شعوذة مودِرِن

sraj

شعوذة مودِرِن

مسعود عمشوش، أغسطس 2021

كل عام، عندما أزور تريم أثناء أيام العيد لمعاودة الأقارب، عادةً ما أعرج على مكتباتها لأشتري بعض كتب التاريخ والأدب، لكن هذا العام لم يكن لدي النقود اللازمة لشراء الكتب. ومع ذلك توقفت سيارتي من تلقاء نفسها أمام مكتبة حضرموت الحديثة، فدخلتها، وتبيّن لي أن بها عددا كبيرا من الكتب الجديدة والجذابة. ولأسباب كورونية وقائية، اضطررت أن أشتري كتابين من كتب الطب الشعبي في حضرموت، الأول: كتاب سالم محمد بجود باراس (السراج الوهاج في معرفة العلاج)، والثاني: كتاب أعده وجمعه الدكتور علي بن عبد الرحمن العطاس بعنوان (المختصر المفيد من طب الحبيب علي بن حسن العطاس).

ومن المعلوم أن الإنسان يسعى إلى البحث عن الشفاء من الأمراض من خلال النصوص الدينية أو بواسطة الأعشاب المتوفرة في الطبيعة والبيئة المحيطة به. ويكثر الاعتماد على وصفات الطب الشعبي في المناطق الريفية لصعوبة توفير الرعاية الصحية الحديثة فيها، كما يلجأ إليها الناس في كل مكان للعلاج من الأمراض، لاسيما النفسية منها، التي يعجز الطب الحديث عن شفائها. وإذا كنتُ لا أنكر أن كثيرا من الناس ينفون أي مصداقية وفاعلية لوصفات الطب الشعبي بمختلف أنواعه، فأنا، الذي تربيت في أحضان أم كانت تلزم نفسها كل سنة بعدد من النذور (الآمال جمع أمل بمعنى نذر) للشيخة سلطانة بنت علي لتتجاوز الكثير من العلل التي تحلُّ عليها أو على واحدٍ من أولادها بين الحين والآخر، لا مناص لي إلا أن أؤمن بكثيرٍ منها.

وبالنسبة لكتاب سالم محمد باراس (السراج الوهاج في معرفة العلاج)، فقد صدرت طبعته الثانية عن مركز تريم للدراسات والنشر والتوزيع في مطلع هذا العام ٢٠٢١، وقدّم المؤلف كتابه على النحو الآتي: “هذا الكتاب سطرتُ وصفاته وعلاجاته، بأسلوب ٍ شيقٍ وسهلٍ، ليفهمه الجميع في كل أقطار العالم، لم أكتفِ بوصفةٍ أو وصفتين لمرض واحد، بل نوعت لك العلاج والوصفات، لتأخذ ما يناسب بيئتك وبلدك، وطبيعة جسمك وتكوينك الفسيولوجي، فالذي ينفعك ليس بالضرورة ينفع غيرك. منذ أكثر من عشرين عاما ً، دونتُ وحفظتُ مئات الوصفات الشعبية، التي استفاد منها خلق كثير، وقد وقف معي، وساندني قلباً وقالب، الأستاذ الخلوق ماجد صالح بخضر من دوعن منطقة صيف ..ولكي أقرب الفوائد المتشابهة من بعضها، قسمتُ الكتاب إلى أربعة أبواب رئيسية على جسم الإنسان، وتبدأ من الرأس حتى القدم، وفي كل باب فصول تتصل بهذا الباب، والباب الخامس خاص بالنساء، والباب السادس خاص بالنباتات المنزلية، ويعتبر باب هام ومفيد، والباب السابع يخص علم النفس، ووصفات طبية هامة، وكل ما يفيد طالب العلم والمعرفة؛ فأي مرض تريد البحث عنه ستجده بسهولة ويسر، فمثلاً تريد علاج مرض العين أو وجع الرأس أو التهاب الحلق واللوز، ستجده في الباب الأول لأنه يختص بالرأس وما حوى وهكذا بقية الأبواب”.

