المخابرات الغربية والاختراق العظيم

services

المخابرات الغربية والاختراق العظيم

د. مسعود عمشوش

طوال القرن العشرين بذلت الدول الغربية جهودا كبيرة لتوظيف العرب في سبيل تحقيق مآربها بطرق ملتوية؛ فلكي تقضي تلك الدول على الامبراطورية العثمانية استمالت العرب ووظفت رغبتهم في التخلص من الأتراك، ولكي تحارب المد الشيوعي قبيل منتصف القرن الماضي قامت بخلق عدد من المنظمات الإسلامية وتمويلها. وفي نهاية القرن لم تتردد في تمويل القاعدة لإزاحة السوفييت من أفغانستان. وحينما أرادت أن تحد من المد الأصولي وجه الغربيون الحكومات العربية بالاعتماد على رجال الدين المتصوفين. وكل تلك المناورات لم يقم بإدارتها السياسيون الغربيون بأنفسهم، بل أوكلوا عملية تنفيذها لعدد من رجال ونساء اكتسبوا كثيرا من المهارة في اختراق المجتمعات العربية والجماعات الدينية بمختلف مذاهبها واتجاهاتها.

ولا شك أن المؤسسات الاستعمارية الغربية قد سعت بذكاء، ومنذ زمن بعيد إلى توظيف الرحالة والمغامرين والأدباء إلى جمع معلومات دقيقة عن الشعوب والبلدان والأراضي التي قررت الهيمنة عليها في مختلف أرجاء المعمورة. لهذا من الطبيعي أن تنشأ علاقة متينة بين الأدب والنصوص الثقافية التي كتبها هؤلاء الرحالة والأدباء من جهة، وبين دوائر الاستخبارات الاستعمارية منذ القرن التاسع عشرن، لاسيما في نصفه الثاني حينما قررت الدول الغربية، وفي مقدمتها الإمبراطورية البريطانية، الاستيلاء على أراضي الامبراطورية العثمانية، أو الرجل المريض. والقائمة تضم لورانس العرب وسانت جون فيلبي وجيرترود بيل وفريا ستارك، وكثيرا غيرهم.

وبالنسبة للضابط توماس إدوارد لورنس (16 أغسطس 1888 – 19 مايو 1935)، من المعلوم أن الاستخبارات البريطانية قد ا كلفته باستغلال علاقاته بالعرب لإيهامهم أنه يريد مساعدتهم لمواجهة الغطرسة التركية وقد ساعدته معرفته باللغة العربية لاختراق القبائل بصفته مبعوث الأمير فيصل وتحت حراسته تفاوض معهم أقنعهم بوقف الحروب فيما بينهم والانضمام للثورة (العربية) والحرب الغربية ضد الدولة العثمانية سنة 1916.

أما الحاج عبد الله فيلبي، الذي كرسنا له كتابنا (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن 2013)، فهو مستعرب، ومستكشف، وكاتب، جنّده مكتب المستعمرات البريطاني في نوفمبر من عام 1914، بعد إعلان الحرب ضد تركيا. وفيلبي أحد الأشخاص شديدي التأثير في تشكيل تاريخ جزيرة العرب الحديث بالرغم من قلة ذكر اسمه. ففي آخر سنة 1915 عينه پرسي كوكس كبير الضباط البريطانيين في العراق وزيرا للتمويل في إدارة الاحتلال البريطاني في بغداد Kوكان من ضمن مهامه تنظيم ثورة عربية ضد العثمانيين. ثم كُلّف بالتوجه إلى الملك عبد العزيز بن سعود لضمان وقوفه مع بريطانيا. وقد أقنع البريطانيين بالتحالف مع ابن سعود ضد الشريف حسين في الحجاز. ومن المعلوم أن فيلبي قد اعتنق الإسلام بعد أن أصبح مستشارا لمؤسس المملكة العربية السعودية.

وخلال الحرب العالمية الأولى قام جهاز الاستخبارات البريطاني (المكتب العربي) بتأطير جيرترود بيل الملقبة بملكة الصحراء، التي تتحدث العربية بطلاقة وسافرت بمفردها إلى بلاد الشام والجزيرة العربية، ونقلها إلى القاهرة ثم بغداد، وكلفها بالعمل ضد تركيا مع لورانس العرب، وقد نجحت جيرترود بيل إلى دفع الهاشميين إلى التمرد ضد العثمانيين. وعندما عيّن البريطانيون فيصل بن حسين ملكًا للدولة العراقية الجديدة، كُلفت جيرترود بيل بـ(الوصاية) عليه. وحينما توفيت سنة 1926 في بغداد أقيمت لها جنازة رسمية وغطي نعشها بالأعلام البريطانية والعراقية.

