضيف “ومع ذلك فبضع سنوات في حضرموت لا تكفي لتحويل مولد إلى عربي حقيقي. فعند عودتهم إلى الأرخبيل الهندي يستخدم كثير من هؤلاء المولدين اللغة الملايوية في حياتهم اليومية بشكل تلقائي ويبحثون من جديد عن أصدقاء الطفولة ويأنفون معاشرة العرب القادمين من حضرموت”.(8)

ومن السمات الإيجابية التي يلصقها فان دن بيرخ بالمولدين: مرونتهم. فهو يرى “أنهم أكثر أدباً ومرونة من العرب المولودين في حضرموت، ويقبلون ممارسة أعمال يرفض آباؤهم القيام بها لأنهم يرونها أقل من مستواهم. ويمكننا أن نلاحظ كذلك أن التقديس الذي تحظى به مكة المكرمة بين السكان المحليين يبرز أيضاً عند المولدين ولاسيما حينما تتسع المسافة الاجتماعية والثقافية بينهم وبين الحضارم. وقد تعرفت على بعض المولدين الذين زاروا مكة ولم يقوموا بزيارة حضرموت. وبالمقابل، لاحظت أن الحضارم يعتبرون الحج فريضة دينية ولا يولونها اهتماماً مبالغاً فيه كما يفعل المولدون. وفي كل الأحوال لا نجد لديهم ذلك الشعور تجاه مكة المكرمة الذي نجده لدى السكان المحليين”.(9)

وبعكس فان دن بيرخ الذي يرى أن المولدين أكثر التزاما بتعاليم الدين الإسلامي من المهاجرين أنفسهم، لاسيما في ما يتعلق منها بأداء فريضة الحج، يجعل مؤلف (فتاة قاروت) مولده “المتفرنج” يبتعد عن القيم الدينية والأخلاقية السليمة إذ يؤكد أنه “لم يكن متمسكا بالدين كما يجب لأن ذلك في نظره شأن من لم ترتق أفكاره ولم يزل من أهل الجمود. أما من هو مثل حضرته في رقي الأخلاق فلا يحتاج إلى تلك التقاليد”.(10)

ويؤكد حامد القادري، من ناحيته، أن المولدين قد وقفوا بشدة ضد ممارسة بعض المهن التي يقوم بها آباؤهم العرب وتسببت في تشويه سمعتهم. فهو، مثلا، بعد انتقاله إلى جاكرتا لمواصلة دراسته العليا في كلية الحقوق، صار يشعر “أن هناك، إلى جانب انتمائه إلى وطنه إندونيسيا، أمورا يجب القيام بها. فصورة العرب المقرونة بالربا يجب القضاء عليها وذلك بالقضاء على الربا بين العرب. لذا أيّد بقوة محاربة الربا، وكان يلح دائما على حزبه ليتخذ الإجراءات الصارمة للقضاء عليه بين العرب”.(11)

وإذا كان حامد القادري يتجنب ذكر أيه صفة سلبية لدى المولدين ففان دن بيرخ لم يتردد في رصد بعض الخصال الحميدة لدى الحضارم والتي تختفي عند المولدين. فهو يلاحظ أن “أول ما يلفت الانتباه لدى الحضارم: نشاطهم وحيويتهم. لكن من المؤسف أن هذه المزايا تختفي بسرعة في أبنائهم الذين، بعد بعثرة وضياع ثروات الآباء، يعيشون في الغالب حياة فاقة خالية من العزيمة والقدرة على استعادة مراكز آبائهم”.(12)

ولهذا يبدو أن سمعة المولدين كانت في نهاية القرن التاسع عشر أدنى من سمعة العرب المولودين في حضرموت. فكثير من المولدين لا يلتزمون بأعراف عائلاتهم ويسعدهم أن يزوجوا بناتهم من مواطنين محليين لديهم مراكز اجتماعية مقبولة، وبغض النظر عن جنسهم. “بل أن بعضهم يشرع في لعب القمار وتعاطي الأفيون والكحول. وربما تصبح هذه الميول حادة إذا كان الأب نفسه مولداً ولم يستطع أن يرسل ابنه إلى شبه الجزيرة العربية”.(13)

وربما لهذا السبب يلاحظ فان دن بيرخ “أن رجال الأعمال يفضلون الحضارم المولودين في حضرموت على غيرهم للعمل لديهم، ولاسيما في الوظائف التي تتطلب أشخاصاً موثوقاً فيهم. أما بالنسبة للمولدين فلا يتم قبولهم إلا في الوظائف الدنيا أو التي تتطلب معرفة خاصة باللغة والعادات المحلية. وهم يطلبون أجراً أقل من العرب الوافدين مؤخرا”.(14)

وفي رواية (فتاة قاروت) قام المؤلف أحمد عبد السقاف بخلق شخصيتين ثانويتين لكي يستطيع أن يجسد من خلالهما عددا من السمات السلبية للمولدين الحضارم ونقدها. وأولى هاتين الشخصيتين: مولد كانت النتيجة الملموسة لتعليمه في المدارس الأوروبية هي مسخ معظم مكونات هويته العربية الإسلامية، إذ أنه صار مثل الأوروبيين يكره جميع عادات أبناء جنسه العرب، ولاسيما الحضارم. فالراوي يقول عنه “ورأيه في بني جنسه رأي أغلب الأوروبيين فيهم، حتى لو فرضنا أنه يمكن أن يجد طريقة ينسل بها من العروبة لما تأخر، بل بلغ به كرهه لأصحابه العرب ومجالستهم ومخاطبتهم أنه يُسرّ إذا سمع من يحط من شأنهم ويذمهم بقطع النظر عن كون ذلك المتكلم محقا أو غير محق. وفي نظره العرب، وعلى الأخص أصحابه الحضارم قوم همج رعاع في أحط درجات الوحشية وانحطاط الآداب والأخلاق”.(15)

أما المولدات فلم يرصد فان دن بيرخ أي فرق بين طباعهن وطباع النساء المحليات ويؤكد تأثر البنات المولدات كثيراً بطباع أمهاتهن المحليات.(16) ويقدم الأديب أحمد عبد الله السقاف في روايته (فتاة قاروت) صورتين متباينتين لمولدتين حضرميتين في الأرخبيل الهندي. الأولى هي نيغ التي نكتشف أنها قد نالت قسطا كبيرا من التعليم واستطاعت أن تضطلع ليس فقط بمهمة الدفاع عن أهلها العرب في الأرخبيل الهندي، بل إنها بيّنت أيضا فضل العرب في قيام النهضة العلمية في أوروبا وسردت لأحد الهولنديين قائمة طويلة بأسماء الكتب الإنجليزية والفرنسية والألمانية التي يرصد مؤلفوها الغربيون كثيرا من إسهامات العرب في شتى فروع المعرفة.(17)

والمولدة الثانية التي يقدمها السقاف في روايته هي: سعيدة. ويوظفها المؤلف لتجسيد السلوك السيئ لبعض المولدات. فهي فتاة مدللة يضطر بطل الرواية عبد الله للزواج منها لأنها بنت عمه عبد الرحيم. لكنها لا تطيعه ولا تحتجب من الرجال المحليين، ولا تراعي مشاعر ضيوفه. وحينما يتبرم عبد الله من تصرفاتها يعترف أبوها أنها في الحقيقة لا تنصاع حتى لأوامره هو أو أوامر أمها.(18) وحين يوبخ عمر أخاه على عدم تربيته لابنته وفقا للآداب العربية وتركها تتطبع بعادات السكان المحليين يرد عبد الرحيم بأن اندماج أبنائهم المولدين في السكان المحليين وتطبعهم بطباعهم شيء خارج عن إرادته، ويقول له “يا ولدي عمك لا يستطيع وليس في قدرته أن يغير طباع الناس على حسب ما يحب وتحبون والأشياء بيد الله”.(19)

الجزء الثاني: علاقة المولدين بحضرموت وسكان الأرخبيل الهندي

1/2- علاقة المولدين بحضرموت

في نهاية القرن التاسع عشر يؤكد فان دن بيرخ أن علاقة المولدين بحضرموت، أرض أجدادهم كانت ضعيفة وذلك لأسباب عدة؛ منها عدم وجود أية علاقة بين أمهاتهم (المحليات أو المولدات) وحضرموت. ولهذا نرى مؤلف رواية (فتاة قاروت) يوظف العلاقة الغرامية بين شخصيتي عبد الله ونيغ لينتقد إقدام المهاجرين الحضارم على الزواج من النساء المحليات. ففي رأيه يدفع هذا النوع من الزيجات المهاجر إلى الاستقرار نهائيا في الأرخبيل الهندي ونسيان حضرموت. وعبد القادر نفسه لم يأت من حضرموت إلا بعد أن سمع بزواج أخيه عبد الله في قاروت. ولهذا يقول له حينما يقابله في سربايا “الذي شق علينا وشق على والدتك إنا سمعنا يا أخي أنك تزوجت في قاروت ورغبت جم جم هناك، ولعاد تذكر حضرموت. يا خير جودة يا عبد الله! ما أنت داري إن أهل ذيك الأرض أهل سحر وغدر ومكر يخلون الإنسان بلا حس، معاد يذكر أهله وبلاده”.(20)

ويكمن السبب الثاني لضعف علاقة المولدين بحضرموت في عدم رغبة الآباء (المهاجرين الحضارم) أنفسهم في العودة إلى حضرموت أو استثمار جزء من ثرواتهم فيها بسبب انعدام الأمن فيها واكتسابهم مستوى معيشي وحياة أرقى وعادات لا توجد في حضرموت، وربما بسبب ماضيهم هناك. ومع ذلك يشير فان دن بيرخ إلى محاولة بعض الأغنياء من المهاجرين إرسال أبنائهم إلى حضرموت ليس فقط بهدف الدراسة هناك لكن أيضاً لتجنيبهم اكتساب بعض العادات السيئة المنتشرة في أرض المهجر. أما البنات فعلاقتهن بحضرموت واللغة العربية معدومة تماماً. ويذكر فان دن بيرخ، الذي يكرس فصلا كاملا من كتابه لـدراسة “الفرق العرب في الأرخبيل الهندي والعرب في حضرموت” الحالات النادرة التي تشذ عن هذه الظاهرة العامة.(21) ويؤكد  أن إهمال عدد كبير من المهاجرين الحضارم لأبنائهم وبناتهم وتركهم لدى أمهاتهم وأخوالهم المحليين يجعلان القطيعة بين هؤلاء المولدين وحضرموت والعادات العربية تامة. ويكتب في الفصل الثامن من كتابه المكرس لاندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي “كثيراً ما ألتقي بمواطنين جاويين أو ملايويين ذوي ملامح عربية واضحة. وأعتقد أن كثيرا منهم أبناء لنساء محليات قمن بتربية أولادهن بأنفسهن بعد أن مات أزواجهن أو عادوا إلى حضرموت. وقد يكون من بين تلك النساء من عادت لتعيش بين أهلها أو تزوجت مرة ثانية من رجل محلي. وقد ذكر لي بعضهم اسم أرملة منهن تنتمي إلى أسرة محلية مرموقة. إنها بنت سلطان جزيرة باتيان التي تزوجها أحد السادة من حضرموت وأنجبت له ثلاث بنات رباهن جدهن السلطان مثل أولاده الآخرين بعد موت أبيهن. ويقال إنهن يفضلن نمط الحياة التي تعيشها أمهن، وإنهن في المستقبل لن يتذكرن شيئاً عن أصلهن لاسيما أن الحضارم لا يستقرون في باتيان إلا نادرا. والأرجح أنهن سيقضين سنوات عمرهن دون أن تطأ أقدامهن منزلاً عربياً”(22)

وينتقد أحمد عبد الله السقاف في روايته كثيراً من تصرفات المهاجرين والمولدين الحضارم مثل عدم إقدامهم على استثمار جزء من رؤوس أموالهم الضخمة في حضرموت لكي يسهموا في إنعاش اقتصاد بلادهم ويضعهم بمنأى عن التقلبات الاقتصادية والسياسية في الأرخبيل الهندي، وذلك بلسان أحد المسافرين الذي يلتقي بالبطل عبد الله في القطار المتجه إلى بتافيا (جاكرتا)  ويقول له “العرب لهم سنين في جاوه، وفيهم آل با مية ألف، وآل با ميتين ألف، وحد معه ملايين، ومخلين تجارتهم كلها في جاوه. ولو أرسلوا حتى نص متجرهم  إلى حضرموت وعمّروا بلادهم كانهم في خير وحقهم محفوظ، والمساكين هناك با يعيشون”.(23) وسبق إن أشرنا إلى أن فان دن بيرخ قد تطرق إلى هذه المسألة في الفصل الثاني من كتابه المكرس لـ “طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، وفسر عدم إرسال الحضارم ثروتهم إلى بلادهم قائلا: “بعكس الهولنديين، لا يأخذ الحضارم إلى بلادهم جزءا من الثروة التي كونوها في الأرخبيل الهندي. والسبب الرئيسي لذلك هو قلة الأمن في حضرموت”(24).

كما ينتقد مؤلف رواية (فتاة قاروت) بلسان تلك الشخصية الثانوية إهمال المهاجرين الحضارم لمبدأ التكافل والتعاون فيما بينهم، وكذلك عدم ترسيخهم لحب وطنهم لدى أبنائهم. فهو يخاطب البطل قائلا: “ما رأيك في تجار العرب؟ يشوفون بعيونهم الصينيين والفرنج يخرجون الألوف في معزة جماعتهم، والعرب تجارتهم كلها في جاوه، وما لقـّوا لهم حتى مركز صحي. يقولون لقـّوا لهم سكولات! هيا عسى خير! ما العلمة ما شيء كماها. وعساهم با يعلمون عيالهم شيء ينفع، وبا يقرّونهم بر الوالدين، ويقولون لهم شو بلادكم حضرموت ما شيء كماها! وشوكم إلا غرباء هنا، لأجل ما ينسون بلادهم وأهلهم”.(25) ومثل غالبية المولدين الحضارم الذين شعروا في العقد الرابع من القرن العشرين بضرورة اتخاذ بعض الخطوات من أجل الحصول على حقوقهم السياسية في إندونيسيا، يؤكد المولد حامد القادري في كتابه (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا) أن معظم أبناء العرب قد تخلصوا من العادات العشائرية الحضرمية، واختاروا إندونيسيا وطنا لهم. وذكـّر أن حزب (اتحاد عرب إندونيسيا) قد دعا عند تأسيسه في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين المولدين من أصل عربي إلى “أداء واجباتهم كاملة تجاه وطنهم إندونيسيا والمجتمع الإندونيسي. وللقيام بهذه الواجبات عليهم أن يحسنوا من أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن يجعلوا من العادات والتقاليد الإندونيسية عاداتهم وتقاليدهم ما دامت هذه العادات والتقاليد لا تتعارض مع الإسلام”.(26)

وبالنسبة لعلاقة المولدين بالمهاجرين الجدد المولودين في حضرموت يشير فان دن بيرخ إلى أنها تختلف من مدينة لأخرى. “فطالما لم تشعر إحدى المستوطنات في إحدى المدن أن بإمكانها أن تستمر دون وصول مهاجرين جدد إليها من “الوطن الأم” فهؤلاء المهاجرون الجدد يلقون دائماً استقبالاً حاراً وينظرون بازدراء أو على الأقل بشيء من الشفقة إلى المولدين ويرون فيهم مخلوقات من طينة دنيا. ويستمر هذا الأمر حتى تبلغ المستوطنة المستوى اللازم من الاستقرار، وتتخلص من الشعور بالنقــص مقـــارنة بـ ” الوطن الأم “. وعندئذ تتغير الأدوار، حيث يبدأ المستوطنون المولدون في النظر إلى الوافدين الجدد كدخلاء بل ومغامرين”. ويورد فان دن بيرخ أسماء بعض المدن التي لا يحب فيها المولدون المهاجرين الجدد. ففي بونتانياك مثلا، “يرى المولدون في كل قادم جديد من حضرموت منافساً لهم سيعجل من تراجع مراكزهم. وبالمقابل، يلاحظ أن العرب القادمين من مكة يحظون بترحيب جيد من قبل سلاطين تلك المدينة والمولدين الآخرين. أما في بالمبانغ، فالمولدون يفضلون العرب القادمين من حضرموت على العرب القادمين من مكة”. (27)

 2/2- علاقة المولدين بالسكان المحليين (قضية الاندماج):

يبيّن فان دن بيرخ أن عدداً كبيراً من المهاجرين الحضارم قد جاءوا إلى الأرخبيل الهندي قبل القرن التاسع عشر. ويؤكد أنهم، بفضل سلوكهم السوي وأمانتهم وحنكتهم السياسية، استطاعوا أن يكسبوا حب السكان والسلاطين المحليين وثقتهم إلى درجة أن بعض هؤلاء السلاطين قد زوجوا بناتهم من هؤلاء المهاجرين أو من أولادهم، بل إن عدداً من هؤلاء العرب أصبحوا سلاطين في جزر عدة من الأرخبيل الهندي. ويذكر حامد القادري، الذي ضمّن كتابه معظم المعلومات المرتبطة باندماج العرب في جزر الأرخبيل الهندي التي قام فان دن بيرخ بتسجيلها في كتابه، أن جده  عبد الرحمن حسين القادري الذي أنشأ مدينة بونتانياك قد توِّج سلطاناً لها في سنة 1779.(28)

 ويشير فان دن بيرخ، الذي يكرس الفصل الثامن بأكمله لقضية الاندماج، إلى أن المولدين العرب في الأرخبيل الهندي يميلون بشكل عام إلى تبني طباع أمهاتهم وبالتالي إلى الانصهار في المجتمع المحلي حتى أنه بعد بضعة أجيال يصبح من المستحيل اكتشاف أصولهم إذا لم يكونوا ينتمون إلى عائلات متميزة. ومع ذلك يضطر فان دن بيرخ أن يرصد درجة اندماج المولدين في مناطق مختلفة من الأرخبيل الهندي ليبين التفاوت الموجود في عملية الاندماج من منطقة لأخرى، ومن فئة لأخرى. فهو يلاحظ أن “اندماج المولدين العرب يتم في المستوطنات الكبيرة بشكل أبطأ مقارنة بالمناطق التي لا يوجد فيها إلا عدد قليل من العائلات العربية و بالتالي تكون البيئة المحيطة كلها محلية. ويقال إن العربي الذي ينتمي في حضرموت إلى إحدى الفئات العليا في المجتمع يسعى أن يظل ابنه المولود في الأرخبيل الهندي عربياً. وعادة يؤمّن أحد السادة أو أحد الحضارم المتعلمين لأبنائه تعليماً أفضل، كما أنه يصر على تزويج ابنه من فتاة عربية وليست محلية. ولن نجد هذا الإصرار عند رجل عربي لم يكن يهتم في حضرموت إلا بسلاحه ونارجيلته. ومع ذلك ، فجميع هذه العوامل التي تؤدي إلى تأخير عملية اندماج المولدين في السكان المحليين ليست ثابتة ومطلقة إلى درجة أنها تمنع نهائياً الاندماج. وكل ذلك يفسر لنا ظاهرة أثنية أدهشتني كثيراً وتكمن في عدم وجود إلا عدد قليل جداً من المولدين الذين ظلوا يحتفظون بهويتهم بصفتهم مولدين لعدة أجيال أي أنهم ينحدرون من آباء وأجداد هم أنفسهم مولدون. وفي الحقيقة، قبل القرن التاسع عشر كان عدد العرب في الأرخبيل الهندي محدوداً نسبياً. ومع ذلك، من المسلم به أن أعداداً من العرب قد استقرت في جزر الهند الشرقية منذ بضعة قرون. ويمكننا اليوم مشاهدة مولدين عرب ينتمون لعائلات استقرت في الأرخبيل الهندي منذ وقت طويل، ولاسيما في بونتانياك وكوبو وسياك وباليمبانغ، وهي مستوطنات لا يزيد عمر كل منها (في سنة 1886) عن مئة سنـة. وباستثناء هذه المستوطنات، لا نجد إلا بعض الجاليات الصغيرة من المولدين الذين ينتمون لأجيال عدة وتعيش معزولة عن بقية العرب المجاورين لهم. أما في المناطق الأخرى، فالمولدون حتى من الجيل الثالث نادرون جداً. ولا يمكنك أبداً مقابلة مولدين يتجاوزون الجيل الرابع”.(29)

ويمكن أن نشير كذلك إلى أن فان دن بيرخ يحاول أن يوظف ظاهرة اندماج المولدين الحضارم وسط السكان المحليين في الأرخبيل الهندي ليفسر عدم قدرة الدارسين على اكتشاف أي عناصر حية (أي أحفاد) للمهاجرين العرب الذين وصلوا إلى الأرخبيل الهندي قبل القرن الثامن عشر. ففي رأيه “لا تكشف هذه المعطيات الشاذة التي ذكرتها المكان الذي استقر فيه أحفاد العرب الذين وصلوا إلى مختلف أجزاء الأرخبيل الهندي عبر القرون الماضية لاسيما أن الجنس العربي يتميز بخصوبته المرتفعة . وأؤكد أننا لا يمكن أن نجد حلاً لهذا اللغز إلا في الاندماج السريع للمولدين العرب في السكان المحليين. وقد كان هذا الانصهار أسرع في الفترات السابقة بسبب قلة عدد المستوطنات مقارنة باليوم”.(30)

ومن اللافت أن فان دن بيرخ لا يعترف هنا أن الهولنديين قد سعوا منذ وصولهم إلى الأرخبيل الهندي إلى خلق وسائل متنوعة لعرقلة وصول العرب إلى الأرخبيل الهندي واستقرارهم فيه وعزلهم في أحياء محددة تشبه “الجيتوهات” بهدف منعهم من الاندماج وسط السكان المحليين. لكن من اليسير أن نكتشف بعض تلك الإجراءات في كتاب فان دن بيرخ. ففي الفصل السابع المكرس لدراسة تأثير الحضارم في السكان المحليين يزعم فان دن بيرخ أن الطبقات العليا من السكان المحليين التي كانت تتفاخر بمصاهرة الحضارم باتت ترفض تزويج بناتها منهم. ويعلق على ذلك قائلا: “أما الآن فقد تغيرت الأوضاع؛ ربما لأن هؤلاء الحكام أدركوا أن الحكومة الهولندية لا تنظر بعين الرضاء الترحيب الذي يلقاه العرب من قبل العائلات المحلية الكبيرة”(31) ومن المعلوم أن المستشار الهولندي سنوك هورغرونج قد استطاع في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أن يضفي على تلك الوسائل صبغة رسمية حينما جعل منها قوانين تمنع منح المولدين العرب الهوية المحلية وتلزم الحضارم وأبناءهم بعدم مغادرة مستوطناتهم إلا بتسريح حكومي.(32) وقد سبق إن أشار فان دن بيرخ إلى جزء من تلك القوانين قائلا “وخلال السنوات القليلة الماضية تقدم العديد من المولدين الحضارم بطلبات إلى السلطات الهولندية في جزيرة جاوه لكي تعترف بهم مواطنين محليين، وقد رفضت تلك الطلبات. ومع ذلك، فالمركز الاجتماعي لهؤلاء الناس لا يتغير، فهم  في الواقع تحصلوا عمليا على الجنسية التي يحرمهم منها القانون الهولندي”.(33)

ويقدم حامد القادري مظاهر عدة تبرز درجة اندماج أبناء المهاجرين الحضارم وأحفادهم في المجتمع المحلي. مثل ابتعادهم عن عادات آبائهم ومهنهم كممارسة التجارة ولاسيما التسليف والصرافة اللذان أدخلا في قائمة “الربا”. “وأصبحت نساؤهم وبناتهم غير مقيدات في بيوتهن كما كن في الماضي بل يختلطن مع الشباب بحرية، ولا يختلفن عن باقي الأسر الإندونيسية المتعلمة، وكثرت الزيجات بين الإندونيسيين العرب و بقية الإندونيسيين. وهذا يدل على أن عملية الاندماج التي كانت سائدة في الماضي، والتي تعثرت لفترة من الزمن بسبب السياسة الهولندية، عادت هذه الأيام من جديد”.(34)

 كما يؤكد القادري على أن أبناء العرب لم يعودوا يمتهنون الزعامة الدينية أو يبحثون عنها. ومن المعلوم أن مسالة زعامة العرب للشئون الدينية في الأرخبيل الهندي قد جلبت لهم في البداية كراهية المستعمِرين الذين سعوا فيما بعد إلى اختراقهم وتوظيفهم لمصلحتهم. وهذا ما جرّ عليهم كراهية السكان المحليين الذين رأوا في بعض العرب عملاء للهولنديين والأجانب الآخرين. وقد ضمّن القادري كتابه “وصية الرئيس سوكارنو للشعب الإندونيسي من أصل عربي، 1947” التي يقول فيها سوكارنو: “عليكم تقرير مصيركم بأنفسكم وليس بالأجانب. من الخطأ الكبير أن تعلقوا مصائركم بإرادة الغرباء”(35)

 

2/3 علاقة المولدين بالأوروبيين:

وفي الفصل الثاني من كتابه “طباع الحضارم في الأرخبيل الهندي”، يذكر فان دن بيرخ “أن العرب قد جلبوا معهم من الصحراء نوعاً من الصراحة، كي لا نقول من الوقاحة التي لا تروق لأحد هنا. كما أنها ليست الطريقة المثلى لكسب رضا الحكومة، لاسيما أن العرب، فضلاً عن وقاحتهم، لا يكنون أي احترام للسلطات المحلية الهولندية”.(36) وإذا كان بعض العرب في سنغافورة يقبلون إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية الهولندية فهم لا يفعلون ذلك في جاوه. ويلاحظ فان دن بيرخ في الفصل الثاني من كتابه أن “العرب هم الفئة الوحيدة التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان من الأوروبيين. فبينما نجد أن الصينيين الأغنياء يسعون عادة للاقتراب من الجالية الأوروبية، فلا شيء من هذا القبيل يوجد عند العرب الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدارس الحكومية، أو مدارس البعثات التبشيرية. ففي مدينة سومينب فقط شاهدت طفلا عربيا في إحدى المدارس الحكومية الخاصة بالسكان المحليين. ويبدو أن العرب في سنغافورة (الخاضعة للاستعمار البريطاني) يقدرون أكثر مزايا التعليم الأوربي. ففي تلك المستعمرة نجد على الأقل عددا من التلاميذ العرب في المدارس الحكومية. وفي تلك لمدينة يوجد عضو عربي في مجلس الولاية. ومن الأشياء القليلة التي يقدرها العرب عند الأوربيين: دعمهم السخي للبحوث العلمية”(37)

وبشكل عام يفضل الأوروبيون التعامل مع التجار الصينيين وليس مع التجار العرب لأنهم – في اعتقادهم- يهملون كلياً النظافة والمظاهر.(38) وعلى الرغم من ذلك يؤكد فان دن بيرخ أن الأوروبيين يخطئون تماماً حينما يعدون المستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي من أكبر مصادر العداء لهم. “فالجميع يرون أن المصالح المادية لعرب حضرموت تتطلب قبل كل شيء استتاب النظام”. لهذا يبدأ فان دن بيرخ الفصل السابع المكرس لـ(تأثير الحضارم في السكان المحليين) قائلاً: “إنه من الخطأ الجسيم أن نلصق بالعرب بشكل عام ميولا عدائية تجاه النفوذ الأوروبي في الأرخبيل الهندي”.

أما أحمد عبد الله السقاف فيصور في روايته المولدين كضحية لبعض الممارسات التعسفية التي تقوم بها السلطات الهولندية، كإجبارهم على حمل تراخيص التنقل وعزلهم في جيتوهات. وبالإضافة إلى ذلك يتصدى أحمد عبد الله السقاف لحملات التشويه التي يتعرض لها المهاجرون والمولدون الحضارم المستقرون في الأرخبيل الهندي من قبل المستعمرين الهولنديين الذين كانوا حينئذ يختلقون مختلف الوسائل لإثارة الفرقة بين العرب والسكان المحليين في جاوه. فحينما يحاول الهولندي فان ريدك استغلال فقر مينه وزوجها الحاج مخطي ليتركوا له نيغ خادمة في بيته يعترض رسنا، أحد أقارب مينه، ويشترط موافقة أقارب نيغ. فيغضب الهولندي ويشرع في إلصاق عدد من التهم الباطلة بالعرب ويجعلهم هم المستعمِرين وليس الهولنديين. ويخاطب رسنا قائلا “إنك أحمق جاهل! هل تستعين بعربي في مثل هذا يا مجنون! أنت لا تعرف أن العرب هم ألد الأعداء لكم معشر الوطنيين، ولولا وجود العرب بينكم لكنتم أحسن حالة. إنني أعجب كل العجب من تعظيمكم وإجلالكم للعرب الذين يأكلون أموالكم ويستعبدون نساءكم ويسخرونكم في مصالحهم و لا تربحون منهم أي فائدة”.(39)

ويفعل الشيء نفسه حامد القادري. فهو يحمّل المستعمِرين الهولنديين مسئولية وضع الإندونيسيين من أصل عربي أو صيني ضمن الأقليات الشرقية الأجنبية وخلق شرخ بين الإندونيسيين من أصل عربي والإندونيسيين الآخرين من خلال ممارستهم لسياسة (فرق تسد). ويربط في كتابه (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا) بين معاداة الأوروبيين للعرب في الأرخبيل الهندي ومعاداتهم للإسلام، ويعدّ الصراع بينهم امتداداً للصراع في الأندلس. ويؤكد حامد القادري أن مقترحات سنوك هورجرونجي السرية تدعو إلى إبعاد العرب والإسلام عن الإندونيسيين.(40)

الجزء الثالث: المرتكزات الأيديولوجية للمؤلفين

 3/1 يذكر الباحث المستعرب فان دن بيرخ في مقدمته أنه قد ألف كتاب (حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي) بناءً على تكليف من الحاكم العام الهولندي في باتافيا (جاكرتا) الذي طلب منه (سنة 1883) وضع تقرير عن العرب المستقرين في المستعمرات الهولندية وعن المنطقة التي ينحدرون منها. وفي الحقيقة يكشف لنا محتوى الكتاب وطريقة ترتيب فصوله وعرض المعلومات في كل فصل من فصوله أن المؤلف كانت لديه بعض الأسئلة الملحة والخطيرة التي كـُلـِّف بالإجابة عنها والتي سنجدها تتكرر في كتابات معظم الرحالة الغربيين الذين كتبوا عن حضرموت. فعلى الرغم من أن المؤلف قد صرح أنه سيبدأ بتقديم وصف لحضرموت وسكانها “لأنه من السهل أن نلمس السمات المميزة للمهاجرين العرب حينما نكون ملمين بالظروف السائدة في موطنهم الأصلي”، فهو يبدأ بالإجابة عن السؤال الآتي: “هل للمهاجرين العرب نشاط إسلامي دعوي؟”. ومع أنه يجيب بالنفي، إلا أنه يعود ويطرح السؤال نفسه في بداية الجزء الثاني من الكتاب حيث يكتب “ما الدوافع الفعلية لهجرة هؤلاء العرب في القرون السابقة؟ من المستحيل الإجابة بشكل مؤكد عن هذا السؤال… نتصور عادة أن العرب قد ذهبوا إلى الأرخبيل الهندي منذ بضعة قرون لنشر الدين الإسلامي وممارسة التجارة. لكني أستطيع أن أجزم أنه خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة لم يصل أي عربي إلى باتافيا إلا بغرض الحصول على المال. ولا يستثنى من ذلك بعض العرب الذي يهتمون بالعلم أو الذين يشغلون بعض الوظائف الدينية. وفي الحقيقة يعد القيام ببعض المهام الدينية واجبا تفرضه ظروف الجالية ومصالحها. ومن النادر أن يتم استقدام رجال دين من حضرموت بهدف جعلهم أئمة أو خطباء للمساجد الصغيرة الموجودة في الأحياء العربية. فهؤلاء لا يأتون كي يصبحوا مبشرين بل بدافع الحصول على الأجرة”.(41)

لهذا يبدو أن الصورة التي رسمها فان دن بيرخ للمولدين العرب في الأرخبيل الهندي قد اعتمدت على منطلقين أيديولوجيين مختلفين: فهو، من ناحية، أراد أن يعكس في كتابه قدرته، كمستعرب وربما كمستشرق، على القيام ببحث علمي “موضوعي” يتكئ على دراسة ميدانية رائدة. وقد نجح في ذلك؛ فما زال كتابه، الذي صدر سنة 1886، يعد من أهم المراجع الخاصة بحضرموت والحضارم وأحفادهم في الأرخبيل الهندي. وقد ترك هذا الكتاب أثراً واسعاً في نصوص كل من كتب بعده عن حضرموت، مثل إنجرامس، أو عن العرب والإسلام في الأرخبيل الهندي، من سنوك هورغرونج حتى نايبول. فعلى الرغم من أن فان دن بيرخ لم يزر أبدا حضرموت فهو كرس الجزء الأول من كتابه لوصف حضرموت التي كانت حينئذ لا تزال تعد إحدى المناطق المجهولة في شبه الجزيرة العربية بالنسبة للأوروبيين. وقد قام المؤلف بجمع المعلومات الكثيرة عن حضرموت من مئات المهاجرين الحضارم في باتافيا ومدن الأرخبيل الهندي الأخرى في نهاية القرن التاسع عشر بطريقة منهجية قام بشرحها في مقدمة كتابه. ولا يزال الجزء الثاني- والأكبر- من الكتاب حتى اليوم يعد من أهم المراجع اللازمة للقيام بأي دراسة اثنولوجية اجتماعية أو تاريخية لاندونيسيا.

 ومن ناحية أخرى، لم يستطع فان دن بيرخ أن يتجنب الوقوع في عدد من الأحكام الجاهزة التي عادة ما يلصقها المستعمرون الأوروبيون بسكان الأرخبيل الهندي أو بالعرب. مثل صراحة العربي ووقاحته وخشونته التي جلبها معه من الصحراء. ويرى فان دن بيرخ في اندماج العرب في السكان المحليين “المتوحشين” نوعاً من الانحطاط الذي ينبغي على الأوروبيين تجنبه.

3/2 أما المهاجر السيد أحمد السقاف، فقد ولد سنة 1880 في مدينة الشحر، وتربى في كنف أخواله آل بن عثمان، ثم انتقل إلى سيؤن ومكث فيها بضع سنوات قبل أن يسافر إلى حيدر أباد ثم إلى سنغافورة، ومنها أنتقل إلى باتافيا التي قضى فيها معظم سني عمره. ومثل غيره من الحضارم هناك سعى السقاف أولا إلى تأمين مصدر رزقه من خلال دخوله شريكا للتاجر عبد الله الحبشي، ثم تأسيسه لمصنع خاص به في مدينة الصلو. ومع ذلك فقد دفعته اهتماماته الأدبية إلى تكريس معظم وقته للقراءة والكتابة، وانكب على مطالعة جميع الصحف والمجلات العربية، وبدأ يحرر بعض المقالات الاجتماعية والأدبية وينشرها في صحيفة (الإصلاح) التي كانت تصدر باللغة العربية في سنغافورة. وكان له دور بارز في الحياة الاجتماعية والتربوية الخاصة بالجاليات الحضرمية في الأرخبيل الهندي، إذ ساهم بشكل فعال في تأسيس (جمعية خير)، وأصبح سكرتيرا لها ومديرا لمدرستها. واضطلع كذلك بدور كبير في تحرير مجلة (الرابطة العلوية) التي تصدى من خلالها لأفكار الحضارم الإرشاديين في الأرخبيل الهندي. ومن المعلوم أن بداية الصراع العلوي – الإرشادي بين المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي تعود إلى مسألة الكفاءة في زواج نساء السادة العلويين. ومن الواضح أن السيد أحمد السقاف قد أراد في رواية (فتاة قاروت) أن يبيّن أن زواج السادة العلويين في الأرخبيل الهندي واندماجهم في السكان المحليين يؤديان إلى الخروج عن المبادئ التي يفرض عليهم انتسابهم للرسول الالتزام بها. ولهذا ينتقد السقاف في روايته التي يسميها (فتاة قاروت أو مجهولة النسب) إقدام عم البطل “السيد عمر” على الزواج من فتاة من السكان المحليين لا يعرف نسبها، وتركه لابنته لدى أخوالها الذين كادوا أن يجعلوا منها حظية لأحد الهولنديين. بالإضافة إلى ذلك، تزامن وصول السقاف إلى جاوه مع اتخاذ السلطات الهولندية – تطبيقاً لتوصيات سنوك- إجراءات تعسفية شديدة تجاه العرب. وتلك الإجراءات التي صورتها الرواية جعلت ليس فقط السقاف بل معظم العرب المستقرين في الأرخبيل الهندي يشعرون أنهم سيضطرون يوماً ما إلى العودة إلى حضرموت.

3/3 ويؤكد الإندونيسي، عربي الأصل، حامد القادري في مقدمته أن كتابه “له صله وثيقة بسيرة حياة المؤلف”.(42) وهو يقدم نفسه على أنه إندونيسي من أصل عربي. ويعترف أيضاً أنه من أبناء العرب القليلين الذين قبـِل أهلهم إرسالهم إلى المدارس الهولندية وذلك لأن “جده وأباه كانا من بين العرب ذوي الأفكار التقدمية”.(43) ويحمل القادري مؤهلات جامعية وعليا في الحقوق استطاع أن يصبح بفضلها أحد مؤسسي حزب عرب إندونيسيا PAI 1935. وعند اندماج هذا الحزب في اتحاد الأحزاب السياسية الإندونيسية GAPI  1945، أصبح عضواً نشطاً فيه. ويشير في نبذة حياته التي يوردها في الكتاب إلى أنه شارك مشاركة فعالة في الحركات الوطنية من أجل الاستقلال، وأصبح عضوا في البرلمان الإندونيسي. ورغم ذلك لم يستطع أن يتبوأ مناصب قيادية في الدولة بعد الاستقلال إذ أنه قد صُنف ضمن الشرقيين الأجانب.

وفي الحقيقة، من اليسير أن نتبيّن أن حامد القادري ينطلق في كتابه (السياسة  الهولندية ضد الإسلام والإندونيسيين من أصل عربي في إندونيسيا) الذي تـُرجم إلى اللغة العربية بعنوان (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، من موقف ينبع أساسا من الرغبة في فضح السياسة الهولندية، ممثلة بالمستشار المستشرق سنوك هورغورنج الذي عرقل اندماج المولدين في المجتمع المحلي وسعى إلى تشويه صورة العرب والإسلام لدى السكان المحليين. كما حرص حامد القادري على إبراز وطنية الإندونيسيين من أصل عربي (أي المولدين)، فكرس جزءاً كبيراً من كتابه  للحديث عن حزب أبناء العرب و”استفاقتهم” ودورهم في النضال من أجل استقلال إندونيسيا. ولكن من الواضح أن الهدف الفعلي الذي سعى القادري إلى تحقيقه من وراء تأليفه للكتاب باللغة الجاوية (قبل 1983، أي قبل وصول عدد من الإندونيسيين من أصل عربي إلى مواقع قيادية مهمة في إندونيسيا) يكمن في إقناع بقية الإندونيسيين بقبول التطبيق الفعلي  لمبدأ المساواة عند تعاملهم مع الإندونيسيين من أصل عربي. ولهذا نراه يضمّن كتابه رسالة مهمة وجهها في 4 أكتوبر 1979 إلى آدم ملك، نائب رئيس الجمهورية الإندونيسية  يشرح له فيها بقايا سياسة التفرقة التي ما زال الإندونيسيون من أصل عربي يعانون منها حينئذٍ.(44) كما أن المؤلف أهدى كتابه إلى الرئيس سوهارتو الذي “عيّن عدداً من العرب في مجلس الوزراء. مما يعني دفعة قوية علي طريق حل مسألة الإندونيسيين من أصل عربي والوصول إلى النتيجة المرجوة التي كافحوا من أجلها ويكافح من أجلها هذا الكتاب”.(45) ولهذا يمكننا القول إن كتاب (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا) يدخل في إطار نضال المولدين من أصل عربي من أجل الحصول على حق من حقوقهم وهو: إمكانية الوصول إلى دفة الحكم في وطنهم إندونيسيا.

ويمكن أن نشير هنا إلى أن هذا التباين الموجود بين المنطلقات الاستعمارية لفان دن دن بيرخ وبين المنطلقات الوطنية لحامد القادري قد انعكس في المعلومات التاريخية التي قدماها. فمثلا، يروي فان دن بيرخ تأسيس سلطنة بونتانياك قائلا “ورزق السيد حسين ولدا من أمَةٍ من السكان المحليين. وأصبح هذا الولد، عبد الرحمن القادري، قرصانا. وبسبب ذلك لم يستطع أن يتزوج من أخت سلطان بانجرماسين. وبعد حياة مليئة بالمغامرات المشينة استقر مع مجموعة من أقرانه، سنة 1771، في المكان الذي يصب فيه نهر لانداك، وأسس فيه مدينة بونتانياك”.(46) بينما يروي حامد القاري، حفيد ذلك السلطان، تلك الأحداث على النحو الآتي: “اعتبر سلطان وسكان ماتان في كاليمنتان أحد العلماء الذي كان اسمه الشريف حسين بن أحمد القادري المقيم في ماتان من ذوي الكرامات. وكان سلطان جيري لايا يحترمه كثيرا وأهداه سيدة جميلة من قبيلة الداياك زوجة له. ولكن ظهر خلاف فيما بعد بين الشريف حسين والسلطان؛ وغضب الشريف حسين غضبا شديدا من السلطان لأنه أمر بقتل ناخوذة سفينة جورا. فأصبحت سلامة هذا العالِم مهددة، وطلب الحماية من ملك ممباوا الذي استقبله ورفعه وعينه وزيرا لديه. وفي ممباوا رزق بطفل من زوجته الداياك عام 1742 وسماه عبد الرحمن. وتزوج عبد الرحمن، الذي وصفه المؤرخ الهولندي ويت بالرجل الوسيم ذي الطاقة الفياضة، فيما بعد من أخت ملك ممباوا. لكنه لم يكن يشعر بالرضاء في ممباوا فبدأ يجرب حظه في البحر. وفي بانجارماسين تزوج من أخت السلطان الأميرة ساريب أنوم، ونجح في تجارته وجمع ما يكفيه لتسليح سفينته، وبدأ ما وصفه ويت بالقرصنة في البحر. ويجب أن نعلم أنه في ذلك الوقت كانت هولندا تسمي أية مقاومة ضد الاستعمار في البحر بالقرصنة. وبعد أن استطاع وبكل شجاعة “قرصنة” السفن الهولندية والبريطانية والبرتغالية أصبح عبد الرحمن من الأغنياء، وبدأ محاولته الناجحة لإقامة مستوطنة فولكس بلانتينج [بونتانياك] في جزيرة تقع في الموقع الذي يلتقي فيه نهر كابواس بنهر لانداك والذي كان مناسبا ليصبح مركزا تجاريا مزدهرا. ومن يومها أصبحت مدينة بونتانياك مركزا تجاريا حيا. وفي الخامس من يوليو من عام 1779 وقعت في سيسانغو اتفاقية اعترفت بموجبها شركة فوك الهولندية بعبد الرحمن سلطانا على بونتانياك”.(47)

ونجد هذا الاختلاف في سرد بعض الأحداث المهمة من تاريخ الأرخبيل الهندي في الطريقة التي يقدم كل من فان دن بيرخ وحامد القادري شخصية عبد الرحمن الزاهر قائد حرب أتشيه ضد الهولنديين. ففان دن بيرخ يقدم في الفصل السابع من كتابه “بعض المحطات المهمة في حياة هذا المغامر الذي ولد في حضرموت سنة 1832. وقد أحضره أبوه معه وهو ما زال صبيا. إلى مالابار، وتلقى بعض التعليم في كاليكوت، ثم زار جزيرة سيلان والمخا ومكة بدءا من عام 1848. وبعد عودته إلى مالابار نجح في كسب ود أمير حيدرأباد الذي منحه، حسب زعمه، رتبة جمعدار أو ضابط. وعلى الرغم من هذه الترقية ترك عبد الرحمن الزاهر الخدمة العسكرية وسافر إلى كلكتا وعمل فيها صائغا. ثم حمل عصا الترحال مرة أخرى وزار إيطاليا وألمانيا وفرنسا والقسطنطينية وعاد إلى الهند البريطانية واستقر فترة من الزمن في شبه جزيرة مالاكا. وظل سنتين أو ثلاث سنوات في خدمة المهارجا في مدينة جهور ثم جاءْ إلى إقليم أتشيه حاملا بعض التوصيات التي لم يكن في الحقيقة بحاجة إليها إذ أنه استطاع أن يبهر بأحاديثه في الشريعة والحقوق العلماء المحليين القائمين على المسجد الجامع الذين عيّنوه كبيرا لهم بعد أن جلسوا معه مرتين أو ثلاث مرات. وبعد بضعة أشهر صار الرجل الأكثر نفوذا في البلاد. وتمّ تعيينه قاضيا ثم فرض نفسه وزيرا للسلطان. وخلال تلك الفترة، ربما لأنه – كما يزعم- سئم الصراعات المستمرة في الإقليم، أو لأنه أراد أن يعيد العلاقات التي كانت قائمة بين أتشيه والإمبراطورية العثمانية، غادر أتشيه سنة 1870 وتوجه إلى القسطنطينية ثم إلى مكة. وقد منحه الباب العالي ميدالية “العثمانية”. وفي أثناء إقامته في مكة شنت الحكومة الهولندية حربا ضد سلطان أتشيه وزعمائها الآخرين الذين طلبوا النجدة من البطل الزاهر وعينوه سفيرا لهم لدى الباب العالي والحكومة الفرنسية آملين أن يحصلوا بواسطته على دعم عسكري أو على الأقل دبلوماسي يؤمن لهم استقلال بلادهم. لكن سرعان ما خيّب هذا الأمل. وبعد سنتين تمكن عبد الرحمن الزاهر من التسلل مرة أخرى إلى بولو بينانج، ومنها إلى أتشيه بعد أن أفلت من المراقبة البريطانية. وفي أتشيه تزعم العصابات التي استمرت في الكفاح ضد الحكومة الهولندية. وفي سنة 1878، وبعد أن اتضح له عدم وجود آفاق لاستعادة استقلال أتشيه، اقترح على السلطات الهولندية أن تقوم بتهريبه إلى خارج أتشيه وأن تدفع له دخلا سنويا مقداره 3000 فلوران مدى الحياة. وقد قـُبـِل هذا الاقتراح، ومنذئذ يعيش عبد الرحمن الزاهر في مكة. ويؤكد جميع الأشخاص الذين عرفوه أنه متبجح ومتشدق كبير. وأعتقد أن تشدقه هذا هو الذي مكنه من النجاح بين السكان المحليين. وقد دفعه غروره وثقته العمياء بنفسه إلى الاعتقاد بأن الحكومة الهولندية ستستدعيه إلى باتافيا لتكلفه ببعض المهام. ثمّ بادر بنفسه وعرض خدماته على الحكومة الهولندية مؤكدا أنه سيضع مشورته ومعرفته بإقليم أتشيه تحت تصرفها”.

أما حامد القادري فيقدم عبد الرحمن الزاهر بصفته مولدا مناضلا، وبطريقة مختلفة جدا، إذ أنه يقول عنه: “كان الحبيب عبد الرحمن الزاهر المولود في أتشيه (من تيوبين وان بالقرب من لامجونغ في المقاطعة 31) من أبرز قادة حرب أتشيه ومن أصل عربي. وكان يعرف أيضا بالحبيب إيتام واعتبره الناس قائدا أعلى لأتشيه … وقد استطاع القائد المسلم الحبيب عبد الرحمن – أعظم القادة العسكريين قاطبة بد عام 1878- أن يظهر الولاء التام وأنشأ قوة عسكرية من شعب أتشيه للنضال ضد هولندا. وبذكائه استطاع أن يحل الخلافات التي كانت متأصلة فيه منذ عشرات السنين ويحركه بشكل جماعي، وجمع الكثير من الأموال للدبلوماسية والحرب ولبناء المساجد والأعمال الخيرية الأخرى. وبالإضافة إلى ذلك كان عبد الرحمن الزاهر دبلوماسيا محنكا، ولأجل مصلحة أتشيه ذهب إلى تركيا للحصول على المساعدة. وبعد أن فشلت كل محاولاته، عاد إلى أتشيه منتحلا شخصية تاجر هندي أسمر وحلق شعره ولحيته. وعن مهارته في الدبلوماسية قال أنتوني ريد: لا يوجد خطأ أكبر من قول فان دن بيرخ بأن الكثير من الأوروبيين الذين قابلوا عبد الزاهر تولد لديهم انطباع بأنه فخور بنفسه”.(48)

وعلى الرغم من هذا التباين في المواقف والمنطلقات الأيديولوجية يوظف حامد القدري في نصه كثيرا من النتائج التي توصل إليها فان دن بيرخ في كتابه ولاسيما تلك المعلومات المتعلقة باندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي. ولهذا السبب يميّز القادري بين بيرخ والمستشار الهولندي سنوك هورجرونجي قائلا “لم يكن فان دن بيرخ مثل سنوك، فقد كان عالما بحثا، وكانت نتيجة أبحاثه علمية في طبيعتها. والمهم هنا هو دراسة آراء هذين الرجلين، وإبراز الطابع السياسي في آراء سنوك الذي يُخضِع كل الأدلة – ومنها آراء فان دن بيرخ التي لا غبار على صحتها – لصالح السياسة الهولندية تجاه الإسلام، وذلك بتبديل أو حتى إلغاء الحقائق مما أوجد خلافا شديدا بين هذين الرجلين”.(49)

الخاتمة والنتائج  وآفاق البحث:

من خلال قراءة نصوص فان دن بيرخ وأحمد السقاف وحامد القادري وتحليلها ومقارنتها تبيّن لنا أن المولدين المستقرين في جزر الأرخبيل الهندي ينتمون اليوم إلى الأرض التي يعيشون فيها أي إلى الأرخبيل الهندي أو، كما يسميه أبناؤه اليوم، الأرخبيل الإندونيسي الملايوي. فما عدا الجزء “المذكر” من جذور الأجداد ليس هناك اليوم أي صلة تربط هؤلاء المولدين بحضرموت. فحتى في سنة 1886 رصد فان دن بيرخ فقدان المولد لمعظم العناصر العربية الموجودة في هوية أجداده وانصهاره الكلي في المجتمع المحلي. ويندهش فان دن بيرخ حينذاك من “عدم وجود إلا عدد قليل جداً من المولدين الذين ظلوا يحتفظون بهويتهم كمولدين. فالمولدون حتى من الجيل الثالث نادرون جداً. ولا يمكنك أبداً مقابلة مولد يتجاوز الجيل الرابع”.

وعلى الرغم من وجود بعض العوامل التي كان يمكن أن تؤخر اندماج المولدين العرب في مجتمعات الأرخبيل الهندي أو تعرقله (كرفض العلويين تزويج بناتهم من محليين وأحيانا أولادهم من نساء محليات، وسياسة السلطات الاستعمارية، لاسيما الهولندية، التي سعت إلى عزل العنصر العربي عن بقية السكان) تبرز نصوص المتن جميعها سرعة انصهار المولدين العرب في المجتمع المحلي وذلك للأسباب الآتية:

– من ناحية الأم، ينتمي المولدون جميعاً إلى الأرخبيل الهندي، ومن الواضح أن المهاجر   الحضرمي أو ابنه المولد غالباً ما يتركان للأم المحلية وربما لأهلها مسئولية تربية الأولاد. وبالإضافة إلى ذلك تجمع نصوص متننا على وجود علاقات حميمة بين العرب والسكان المحليين، ولم يعد هناك من يذكر أصلهم العربي إلا بعض منافسيهم السياسيين في إطار الحملات الانتخابية.

– وإذا كانت هولندا وبريطانيا قد حاولتا عرقلة اندماج المولدين في المجتمعات المحلية، فمن الواضح أن شعور المولدين بانتمائهم التام للأرخبيل الهندي ورغبتهم في الابتعاد عن الصراعات الفئوية والعشائرية التي برزت بين صفوف الهاجرين الحضارم هناك، وفي الحصول على حقوقهم جميعها بما في ذلك القيام بدور فعال في الحياة السياسية قد أحبطت تلك المحاولات الاستعمارية.

– ويشير فان دن بيرخ، الذي يعبر عن قلقه من أن يفقد الأوروبيون أنفسهم طابعهم القومي -“إذا لم يستمر تدفق المهاجرين من أوروبا”،- إلى قدرة الجنس الملايوي على امتصاص الجاليات الأجنبية.

لذلك كله نرى أن كلمة “المولدين” العربية، بالدلالات التي يلصقها بها العرب ولاسيما اليمنيون في حضرموت، وكذلك بعض الباحثين الغربيين مثل Enseng Ho لم تعد اليوم صالحة لتسمية الإندونيسيين أو السنغافوريين المنحدرين من أصل عربي. فبما أن معظم مجتمعات الأرخبيل الهندي، لاسيما في سنغافورة وجاوه، هي اليوم مجتمعات ذات طابع كوسموبيليتي، وتعد الهجنة “أي تعدد الأعراق” من أبرز سماتها، يمكننا أن نقرر أن الأصل العربي أو الصيني أو المورو لم يعد مكوناً مهماً من مكونات هوية هؤلاء الآسيويين المستقرين في مختلف مناطق الأرخبيل الهندي بمن فيهم المنحدرين من أصل عربي يمني حضرمي. وإذا كان هناك ثمة علاقات مازالت موجودة، أو بالأحرى برزت مؤخراً، بين الإندونيسيين والسنغافوريين وحضرموت فهي في الغالب تدخل في إطار مجالات الاستثمار والتجارة والسياحة التي قد تبرّر بالبحث عن الجذور أو بدراسة تعاليم الدين الإسلامي.

ومن ناحية أخرى، في ما يتعلق بهؤلاء الإندونيسيين والسنغافوريين  من أصل عربي (وهو في الغالب حضرمي)، يبدو لنا أن ما حققه أحفاد العرب الحضارم من مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية بارزة في مختلف دول الأرخبيل الهندي (وجنوب شرق آسيا بشكل عام) يؤكد قابلية الحضارم للانصهار التام في المجتمعات التي يعيشون وسطها. ولكي يثبت حامد القادري أن اندماج الإندونيسيين من أصل عربي ظاهرة نهائية، يلحق بكتابه تصريح محمد حتي، نائب سوكارنو، الذي يؤكد فيه أنه لا يوجد بين الإندونيسيين من أصل عربي من تنازل عن الجنسية الإندونيسية مثلما فعل بعض الإندونيسيين من أصل صيني.

 لهذا نرى أن إدخال دراسة سكان الأرخبيل الهندي المنحدرين من أصل حضرمي في إطار دراسات الـشتات (diaspora) يطرح عدداً من المشكلات المرتبطة بالتعريف الدقيق لمفهوم الـ(diaspora) والأهداف الحقيقية لتلك الدراسات التي نرى أنها، في أحد أبعادها، يمكن أن تهدم بعض ما قد حققه الإندونيسيون والسنغافوريون من أصل عربي في الأرخبيل الهندي بفضل اندماجهم التام في مجتمعاتهم.(50) فمن الملاحظ مثلاً أنه منذ أن تضاعف الاهتمام بظاهرة الهجرة الحضرمية في التسعينات من القرن الماضي شُجِّع بعض الإندونيسيين والسنغافوريين على إصدار مجلة باللغتين العربية والإنجليزية تحمل اسم (المهــــجر) وذلك على الرغم من أن اللغة العربية بالنسبة لهم لغة أجنبية لا يفهمها إلا من تخصص في دراستها في الجامعة.

 وبالمقابل يبدو لنا أن الدراسات القادمة يمكن أن تتركز حول أوجه الشبه والاختلاف بين مصير الحضارم الذين استقروا في الأرخبيل الهندي ومصير الحضارم الذين سافروا إلى شرق أفريقيا أو إلى دول الخليج العربي. ونرى كذلك أن دراسة Enseng Ho عن مصير المولدين الذين أرغموا على العيش في حضرموت أو في مناطق أخرى من اليمن يمكن أن تستكمل بأبحاث ميدانية أوسع تتناول مدى تكيّف معظم هؤلاء المولدين في اليمن أوفي المناطق الأخرى من الجزيرة العربية.

الهوامش:

  • W. C. Van Den Berg, Le Hadhramout et les Colonies Arabes dans l’Archipel Indien, Batavia, Imprimerie du Gouvernement, 1886.

وبما أن اعتمدنا في هذه الدراسة على الترجمة التي قمنا بها للكتاب والتي لم تنشر بعد فسنكتفي في المتن والهوامش بإيراد رقم الفصل من الكتاب.

  • أحمد عبد الله السقاف، (فتاة قاروت أو مجهولة النسب)، طبعت بمطبعة البرق بالصولو وتوزيع مكتبة الشيخ عبد الله بن عفيف شيريبون، جاوه

  • حامد القادري (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ترجمة د. زكي با سليمان، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن 1998.

  • ينحصر هذا البحث في دراسة صورة المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي. ولن نتطرق هنا إلى صورتهم في وطنهم الأم: حضرموت في اليمن، التي كرس لها الباحث الأمريكي إنجسينج هو دراسة بعنوان (Hadhramis abroad in Hadhramaut: the Muwalladin) شارك بها في الندوة التي نظمها معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن سنة 1995، حول (الهجرات الحضرمية إلى المحيط الهندي 1750-1967).

  • انظر ترجمة الفصل الثاني (طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي) في هذا الكتاب.

  • ينبغي علينا أن ننبه أن كلمة “مولد” تأخذ هنا معنى تتضمنه معاجم اللغة العربية وإن كان يختلف عن معناها الشائع في العصر العباسي، لاسيما في مجال علوم اللغة. ففي (لسان العرب) لابن منظور نقرأ ما يلي: “وعربية مولدة ورجل مولد إذا كان عربيا غير محض. والمولدة التي ولدت بأرض وليس بها إلا أبوها وأمها”.

  • انظر ترجمة الفصل الثاني (طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي) في هذا الكتاب.

  • انظر المرجع نفسه.

  • انظر المرجع نفسه.

  • (فتاة قاروت) ص 67.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن 1998، ص (الكتاب ص 20-21)

  • انظر ترجمة الفصل الثاني (طباع الحضارم في الأرخبيل الهندي).

  • المرجع نفسه.

  • المرجع نفسه.

  • (فتاة قاروت) ص 68-69.

  • انظر ترجمة الفصل الثاني (طباع الحضارم في الأرخبيل الهندي) كاملة في هذا الكتاب.

  • المصدر نفسه ص 54-64.

  • المصدر نفسه ص 202.

  • المصدر نفسه ص 207.

  • المصدر نفسه ص 184.

  • انظر ترجمة الفصل السادس من كتاب فان دن بيرخ كاملة في هذا الكتاب.

  • انظر ترجمة الفصل الثامن من المرجع نفسه كاملة في هذا الكتاب.

  • (فتاة قاروت) ص 172.

  • انظر ترجمة الفصل الثاني من كتاب فان دن بيرخ كاملة في هذا الكتاب.

  • (فتاة قاروت) ص 173

  • انظر حامد القادري (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن 1998، ص 118.

  • انظر ترجمة الفصل الثامن من كتاب فان دن بيرخ كاملة في هذا الكتاب.

  • انظر حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 69-70. وكذلك ترجمة الفصل السابع من كتاب فان دن بيرخ: “تأثير العرب في السكان المحليين”.

  • انظر ترجمة الفصل الثامن (اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي) في هذا الكتاب.

  • المرجع نفسه.

  • انظر ترجمة الفصل السابع (تأثير الحضارم في السكان المحليين في الأرخبيل الهندي) كاملة في هذا الكتاب.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 67.

  • انظر ترجمة الفصل الثامن (اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي) في هذا الكتاب.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 93 لعلاقة المفتي عثمان بن يحي بسنوك هورجرونجي، وص 163 لوصية الرئيس سوكارنو.

  • المرجع نفسه، ص 163.

  • انظر ترجمة الفصل الثاني (طباع الحضارم في الأرخبيل الهندي) كاملة في هذا الكتاب.

  • المرجع نفسه.

  • المرجع نفسه.

  • (فتاة قاروت)، ص 54-64.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 100. ويكرس القادري السبع الصفحات التالية من كتابه لعرض “مقترحات سنوك السرية لمنع الهجرة العربية وإقصاء الإندونيسيين عن العرب والإسلام”.

  • انظر ترجمة الفصل الأول (نشأة المستوطنات العربية وآفاق تطورها) كاملة في هذا الكتاب.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 16.

  • المرجع نفسه، ص 16.

  • المرجع نفسه، ص 160-161.

  • المرجع نفسه، ص 3.

  • انظر ترجمة الفصل السابع (تأثير الحضارم في السكان المحليين في الأرخبيل الهندي) كاملة في هذا الكتاب.

  • حامد القادري، (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا)، ص 68-69.

  • المرجع نفسه، ص78-79.

  • المرجع نفسه، ص 154.

  • من أهم الأبحاث التي تناولت الهجرة الحضرمية من منظور دراسات الشتات: (William G.Clarence-Smith: Hadhramaut and the Hadhrami Diaspora in the Modern Colonial Era, – Farid Alatas: Hadhramaut and the Hadhrami Diaspora; Problems in Theorical History.in Hadhrami Traders, Scolars and Statesmen in The Indian Ocean, 1750-1960, Brill 1997)