ومن الواضح أن سالم باراس لا يعتمد إلا نادرا جدا في كتابه على الأدعية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي الغالب يقدم لنا وصفات طبية شعبية تعتمد على الأعشاب والوصفات الإجرائية المنزلية التي يصفها بالمجربة. وقد خصص الباب السادس بأكمله لتقديم النباتات المنزلية وفوائدها، ويذكر اليانوسون والحلتيت وقشر الرمان والصمغ والكركم والحناء والبابونج والحلبة… الخ. ويتبيّن لنا أن كثيرا من وصفاته الطبية لا تختلف عما نجده في كتب الطب البديل، العربية والأجنبية؛ فهو مثلا يؤكد مثلا أنه لعلاج جرثومة المعدة “تحضر خل تفاح وتسكب منه ملعقة في كأس ماء بارد وتشربه على الريق ولا تأكل شيئا بعده لمدة ساعتين أو أكثر وفي المساء كذلك واستمر على هذا العلاج لمدة عشرة أيام فقط. ص٩٤ ويضيف “ويستخدم الكركم (الهرد) لعلاج جرثومة المعدة وذلك ثلاث مرات في اليوم فأنه يعالج جرثومة المعدة بإذن الله”. ص٩٤

ومن الوصفات الإجرائية المفيدة وشبه العلمية التي يوردها باراس في كتابه هذه الوصفة الخاصة بتحسين ذاكرة الطلاب، فهو ينصحهم قائلا: “إذا كان عندك امتحان في اليوم التالي راجعه قبل النوم لأن عملية تعزيز الذاكرة تحدث أثناء النوم، فأي شيء تقرأه مباشرة قبل النوم يُشفّر كذاكرة طويلة”. ص225

ومع ذلك لا يخلو كتاب محمد باراس من بعض الوصفات التي قد تبدو لنا صادمة. فهو مثلا يكتب أن “من أفضل العلاجات لفيروس الكبد الوبائي إذا وصلت إلى مرحلة خطيرة: إن يذهب الشخص لراعي إبل والأفضل أن يعتكف عنده ويكون مجمل طعامه وشرابه من لبن الإبل، ومع كل كأس لبن ملعقة مذابة من بول الإبل. يشرب ذلك العلاج، كأس على الريق وكأس بعد الغذاء وكأس بعد العشاء ويكون بقية أكله خفيف جدا”. ص٩٣ وعلى الرغم من “قرافة” الوصفة فقد أكد لي بعض مربيي الإبل أن هناك عدد كبير من المصابين بالتهاب الكبد الحاد يترددون عليهم بين الحين والآخر لشراء مكونات الوصفة وشربها طازجة. وتجدر الإشارة إلى أن الطبيبة الهولندية إيفا هوك قد رصدت استخدام سكان شبام لهذه الوصفة الصادمة خلال إقامتها في المدينة بين سنة 1950 وسنة 1956، وذكرتها في كتابها (سنوات في اليمن وحضرموت).

ومن الوصفات النادرة التي يتكئ فيها باراس على القرآن هذه الوصفة التي يسميها (علاج ربط الرجل عن زوجته) ويشرحها على النحو الآتي: “هناك الكثير والعياذ بالله من الأسحار التي يعلمها ضعاف النفوس والمشعوذين والذين اشتروا نار جهنم بعبادة الشيطان، ومنها الربط وهو الانتصاب عند الملاطفة وعند عملية الجماع يفقد انتصابه، وعلاج ذلك كما أخيرني أحد الثقات أن تكتب سورة البيّنة في صحن بالزعفران، وتسقي للمربوط ثلاثة أيام، وينحل فوراً. مجرّب”. ص222-223

أما كتاب (المختصر الحسن من طب علي بن حسن)، فيؤكد الدكتور علي بن عبد الرحمن العطاس، الذي قام بإعداده، أنه قد جمع الوصفات الواردة فيه من ثلاثة كتب من مؤلفات الحبيب علي بن حسن، هي: (القرطاس في شرح راتب ومناقب الإمام عبد الرحمن العطاس)، و(الرياض المؤنقة في الألفاظ المتفرقة)، و(سفينة البضائع وضمينة الضوائع). وفي مقدمة الكتاب يبيّن لنا الدكتور علي بن عبد الرحمن الأسباب التي دفعته إلى نشر الكتاب مؤكدا أن الوصفات الواردة فيه، التي تعتمد في معظمهما عل الحمية والقرآن والحديث النبوي: “أدوية وقائية أو علاجية لأمراض لم يتوصل الطب الحديث بعلاجها أو تعالج بمهدئات لها آثار جانبية خطيرة ومكلفة ماديا ويصعب الحصول عليها وليس لها نتائج مؤكدة مثل الأمراض النفسية واضطراب النوم، مما يعطيها أهمية كبيرة وميزة في استمرار العلاج بها والاستفادة منها رغم مرور حوالي 255 سنة على وفاته. فليست لها آثار جانبية، ولا تكلف شيئا كباقي الأدوية”. ص9-10

