ترجمة قصة لعبد الرزاق قرنح

garnah

كانت أمي تعيش في مزرعة في إفريقيا

قصة قصيرة لعبد الرزاق سالم قرنح.       ترجمة مسعود عمشوش

مسودة

سمعت ابنتها خديجة Khadija تقول: كانت أمي تعيش في مزرعة في إفريقيا. وكانت خديجة تفضل أن تُدعى كادي  Kadi، لاسيما أمام صديقتيها. وبذلت منى كل ما في وسعها لتتذكر. كانت هي وصديقتاها المقربتان، كلير وإيمي، يشاهدن فيلم (Out of Africa) على الفيديو عصر ذلك اليوم. لقد اعتدن فعل ذلك عصر معظم أيام الأحد. وكن كل مرة يذهبن إلى منزل واحدة منهن لمشاهدة الفيديو. في بيتها كان لديهم فيديو، وعند صديقتيها كان هناك جهاز DVD. قالت كادي ذلك بعدما انتهى الفيلم، أثناء الصمت القصير الذي يتبع في بعض الأحيان نهاية القصة. وكان ذلك صدى للندب الذي يتكرر في الفيلم، (كانت لدي مزرعة في إفريقيا)، بنبرة رثاء ينطق فوق المناظر الطبيعية، لتضع كارين بليكسن في أجواء مأساوية. الحب الضائع، المزرعة الضائعة، الفردوس المفقود، السقوط. ثم قالت كادي: لقد كانت أمي تعيش في مزرعة في إفريقيا.

أرادت مُنى الاندفاع إلى هناك وإخبارهن أن الأمر لم يكن كذلك. لم يكن هناك شيءٌ من هذا القبيل. لكنها سمعت شخصا يضحك بعد ثانية من حديث كادي، وجعلتها الضحكة تتردد وتنسحب. اعتقدت أنها إيمي التي تضحك من الدهشة أو السرور. والدتك فعلت ذلك حقا!؟ ربما لم تكن ملاحظة كادي أكثر من حديث متبجح بين صديقات مراهقات.

كانت تلك هي إحدى القصص التي كانت تسمعها في طفولتها عند العودة إلى البيت. فالأطفال، عندما يكونون أصغر سنا، يحبون الاستماع للقصص. كانوا يلحّون عليها أحيانًا لتحكي لهم واحدة، كما لو أنهم أدركوا إشارة في شيء ما قالته. وكان جمال، ابنها الأكبر، يتذكر تلك القصص بالتفصيل، ويتحدث عن الأشخاص الذين ظهروا فيها وكأنه يعرفهم. أوه، العم عبد الله يتعامل دائما هكذا مع النقود، أليس كذلك؟ لئيم حقا.

لقد أصبح جمال الآن كبيرا بما فيه الكفاية للدخول في سين جيم، والبقاء بالخارج طوال الليل، والنوم في منزل أحد الأصدقاء. ولكن من يدري حقيقة ما يفعل. كانت رائحة العرق والدخان والطعام الرخيص تفوح من ملابسه، وكانت تربط ذلك بالأماكن التي يذهب إليها الشباب، لكنه يصيح فوقها ويعاتبها إذا ما دخلت غرفته لفرز ملابسه للغسيل. كان يحبها مثلما هم.

مشى جمال بخطى متباعدة، كما لو كانت رجلاه ووركاه تذوب ببطء تحته. على أي حال، لم يعد لديه أي اهتمام بأشباح طفولتها. ولمّا لم يكن لديه أي خيار سوى إبداء الاهتمام، لأنها ذكّرته بشخص اعتاد التحدث عنه بقليل من الألفة، فقد ظل يومئ برأسه، آملا أن تنتهي، وألا تسمح للقصة بالتمدد كما اعتادت أن تفعل.

