أبو عامر لعلي بارجاء

بارجاء بوعامر2

علي أحمد بارجاء باحثا 1- الشاعر الحكيم الفلاح أبو عامر
أ.د. مسعود عمشوش

علي أحمد بارجاء مثقفٌ وشاعرٌ وباحثٌ أكاديميٌّ من أبناء سيئون حضرموت. وإضافة إلى أربعة دواوين شعرية، (رواء) و(أشرعة الروح) و(نبض يتشكَّل حرفا)، و(رد نجمي في سماك)، لم يُطبع منها إلا الأول وكتابين آخرين هما (الشاعر الحكيم الفلاح أبو عامر)، و(من أدب النخلة)، خلّف لنا الفقيد علي بارجاء عددا من الكتب التي تنتظر النشر، منها (الدان الحضرمي، دراسة تاريخية وصفية) و(كتابات في الأدب والتراث اليمني)، و(المعجم الهادي إلى لهجة الوادي)، وكذلك رسالة ماجستير حول (الشعر العربي في المهجر الشرقي)، التي كنت عضوا في لجنة مناقشتها سنة 2007.


وبالنسبة لكتابه الأوّل (الشاعر الحكيم الفلاح أبو عامر)، الذي اخترنا أن نكرّس له هنا قراءة أولى وموجزة، فقد صدر أولاً سنة 2004، عن الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ومركز عبادي للدراسات والنشر، الذي أعاد طباعته سنة 2008. ويحتوي الكتاب الذي يقع 138 صفحة، على مقدمة استعرض الباحث فيها بعض الأسباب التي دفعته إلى تأليف الكتاب وأبرزها: أهمية شعر الرجل وأحكامه وإهمال المؤرخين والنقاد لحياته، وعدم إقدام أي منهم على جمع كل مال قاله أبو عامر بين دفتي كتاب، وثلاثة فصول.
في بداية الفصل يؤكد الباحث أن أبا عامر لم يشتهر إلا بكنيته وشعره، ولم يهتم أحد بتوثيق حياته، ويعلل ذلك مؤكدا أن المؤرخين والمترجمين الحضارم، لأسباب مختلفة، أما يهتمون بالشاعر نفسه مثلما فعلوا بشخصية الشاعر الصوفي سعد السويني ويهملون شعره، لاسيما إذا كان حمينيا أو شعبيا، أو يهتمون بالشعر ويهملون شخصية الشاعر كما حدث مع الشاعر الحكيم أبي عامر. ص13 لذلك نلاحظ أن علي بارجاء قد اتبّع في محاولته لتوثيق مختلف جوانب حياة أبي عامر الأسلوب الذي ينطلق مما كتبه الشاعر لإعادة بناء ما يمكن بناؤه من حياته، متكئا في ذلك على ما قام به بعض المؤرخين، الذين اختلفوا في تحديد نسب أبي عامر؛ فبعضهم يرى أن نسبه يرجع إلى بني هلال من كندة، مثلما فعل المؤرخ عبدالرحمن بن عبيد الله بن محسن السقاف (في بضائع التابوت)، نقلا عن علوي بن عبدالله الحبشي الذي يرجح أن أبا عامر ينتمي الى الهلاليين آل باعبد الله حكام منطقة رحاب في وادي دوعن، وقد أورد السقاف الأبيات الآتية التي نظمها أبو عامر في آل باعبد الله :
بقول بو عامر في البلدان حيَّا الله رحاب
رحاب تعجبني وأنا قدنا لها عاشق وحاب
فيها بني عمي صلاب الروس عوجان الرقاب.
وليؤكد انتساب أبي عامر لبني هلال، يربط الباحث بين هجرة الهلاليين الذين هاجروا من حضرموت إلى المغرب وشمال الجزيرة العربية وبين شعور أبي عامر بالضعف والغبن، ونظمه لمقطوعته المشهورة الآتية:
يقول بو عامر في الدنيا ثلاثة غبون
الأول الغبن من راحت عليه العيون
الثاني الغبن من كثرت عليه الديون
الثالث الغبن من قلت رجاله يهون
ويورد الباحث بعض الآراء التي تؤيد ما ذهب إليه، مثل رأي علي بن أحمد العطاس منصب حريضة والمؤرخ محمد عبد القادر بامطرف والأديب عبد الرحمن الملاحي. واللافت في المنهج الذي اتبّعه بارجاء أنه لا يتردد كذلك في إيراد الآراء المخالفة لرأيه. فحينما يتكئ بارجاء على الآراء التي رجحت أنّ أبا عامر قد عاش في القرن السابع، لاسيما رأي المؤرخ محمد علي باحنان، مؤلف (جواهر تاريخ الأحقاف)، ص21 فهو يذكر كذلك الآراء التي رجحت تأخره؛ ويذكر “ويغلب الظن عند علي بن أحمد العطاس أن أبا عامر من أهل القرن التاسع، وهو مجرد ظن لا يقوم على دليل نقلي”. ص24
ويورد كذلك رأي المستعرب روبرت سارجانت الذي يرى أن موطن ميلاد أبي عامر ليس هينن بل شبام، قائلا: “ويرى سارجنت أن أبا عامر مولود في شبام لأنه اشتهر بالحكمة مستندا إلى ما يقال إن شباما هي مدينة الحكمة”.ص26-27، ويذكر الباحث كذلك ما ذهب إليه عبد الله بن حسين بافضل (رحيّم) بأن “أبا عامر من بلدة بور بين سيئون وتريم، وهو أمر مستبعد”.ص27