ومن خلال استعراضنا لمسار حياة فريا ستارك التي كرسنا لها كتابا بعنوان (اليمن في كتابات فريا ستارك، من الاستكشافات إلى الاستخبارات، عناوين للنشر والتوزيع، القاهرة 2021)، تبيّن لنا أن هناك فرقا كبيرا بين اهتماماتها خلال رحلتيها الأولى والثانية إلى حضرموت وعدن (في عامي 1934-1935، وعامي 1937-1938)، وتلك المهام التي أنجزتها في رحلتها الثالثة (في عامي 1939-1940). ومن المعلوم أن فريا ستارك قد جاءت إلى عدن وحضرموت في عام 1934 لكي تستكشف مدينة شبوة القديمة، عاصمة مملكة حضرموت، وتكون أوَّل أوروبي يصل إليها. إما الرحلة الثالثة التي قامت بها فريا ستارك إلى عدن وصنعاء (في عامي 1939-1940) فقد تمّت في إطار مهمة استخباراتية كلفتها بها حكومة بلادها. فمن المؤكد أنَّ الإحراجات التي سببتها فريا ستارك للسلطات البريطانية خلال رحلتيها الاستكشافيتين في حضرموت، لم تثنِ المؤسسات الأمنية البريطانية عن توظيف تلك الرحالة المغامرة، الخبيرة في شئون العرب، بهدف اختراق المجتمعات المحلية عدد من الأقطار العربية؛ لهذا سارعت في استدعائها من إيطاليا عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، في سبتمبر 1939، وأطرتها للعمل في مجال الاستخبارات. ويبدو أنّ أجهزة المخابرات البريطانية قد سعت إلى الاستفادة من روح المغامرة لدى فريا ستارك حين قامت بتأطيرها خلال الحرب العالمية الثانية وكلفتها بالتوغل في المناطق الشمالية من اليمن لإقناع الإمام بالابتعاد عن الألمان وحلفائهم، ثمّ باختراق التنظيمات السياسية في مناطق مختلفة من الوطن العربي مثل “حركة أخوان التحرير في مصر”. وقدَّمت فريا ستارك رحلتها إلى صنعاء للسلطات اليمنية على أنها زيارة ودِّية، وإن كان هدفها، في الواقع، تقييم الولاءات الشخصية للإمام، ومدى تأثير الإيطاليين في سياسته، ومعرفة ما إذا كانت صنعاء قد منحت تسهيلات عسكرية لإيطاليا. وقد بقيت فريا ستارك في صنعاء شهرين في جوار الإمام يحيى بن حميد الدين. وفي شهر اغسطس سنة 1940 نُقلت فريا ستارك من عدن إلى مصر لتقوم بالمهمة نفسها بالإضافة إلى إصدار نشرة إخبارية دعائية أسبوعية تروج لانتصارات الحلفاء. وفي شهر سبتمبر 1941 تم نقلها إلى بغداد، بناءً على طلب مديرها السابق ستيوارت بيراون، وعيّنت سكرتيراً ثانياً في السفارة البريطانية هناك في فبراير من عام 1942. وتجدر الإشارة إلى أنَّ فريا ستارك، حينما تمَّ نقلها للعمل مع المؤسسات الأمنية في القاهرة (من سبتمبر 1940 إلى سبتمبر 1941)، قامت بتأسيس شبكة شبابية عربية من المتعاطفين مع بريطانيا مهمتها المساعدة في الحفاظ على ولاء المصريين والعرب للحلفاء، وأطلقت عليها اسم: (أخوان الحرية Brothers of Freedom).

وحظيت أدوات الغرب لاختراق المجتمعات العربية الإسلامية باهتمام بعض الباحثين في الغرب نفسه. ونشرت دراسات عميقة للكشف عن علاقات الدول الغربية وأجهزة استخباراتها بالجماعات الدينية،، لاسيما علاقات الاستخبارات البريطانية والـCIA، بالجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط.

فقد نشر الكاتب الصحفي والمؤرخ البريطاني مارك كورتيس، باللغة الإنجليزية عام 2010م، كتابا بعنوان (التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين Secret Affairs: Britain’s Collusion with Radical Islam)‏ وصدرت ترجمته للمرة الأولى عام 2012م عن المركز القومي للترجمة وقام بنقله إلى العربية كمال السيد. ويؤكد مؤلف الكتاب أنه قد استند إلى الوثائق الرسمية البريطانية التي تفضح تآمر الحكومة البريطانية مع المتطرفين والإرهابين، دولاً وجماعات وأفراداً، في مختلف مناطق الشرق الأوسط وأفغانستان ودول البلقان ونيجيريا واندونيسيا. ويرى أن “بريطانيا كانت ولا تزال ماهرة وماكرة في التلاعب بكل الأطراف، وأن أكثر من استغلتهم ثم نبذتهم عندما لم يعد لهم جدوى وانتفى الغرض منهم، هم رجال الدين، وأن سياسة بريطانيا ترتكز على أساس المصلحة الخاصة وأن المبادئ والقيم ليس لها مكان فيها، وأنها استندت في ذلك إلى سياسة “فَرِّق تَسُد”، وتقلبت في التعامل مع كل الأطراف المتضاربة، فبعد أن مولت طالبان وسلحتها انقلبت عليها، وساندت حيدر علييف الشيوعي السابق، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي ومن رؤساء الـ”كي جي بي” والذي أباد خصومة بوحشية، ضد معارضيه، وبعد أن تآمرت مع الولايات المتحدة لإعادة الشاه لعرشه في 1953م بتدبير انقلاب على القائد الوطني محمد مصدق، رفضت طلبه للجوء إليها بعد إطاحة الخميني، وكان وزراؤها صادقين في اعترافهم بأن هذه هي سياسة بلادهم عندما قال أحدهم: إن هذا عمل لا يتسم بالشرف لكنها حسابات المصالح، وبعد عداء مرير لعدم الانحياز قالت مارجريت تاتشر وهي سياسية بريطانية، التي شغلت منصب رئيسة وزراء في تاريخ بريطانيا العظمى، إن أفغانستان بلد من بلدان حركة عدم الانحياز العظيمة! وبعد إدانتها للمتمردين عادت لتقول: إن كلمة المتمردين خاطئة، وإنهم مقاتلون في سبيل التحرير، وبعد رفض الإسلام، رجعت لتقول إنه بديل جيد للماركسية، وإن الحكم الديني الإسلامي مَصدٌّ للسوفيت”.

ومن ناحية ثانية، رصدت دراسة أعدها باحثان بكلية لندن للاقتصاد «تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة، وتحديدا جهاز مخابراتها الـCIA، وجماعة المسلمين السلفيين منذ خمسينات القرن الماضي وحتى الآن. وخلصت الدراسة إلى أن السى آى إيه كانت على اتصال مباشر بالجماعات الإسلامية في فترتين؛ الأولى في بداية الخمسينات، والثانية أثناء الغزو السوفيتى لأفغانستان. أما أثناء حكم حسني مبارك.

وفي نهاية القرن الماضي بعد، شرعت بعض الدول الغربية التي كانت في صراع مع التيارات الصوفية في العالم الإسلامي في اندونيسيا وشمال افريقيا، في توظيف عدد منها ودعمه وتشجيع الحكام العرب على تقريبه منها لاعتقادها أنه ألين عريكة من التيارات السلفية التي لا تنصاع دائما لرغبات الغرب إلا بمقابل كبير، وأصبح بالنسبة لها رديفا للإرهاب. ويؤكد المستشرق الفرنسي المسلم إريك جيوفروي المتخصص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج، شمال فرنسا في حوار صحفي أن (الأنظمة الغربية في علاقتها بالحركات الإسلامية بالذات عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة الظاهرة الإسلامية). ويرى ( برنارد لويس ) إن “الغرب يسعى إلى مصالحة (التصوف الإسلامي ) ودعمه لكي يستطيع ملىء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصائه نهائياً عن قضايا السياسة والاقتصاد، وبالطريقة نفسها التي استُخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا و الولايات المتحدة” . ويكرر ذلك الباحث د . عبد الوهاب المسيري حينما كتب ( مما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية. ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي وأشعار جلال الدين الرومي، وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية؛ فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي”.