أما كادي فلم تكن لتتذكر بالدقة نفسها، وينبغي تذكيرها في معظم الأحيان. نعم، أنتِ تعرفين حقا من هو، العم عمر، الذي كان يمتلك المزرعة التي ذهبتُ للعيش فيها عدة أسابيع عندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري. ويحدث، في بعض الأحيان، وبشكل غير متوقع، أن تتذكر، تماما مثل الآن؛ فبعد أن شاهدت بعض المقاطع العاطفية والحنين للإمبراطورية تذكرت المزرعة، وأخبرت صديقتيها: كانت أمي تعيش في مزرعة في إفريقيا. لكن لم يكن هناك شيءٌ من هذا القبيل. لا عربات تجري، ولا خيول، ولا زجاج من الكريستال، ولا خدم، ولا أفراد ينبغي حمايتهم من أنفسهم. لقد كانت هي الخاضعة للناس، خاضعة للحياة ولأولئك الآخرين، الذين يرسلونها من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا، أولئك الآخرين الذين أحبوها وامتلكوها. وهذا ما جعل صديقة كادي تتهكم.

لقد كانت منى تعلم جيدا أنه لا يمكن أن يكون في حياتها أي شيء يشبه الحياة الجميلة التي رأينها للتو في التلفزيون. كانت يمكنها أن تعرف دون تفكير أن والدة كادي لا يمكن أن تكون قد عاشت في مزرعة في إفريقيا الحقيقية، ذات السماء المفتوحة، والظلال الوارفة، وطرق الأكاسيا، والشرفات المضاءة بالمصابيح. والأرجح إن أفريقيا الخاصة بوالدة كادي هي إفريقيا الأخرى التي شاهدن لمحات منها على شاشات التلفزيون: شوارع مزدحمة بالناس، وحقول متربة ومليئة بالأطفال المتشبثين بأمهاتهم.

ربما لم تكن صديقة كادي تعلم أن أفكارها أخذت هذا المنحى. وربما أنها لم تكن تتهكم. وما جعل منى تشعر بالحماقة هو أن تلك الأفكار جعلتها تكاد تندفع نحوهن وتسحقهن. وتساءلت عن سبب المذاق المر الذي تركه ذلك الشعور. هل هو عمرها؟ لقد سمعتْ فيما قالته كادي نداء: من فضلك تظاهري أن والدتي كانت تبدو هكذا حينما كانت في إفريقيا، وأنني أشبهك. ربما لم يكن ذلك نداء على الإطلاق، ولم يكن بوسع كادي أن تفكر في أفريقيا إلا كما تقدمها الصور التي شاهدتها للتو، ولم يكن بمقدورها مشاهدة أمها إلا وهي تعيش هكذا.

كنَّ يبلغن من العمر أربعة عشر عامًا، وكانت ستحرجهن، وكادي بشكل خاص، لو أنها دخلت عليهن وأخبرتهن أن المزرعة التي كانت تعيش فيها لم تكن بمثل تلك الفخامة الخيالية، وأنها صغيرة وباهتة وتافهة، وفي مستوى البشر. وأنها لم تكن في إفريقيا، بل في مكان حقيقي، لكل شيء فيه اسم، من رائحة العشب والأوراق إلى أدنى تغيير في الطقس.

لم تتحرك منذ أن تحدثت ابنتها، فقد أصيبت بالشلل من الغضب الشديد الذي انتابها. ثم أخذ الغضب ينحسر ببطء، وحل مكانه وشعور كبير بالذنب. ما الذي جرى لينتابها كل هذا الغضب؟ كنّ يعشن في عوالم مختلفة. كانت ابنتها ذات القلب الدافئ وصديقتاها الطيبتان يبكين على مصير سلحفاة جريحة، أو فقمة وقعت في المصيدة، لكنهن سيبتعدن بلا مبالاة عن معاناة أولئك الذين تعلمن التفكير في أنهم يستحقون اهتمامهن.

أزعجتها الذكريات. لم تستطع أن تنسى. بل أنها حتى لا تعرف لماذا تظل بعض الأشياء لاصقة بها. تساءلت عما إذا كان هذه هي الحال مع جميع أولئك الناس الذين رأتهم في الشوارع والذين كانوا بعيدين عن ديارهم. واندهشت للكيفية التي يغيّر بها البعاد طريقة التذكّر.

تم اتخاذ الترتيبات وهي تسمع، ولكن كما لو أنها كانت مستمعا عابرا وليس الشخص المعني. كان والدها غائبا منذ بضعة أشهر ولا يتوقع أن يعود في المستقبل القريب. عندما كانت طفلة، لم تندهش أبدا لفترات غياب والدها الطويلة. بل أنها اعتادت عليها لدرجة أنها لم تعد تلاحظها حقا، أو أنها بالأحرى أصبحت لا تنتبه لها إلا حينما يعيش والدهم في المنزل.

وكانت هناك أمور تحدث عندما يعيش الوالد بينهم، فوالدتهم مثلا تنتظر حتى يعود لاتخاذ أي قرار أو القيام بأيّة مهمة كبيرة. وربما كانت هذه هي الطريقة التي أحبها هو أيضا، أو ربما أنه كان عليهم انتظار الأموال التي كان يحضرها من غياباته الطويلة ليستطيعوا إنجاز أي شيء. وفي سنوات لاحقة، اعتقدت منى أن إيقاع حياة والدتها يصبح بطيئا في غيابه، وأن الحياة التي تعيشها هي وشقيقتها مع والدتهما كانت باهتة.

هذه المرة أصبحت الأمور ثقيلة جدا عليها، وغدت مريضة. كانت تجلس لفترات طويلة ورأسها بين يديها تشكو من الصداع وعدم القدرة على القيام بأبسط الأمور. وكانت منى وشقيقتها الكبرى حواء تقتربان منها على أطراف أصابعهما، وتجلسان معها، وعندئذ يغدو تنفسها البطيء هو الصوت الوحيد بينهما. وحاولت البنتان الحد من ارتفاع نبرة مشاحناتهما. فكانتا عاجزتين أمام دموع أمهما، التي عندما تبدأ في الانهمار لم يكن هناك شيء يمكن أن يوقفها – على ما يبدو- قبل أن تنسكب كلها. وأحيانًا كانت الأم تبكي طوال اليوم؛ بسبب مخالفة تافهة أو أذى بسيط، حتى أنهن في النهاية أصبن ثلاثتهن بالشلل والبكاء على آلامهن العصية على الفهم.

وذات يوم جاءت خالتهن أمينة لزيارتهم، وحينها سمعت منى الترتيبات الخاصة بأخذها إلى الريف. فقد قالت الخالة أمينة، وهي الأخت الكبرى لوالدتهما، إن رعاية البنتين تتطلب جهدا كبيرا، وإنها ستأخذ منى معها إلى أن تشعر والدتها بتعبٍ أقل. “تستطيع حواء أن تعتني بوالدتها وتسمح لها بالراحة واستعادة صحتها. وأنت تأتين إلى الريف، وسنجد لك عملا”.

في وقت لاحق، لم تستطع أن تتذكر ما إذا كان أحدهم قد قال شيئًا عن تغيبها عن المدرسة، لكن هذا الأمر كان أول شيء فكرت فيه منى نفسها. هذا يعني إجازة من المدرسة لبضعة أيام. وفي غضون ساعة، انتهت منى من حزم الأغراض التي ستحتاجها لبضعة أيام، وها هي تسير بجانب خالتها إلى موقف الحافلات، مرتدية أحد الشالات الحريرية الجديدة التي أحضرها والدها هدية آخر مرة عاد فيها إلى المنزل. تذكرت ذلك لأنها كانت المرة الأولى التي ترتديه.

كانت المزرعة تقع على بعد خمسة عشر ميلاً فقط من المدينة، وكانت منى قد زارتها مرات عديدة عندما كانت طفلة، ورأت العم عمر أربع أو خمس مرات في السنة، لأنه كان يتواصل معهم أحيانا عندما يأتي إلى المدينة. لكن لم يكن لديها أدنى فكرة أنه سيكون عليها أن تقضي أسابيع هناك.

لم يكن العم عمر يبتسم كثيرا، لكن لا يخفى عليك أن ذلك لم يكن لأنه منزعج أو غير سعيد. هو فقط لا يبتسم. وعلى الرغم من ذلك فقد ابتسم عندما رأى منى تسير على الممشى المؤدي إلى المنزل. كان جالسًا في الشرفة المظللة، يصنع سلة من سعف النخيل. وعندما سمعهما تسيران في الممشى نظر إلى الأعلى، وغمرت وجهه ابتسامة صامتة.

ينهض المنزل فوق منحدر يجري في أسفله جدول صغير. وتمتد المزرعة خلف المنزل على مساحة ستة أفدنة موزعة على ضفتي النهر. وكانت منى تتذكر دائمًا الليلة الأولى التي قضتها في المزرعة، والصمت العميق في الريف. وفي الحقيقة لم يكن ذلك صمتا، لأنه كانت هناك خشخشات ودبيب وحفيف، ووشوشات الليل غير المسموعة، والتي يصعب وصفها، إنه صمت يقفز إلى مسامعها بصوت خافت عندما تخرج من المنزل. وأثناء نومها كانت تسمع صرخات صاخبة تختفي حالما تفتح عينيها. وكانت تسمع تنفس الضفادع الكثيف في الجدول.

أعطوها غرفة خاصة بها. وقالت لها الخالة أمينة: “ستكونين هنا لبضعة أسابيع، لذا خذي راحتك”. كان المنزل صغيرا؛ غرفتان فقط ومستودع. لم يكن كوخًا، بل منزل مزارع صغير. وكانت الغرفة التي تنام فيها تُستخدم أيضًا متجرا في أوقات مختلفة من العام، لذلك كانت هناك بقع وبقايا عصائر نباتية لاصقة في الجدار المدهون باللون الأبيض، وبات من الصعب إزالتها الآن. وبقضبان حديدية تمّ تأمين النافذة الصغيرة التي تشرف على الجدول، وبستانٍ لأشجار الموز في أعلى المنحدر.

في ذلك اليوم، كان من المفترض أن تبقى بالقرب من الخالة أمينة، وتنتظر تكليفها بالأعمال المنزلية. وقد أدركت أن خالتها تشعر أن عليها أن تراقبها لأنها كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وفتاة. وكانت تساعد في كنس الفناء، والطبخ وغسل الملابس وتنظيف الفاكهة وتعبئتها في سلال لنقلها إلى سوق المدينة. وقد كان الأمر متعبًا في البداية، لكنه أصبح روتينا مملا، ثم وجدته ممتعًا بشكل مدهش. في فترة بعد الظهر، إذا لم تكن متعبة جدًا وكان العم عمر في حالة مزاجية جيدة، يصطحبها لترى العمل في المزرعة، وكان أحيانًا يأخذها إلى الطريق، ويسيران حتى يصلا إلى شجرة المانجو الضخمة، التي كان الناس ينتظرون عندها حافلة المدينة. وكان هناك أيضًا متجر صغير، يحضّر لهما صاحبه القهوة ريثما يتبادل العم عمر التحيات والأخبار مع الجالسين على المقعد. في المرة الأولى قال العم عمر: “اذهبي وسلمي على الناس في الداخل”. بعد ذلك كانت تذهب دائمًا لتحية النساء داخل المنزل وتجلس معهن حتى ينتهي العم عمر من حديثه مع الرجال الجالسين تحت الشجرة.

وذات يوم، قام رجل آخر من المجموعة ومشى معهما. كان أصغر من عمها عمر بسنوات عديدة، ربما كان في أوائل الثلاثينيات من عمره، وذا وجه مبتسم وعينين فضوليتين مشرقتين. أخبرها العم عمر أن اسمه عيسى، وكان أقرب جار لهم.

كانت تسير خلفهما، ويمكنها أن تستنتج من نبرة صوتيهما أن كل منهما يحب الآخر ويوده. واكتشفت مؤخرا أن عيسى عادة ما يتصل بهم، لكنه سافر بعيدًا مع زوجته وأطفاله في زيارة لأقاربهم في بيمبا. وعندما عاد جاء وجلس مع العم عمر في الشرفة يتجاذبان أطراف الحديث، ويضحكان ويشربان القهوة. وفي بعض الأحيان كانت تجلس معهم الخالة أمينة. لقد كان صديقهم الصدوق. وكانت تسأله عن زوجته وأطفاله، وتدعوه أحيانًا بالابن.

وكان يطلب دائما من منى أن تأتي وتسلم عليه. ولم تستطع منى أن تتجاهل أنه كان يختلس النظر إليها عندما لم يكن أحد يراه. ولم تستطع عمل شيء لكشف اهتمامه. واستمر الأمر على هذا النحو عدة أيام، ومع مرور الوقت أصبحت زياراته يومية. وأصبحت تشعر بسخونة تنتاب جسدها حينما يتفحصه بنظراته الخاطفة، والتي صارت تدريجيا متواترة. وذات يوم ابتسم لها خلسة. وبادلته الابتسامة، ونظرت بعيدًا، مغمورةً بالسعادة.

وكان من المستحيل أن لا يلحظ أحد ما يجري. وكان العم عمر يصبح متوتراً وغير مرتاح عندما تظهر منى في حضور عيسى. والخالة أمينة كان لديها دائمًا ما تكلفها بفعله. ولم يقل لها أي منهما شيئا. وأثارت ابتسامات عيسى ونظراته إعجابها، لكنها أخافتها أيضًا، ولكن بما أنه لم يقل شيئًا وكان عمها وخالتها يقظين جدًا فقد شعرت بالأمان، كما لو أنها في لعبة.

وذات ليلة لمحته عند نافذتها. وربما لم تكن هذه هي المرة الأولى، وربما كان قد فعل ذلك من قبل. وكانت النافذة مرتفعة في الحائط، ولها مصراعان خشبيان. وكانت منى عندما وصلت لأول مرة خائفة من ظلام الريف وأغلقت كلا المصراعين. ثم في وقت لاحق اعتادت على ترك أحدهما مفتوحا. واستيقظت وشعرت أن شيئًا ما قد حدث، وذهبت عيناها مباشرة إلى النافذة. كان هناك ما يكفي من التوهج في هواء الليل لترى صورة مظللة لرأس عند النافذة. فلم تستطع كبت شهقة ذعر قبل أن تضع يدها على فمها لكبحها. لم يستغرق الأمر سوى لحظة، لتدرك أنه عيسى. سمرت نفسها وكأنها لا تزال نائمة، وبعد لحظة سمعت أنفاسه. وتبين لها أن بعض التوتر في تنفسه هو ما أيقظها. ثم اختفى الرأس بعد برهة، لكنها لم تجرؤ على إغلاق النافذة، لخوفها من أن يمدّ يده نحوها عندما تذهب لإغلاقها. وتمددت لكنها ظلت مستيقظة معظم الليل، تغفو وتستيقظ، ووجهها مصوبا نحو النافذة.

في صباح اليوم التالي، ذهبت لتنظر إلى الخارج، ورأت أن هناك كومة صغيرة من التراب الصلب التي كان يقف عليها للنظر للداخل، ورغم ذلك كان عليه أن يتشبث بقضبان النافذة.

وعندما جاءت عيسى للزيارة بعد ظهر ذلك اليوم، بقيت داخل الفناء وسمعت رعشة في صوتها وهي تسلم عليه. وفي تلك الليلة أغلقت المصراعين واستلقت مستيقظة في انتظاره. وسمعته عندما وصل، وشعرت بيده على المصراع تدفعه. وقال بهدوء متوسلاً: “لا تختبي عني”. ورقدت في الظلام، تستمع إلى أنفاسه. وبعد لحظة سمعت صوتا خفيفا يفك قضبان النافذة. حينها لم تستطع تحمل الخوف، وأخبرت الخالة أمينة عندما رأتها في الصباح. ولم تقل الخالة أمينة شيئًا للحظة، فقط بدت حزينة، كما لو أن منى قد نقلت لها خبر خسارة فادحة. وقالت: لا تقولي شيئًا لعمر.

وأخبرتها أن تجهز أغراضها. وفي غضون ساعة كانوا في طريقهم إلى الحافلة، توقفوا تحت شجرة المانجو. ولم يستطع العم عمر استيعاب العجلة، وسأل: “هل حدث شيء؟”

قالت له العمة أمينة: لا. فقط كنت قد نسيت أنني وعدت بإعادتها اليوم. لقد كانت هنا منذ أسابيع كما تعلم.

**

سمعت منى كادي تناديها. أين أنت؟

فدخلت المطبخ. كانت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، وكانت تبتسم، وآمنة، مثل البيوت، وأتت كادي إلى حيث كانت منى تجلس على الطاولة مع ذكرياتها. كانت تتكئ على والدتها من الخلف، وشعرها الطويل يتساقط حول رأس والدتها.

وسألت: “ماذا تفعلين؟” وقبلت رأسها ثم تراجعت. وقالت دون انتظار إجابة: “أننا ذاهبات إلى بيت إيمي. وسأعود في غضون ساعتين.

قالت منى: لم يكن الأمر كذلك، المزرعة في إفريقيا.

قالت كادي: ـ أوه، لقد سمعتِنا. كنت أضحك عليهما فقط، وأحاول أن أجعلهما تشعران بالغيرة