ويضمّن الباحث الفصل الأول من كتابه بعض صفات أبي عامر، وحكاياته ونوادره، وموقفه من المرأة، مستندا في كل ذلك بما ورد في شعره من إشارات، ومتكئا كذلك على ما جاء في بعض المصادر والمراجع.
وفي الفصل الثاني من الكتاب يتناول علي بارجاء شعر أبي عامر، ويبدأ الفصل بالتأكيد أن الحضارم لم يهتموا بين القرنين السابع والتاسع للهجرة، أي قبل القرن العاشر للهجرة، بالشعر العربي الفصيح قدر اهتمامهم بعلوم الفقه واللغة، وجاء جل نتاجهم الشعري باللهجة الدارجة ويدخل في إطار ما يسمى بالشعر الحميني، الذي يصفه قائلا: “وهو الشعر السهل الممتنع”.ص66، ويكتب “وأول من عرفنا من قدماء الحضارم في القرن السابع من [مؤلفي] الشعر الدارجي هما أبو عامر والحميد بن منصور. ثمّ كثر ظهور هذا اللون من الشعر الحميني، واشتهر بنظمه شعراء كسعد بن علي مذحج السويني وعمر بامخرمة وعوض با مختار، وغيرهم”. ص66-67
ويتداخل المبحث الثاني من هذا الفصل (مصادر شعر أبي عامر) مع الفصل الثالث، إذ أنه مكرس لحصر المصادر التي اعتمدها المحقق علي أحمد بارجاء في جمع ما أطلق عليه (ديوان أبي عامر) الذي يكوّن الفصل الثالث، فهو يكتب: “وقد اعتمدت في جمع شعر أبي عامر حتى أولته إلى ثلاثة وأربعين قولا لم تُجمع في كتاب من قبل، على مصادر مختلفة يمكن إجمالها في الآتي”: 1- (الكشكول: ليس بعريض ولا فيه طول، معناه نفيس وجرمه يختبئ في الكيس)، 2- (تنوير الأغلاس من كلام الشهاب النبراس أحمد بن حسن بن عبد الله العطاس، 3- (بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت) للمؤرخ عبد الرحمن بن عبيد الله بن محسن السقاف، 4- تاريخ الأحقاف، تأليف محمد بن علي زاكن باحنان، 5- ديوان عمر بن عبد الله بامخرمة، 6- (وثائق المؤتمر الأول للأدب والتراث الشعبي في المحافظة الرابعة، شبوة)، 7- دراسة عن شعراء الأحكام لعبد العزيز عمر عمار، 8- شريط تسجيل لحوار بين المنصب علي العطاس ومحمد عبد القادر بامطرف، 9- (مختارات من الأدب العامي الحضرمي) للمستعرب روبيرت سارجانت.
وفي المبحث الخاص بـ(خصائص شعر أبي عامر)، يركز الباحث علي بارجاء على حصر الموضوعات التي تناولها أبو عامر في شعره، مثل الدعوة إلى القيَم السامية، وذم السلوك المشين، وإظهار خبرة الشاعر في الفلاحة وتقديمها في شكل نصائح وتعاليم، وموقف الشاعر من المرأة، وتصوير حاله مع الفقر. ص70
أما السمات الفنية لشعر أبي عامر فيتناولها الباحث تحت عنوان (أوزان شعره)، مؤكداً أن “شعر أبي عامر الذي بين أيدينا يتألف من وزنين لا ثالث لهما؛ الوزن الأول، الذي عليه معظم شعر أبي عامر، منظوم على بحر الرجز، ويتألف كل بيت منه من أربع تفعيلات: مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن، وجوازتها… والوزن الثاني من بحر البسيط، ويشكل كل شطر بيتا مؤلفا من تفعيلات شطر البسيط التام، وهو ما يختلف فيه الشعر الحميني عن الشعر الفصيح”. 74-76
وفي سياق حديثه عن الخلط الذي يحدث بين شعر – أو أحكام- أبي عامر وعدد من الشعراء الشعبيين مثل سعد السويني والحميد بن منصور، يتكئ الباحث على الوزن الشعري للتمييز بين شعر أبي عامر وشعر سعد السويني الذي يؤكد بارجاء أنه نُظِم على وزن وحيد هو: (مستفعلن مستفعلن فعولن) في كل شطر. ويورد الباحث رأي عبد العزيز عمار الذي يرى أن الفرق بين شعر أبي عامر وشعر الحميد بن منصور يكمن في أنّ الأول يبدأ بالفعل المضارع بينما يبدأ ابن منصور بالفعل الماضي. ص79
وينهي بارجاء الفصل الثاني من كتابه بالأثر الذي تركه أبو عامر في الشاعر الصحفي المعاصر حسين محمد البار، الذي صاحب جريدة الرائد، الذي من فرط إعجابه بشعر أبي عامر نظم مقطوعات شعرية كل مقطوعة مكونة من ثلاثة أبيات، على غرار مقطوعات أبي عامر، وذلك ليعبّر بها عن بعض مواقفه السياسية والاجتماعية نشرها في صحيفته الرائد وأورد منها بارجاء اثنتي عشر مقطوعة منها:
يقول بو عامر حكومتنا تقول ألا سراب
كتمان في كتمان ليل أسود كما جمح الظلام
لا جيت با تدري بشي حسيت شي ما له جواب