ومع ذلك يحذرنا الدكتور علي قائلا إن تلك الوصفات لا تغنينا دائما “عن الأدوية الكيميائية فبعضها ضروري جدا وثبتت منفعته، لكن إذا وجد البديل الآمن فهو الأفضل، لأنه من القواعد الجوهرية في التداوي أنه إذا أمكن العدول عن الدواء إلى الغذاء أو الحمية فهو أفضل، والأقل ضررا خير من الأكثر. لذا يفضل الجمع بين الفحوصات الطبية والأدوية الحديثة والتداوي بما ورد في الطب النبوي وأدوية السلف، فبهذا تكون قد جمعت بين أصول العلاج جميعها”. ص10

وأُذكّر هنا أنني عند دراستي لكتاب (سفينة البضائع وضمينة الضوائع) لتقديم (ملامح السيرة الذاتية عند الحبيب علي بن حسن العطاس) أشرت إلى اهتمام الحبيب علي بن حسن بكتب الطب العربي القديم؛ فهو في سياق حديثه عن الكتب وتحديدا عن كتاب (الأزرق في الطب)، يسرد بشيء من الجرأة حادثة وقعت له قائلاً: “بينما أقرأ في كتاب الأزرق المذكور إذ دخل علينا الشيخ الصوفي أحمد بن الشيخ علي باراس وقال: ما أرى لهذه الكتب المصنفة في الطب ونحوه شيئا من الفائدة، والنفع والضر من الله. هذا معنى كلامه، ثم وصلنا بعد قوله هذا إلى دواء البحة في الصوت في الأزرق، وكانت به، فقال: انقل هذا لي، فنقلته له، وكذلك أنكر علينا في ذلك محمد بن أحمد بن حسين العطاس، وكان كبير الحال من الصوفية المجاذيب، فعارضني [التقى بي صدفة] مرة خارج من عند الوالد أحمد فقال كالمستخف: ما قرأتم اليوم في الأزرق؟ فأردت أن أكيله بصاعه، فقلت له: قرأتنا أدوية ما يقوي الذكر الضعيف للجماع. فقال: وتحفظ منها شيئا الآن؟ فقلت: نعم. فقال: اكتبه لي فأني في طلب ذلك. فكتبته له وقرأت عليه ما لا يحصيه إلا الله وذلك في مدة نحو ثلاثة عشرة سنة صباحا ومساء، وما بين ذلك”. ص155 (انظر كتابي: دراسات في الأدب في حضرموت قبل القرن العشرين)

وبعكس محمد باراس، يعتمد الحبيب علي بن حسن غالبا في وصفاته على الأدعية والآيات القرآنية، وفي بعض الأحيان يمزجها بالسلوك الإجرائي. فهو عند تناوله لدواء الحمل مثلا يكتب: “ينبغي لمن يطلب الولد أن يكثر الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بقوله (ربِّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين). رب هب لي من لدنك وليا، رب هب لي من الصالحين. رب هب لي لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين. ويتوسل في دعائه بالأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ولا سيما بمحمد صل الله عليه وسلم أفضل خلق الله عليه وأعظم الوسائل لديه. ثم ينبغي أيضا أن يتزوج امرأة صغيرة ولعلها تكون ممن جربت بالولادة، فإن ما طلب عز، والغالب على العقيم أن يقع على العقيم، ثم يختار ممن جربت أيضا بولادة الذكور، فإن الأشياء تطلب من معادنها والحبات إنما تنبت في أماكنها، والنقود إنما تستخرج من معادنها والخبايا تستثار من مكامنها. ثم ينبغي للإنسان أن يستعمل بذلك دواء فإن التداوي مأمور به؛ وذلك أن يذبح كبشا عريقا سمينا ويأكل لحمه مدةً، يوقده مع البصل كل ليلة نصف ثمين مع نصف رطل أو أكثر بصل، مع الامتناع عن النساء مدة عشرين ثم يتحيّن طهر المرأة ……[والباقي أهم]”. ص67

ولعلاج الصداع والشقيقة يكتب: مما اشتهرت منفعته وبركته للصداع يكتب في ورقة ويجعل على رأس الوجيع: بسم الله الرحمن الرحيم. كهيعص ذكر رحمة ربك زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا. بسم الله الرحمن الرحيم. حم عسق كذلك يوح إليك وإلى من قبلك الله العزيز الحكيم. بسم الله الرحمن الرحيم. كم من نعمة لله عل كل قلب خاشع وغير خاشع، وكم من نعمة على كل عبد شاكر وغير شاكر، وكم من نعمة على كل عرق ساكن وغير ساكن، أسكن أيها الوجع بعزة من له ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم. وللصداع يكتب في قلنسوة: بسم الله الرحمن الرحيم. ويلبسها عل رأسه”. ص41

ومن المعلوم أن استخدام الآيات القرآنية في علاج الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية، لا يزال اليوم منتشرا بكثرة في حضرموت، قراءةً أو في شكل تمائم. وقد رصدت انتشار التمائم الرحالة البريطانية فريا ستارك، التي أعطت اهتماما خاصا بالعادات والمعتقدات المرتبطة بطرق العلاج الشعبي أثناء زياراتها لحضرموت بين 1934 و1938، وكتبت في (البوابات الجنوبية للجزيرة العربية): “وبينما كنت أتأمل ذلك المشهد، وأشارك، من خلال عرض وجهي عبر النافذة، في إثارة فضول الناس، ظهرت خلفي سلمى، ابنة سلطان تريم ومعها أمَةٌ تابعة لها. ورغم حيائها، نظرت إليَّ بفضول؛ لقد كانت في غاية الجمال بثوبها الديباج، والعقد المكون من ثلاث حلقات من الخرز الذهبية، ويديها الصغيرتين المغطاتين بدانتيلا من الحنا الأزرق والأحمر، وشعرها الذي يتدلى فوق كتفيها وقد توزع على أكثر من خمس وسبعين ضفيرة، بينما ثبتت تميمة في أعلى الرأس بمشبك أمان. وقبل أن تختفي نطقت باسمها ودارت حول نفسها لكي تمكنني من الاستمتاع برؤية ملابسها من مختلف الزوايا”.

وفي 3 فبراير من سنة 1938، أثناء إقامتها في مدينة حريضة، كتبت فريا ستارك في مذكراتها: “جاء صالح، أصغر أبناء محسن العطاس، ليساعدني على تشخيص مرض امرأة تشتكي من “السِّكِن” الذين في رأسها. و”السكني” لا يمكن أنْ يراه إلا عدد محدود جدا من الناس مثل والد صالح. وله شكل إنسان، لكنه أطول، ويمكن أن يعيش في أي عنصر؛ الحجر، الجدار، البوابة، وإن ضحكت منه يدخل وسطك ويؤذيك. وإذا كان “السكني” أو بالأحرى “السكنية” تحبك ستأتي وتهز ثيابك حين تكون مريضا، وستحضر أحد الأنبياء ليعالجك. فبعض السكن يصلي لكن الآخرين لا يصلون. وإذا كانت “السكنية” لا تحبك ستبصق حين تمر بجانبك وستظهر عليك بعض البقع الحمراء. ومن الصعب رؤية السكنية أو التعرف عليها حتى حين تكون مرئية لأنها تسير محجبة مثل بقية النساء. وأخبرت المرأة المريضة أن أملاح “إبسوم Epsom” يمكن أن تحبط السكن وتنفعها أكثر من أي شيء آخر. وإذا لم تنفع الأملاح سيفعل الله الباقي. وبعد انصرافها تحدثت مع صالح حول هذه المسألة. وقد أخبرني أنه لا يعتقد أن الذي في المرأة “سكن” بل “بركين”. والبركين يذوبون ويدخلون فيك مثل الرياح الباردة من خلال الإصبع الأكبر لقدمك اليمنى، ثم يستقرون في الصدر وينفخون في الرئتين؛ إما في المقدمة أو في أحد الجانبين، ويأكلون طعامك. لهذا فأنت تأكل وتأكل وتظل دائما جائعا. ويستطيع الولي الذي في القبر إخراج البركين من خلال الإصبع الأكبر الذي دخلوا منه. وسألت صالح: “وهل صحيح أن الولي لديه أربعة عفاريت يذهبون كل ليلة في شكل كلاب إلى قبره ليخبروه بكل ما نفعل؟” ورد صالح “نعم، ويمكن أن يراهم أي إنسان يجيئون ويذهبون. لكن لا يستطيع أحد الاقتراب من القبر حينما يكونون هناك”. وأضاف: “العفاريت رجال ويدخلون النساء عبر الأذن – كم هذا صحيح- والجن نساء ويزرن الرجال. لكن الجني الخافي هو أسوأ أنواع الجن. فهو حين يدخلك يتورّم جسدك وتنتفخ ثم تسودّ وتموت. اللهم أحفظنا”. وقلت “آمين” لاسيما أن أخلاقنا الأوروبية قد أضعفتها الكثير من الأمراض والأوبئة التي حولنا. وتقول زميلتي إلينور، عالمة الآثار التي تتجه الآن بدورها نحو المرض، إنّ هذه البلاد تسبب لها هيجانا عصبيا شديدا. ويجب أنْ أخبرها أنّ سبب هذه النوبات ليس إلا البركين”.

كما اضطرت فريا ستارك نفسها أنْ تكون حقلا لتجريب بعض أساليب العلاج الشعبي مثل الكي و”القراءة” والرقية. فحينما وقعت فريسة لمرض الحصبة في دوعن خلال رحلتها الأولى إلى حضرموت أجبرتها النساء على اكتشاف أحد تلك الأساليب. وتروي ذلك في كتابها (البوابات الجنوبية لشبه الجزيرة العربية) قائلة: “كنّ يردنَ أن يجربن فيّ الكي، أي وضع حديد شديد السخونة على مؤخرة الرقبة. وأكدن أنّ هذا العلاج ناجع للحصبة. لكني استطعت أنْ أتخلص منهن. وبالمقابل لم أتمكن من الهروب من بين يدي إحدى العجائز الساحرات التي كانت قد جاءت في أحد الأيام من الهجرين، لابسة ثوبا أسود مرقعا بخرق ملونة. وعلى الرغم من سنها المتقدم فقد كان وجهها الفروسي لا يزال يحتفظ بشيء من حيوية الشباب. وكانت تحيط نفسها بهالة من القدسية. أما زوجها فقد طلقها (لرجاحة عقله). وكرست هي لله غياب الجمال والشباب والمشاعر. وحالما رأتني ممددة خائرة القوى هجمت عليّ وهي تدمدم برقي وتدير حول رأسي أصابعها المخضبة بالسواد وذراعيها النحيلتين والطويلتين مثل جناحي طاحونة الهواء. وعند نطقها بكل رقية كانت تعقد وتفك طرف الشال الذي معها (وقد حرم القرآن هذه الممارسة السحرية). وفجأة انحنت وبصقت فوقي. وكان ذلك بحسن نية”.

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نسلم بما كتبه الباحث الحضرمي صبري هادي عفيف في صفحة 287 من كتابه (الطب الشعبي في حضرموت)، الذي صدر مؤخرا عن مركز حضرموت للدراسات التاريخية والنشر، حين قال” “إن المتتبع للطب الشعبي في حضرموت يلاحظ أنه قد حصل خلط واندماج بين العلاج بالطب الشعبي مع الدجل والشعوذة حتى أنه لم يعد بالإمكان التمييز بين المشعوذ والدجال وبين الطبيب الشعبي الحاذق ذي الخبرة والتجربة، واندمجت الشعوذة مع دعوى الرقية الشرعية بحيث يصعب التفريق أيضا بين ذلك التقي الذي يحفظ السور القرآنية والأدعية النبوية وبين ذلك المشعوذ الدجال الذي يستخدم الأساليب الملتوية في علاجه”. واللهم أحفظنا!