يقول بو عامر لقيت الصدق في البندر يصيح
لا قلت شي قالوا سكت هذي سياسه يا فصيح
يبغونا ما قول ذا باطل ولا هذا صحيح

يقول بو عامر قتلتونا بترديد الوعود
لا جيتكم با اقضي عمل قلتوا رجع غدوة وعود
غدوة قفا غدوة، وغدوة كذب ما له شي وجود
وقبل ذلك، في نهاية الفصل الثاني، تبيّن للباحث أن الشاعر الصوفي عمر بامخرمة الذي عاش في القرن العاشر الهجري قد تأثر هو أيضا بأبي عامر، ووضح ذلك قائلا: “كنت قد أنكرت في بادئ الأمر أن يكون بامخرمة قد أخذ قول أبي عامر، وحسبت الأمر بعكس ذلك، وأن الرواة نسبوا قول با مخرمة لأبي عامر، لكن حين وقفت على قصيدة أخرى لبامخرمة يمدح بها حاكم هينن عبد الله بن علي المرهون من قبل السلطان بدر بن عبد الله أبي طويرق الكثيري التي يستهلها بقوله:
يقول بو عليا وصلنا اليوم يا ريّا كتاب
من جيّد في الجودة له في الجود غرس الانتساب
وإن شيت من زيد فأني قول من غير ارتياب
قد قال بو عامر رفيع النفس ما يهوى القحاب
ما أركب ذلول ذلّها غيري وأنا ذلّ الصعاب
أيقنت أن أخذ با مخرمة عن أبي عامر وارد، فقد كان بامخرمة كثيرا ما يضمن شعر الأمثال المتداولة بين أهل حضرموت، وهي واضحة للمطلع على ديوانه الضخم، فكان شعر با مخرمة مصدر أخذت عنه قولا لأبي عامر لم أجده في المصادر الأخرى، وهو:
يقول بو عامر رفيع النفس ما يهوى القحاب
ما أركب ذلول ذلها غيري وأنا ذل الصعاب”. ص91-92
وإذا كان الفصلان الأول والثاني يغلب عليهما روح الدراسة والبحث، فالفصل الثالث يُعد –في اعتقادنا – تحقيقا لما يمكن أن نطلق عليه (ديوان الحكيم أبي عامر). وقد حاول بارجاء أن يجمع فيه كل ما ينسب لأبي عامر، ونجح في حصر ثلاث وأربعين مقطوعة أو قولا شعريا يتراوح طولها بين بيتين إلى عشرة أبيات، ورتبها حسب حروف الروي. وإلى أن يسعفنا الوقت بدراسة ضافية للديوان، نكتفي هنا باقتباس البيتين الآتيين منه:
يقول بو عامر خيار العلم قولة ما دريت
إن شفت شي ما قلت شي وإن حد حكى لي ما حكيت.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *