الأدب العربي في المهجر الشرقي

alrabee

أ.د. مسعود عمشوش
قبل أن يهتم الحضارم بخزائن المال اهتموا أولا بخزائن الكتب، فملأوها بالمخطوطات، وليس فقط في الفقه واللغة، بل كذلك في العلوم والطب والأدب. وقبل أن يمارس الحضارم التجارة مارسوا التأليف والكتابة، في أرضهم وفي المهاجر الكثيرة التي استقروا بها، وألفوا فيها الشعر والمقامات والتراجم والسيرة الذاتية وأدب الرحلات.

وإذا كان هناك عددٌ من الأدباء الحضارم، مثل علي أحمد باكثير وعمار باطويل، قد اختاروا، منذ منتصف القرن العشرين الهجرة إلى بعض الأقطار العربية المجاورة والاستقرار والكتابة فيها، فمن المعلوم أن كثيرا من الحضارم قد اختاروا منذ القرن السابع عشر الميلادي الهجرة إلى جزر جنوب وشرق آسيا، وتحديدا إلى الهند وجاوة وسنغافورة.

babood
ومن بين هؤلاء الحضارم الذين هاجروا إلى الهند الأديب أبوبكر محسن باعبود الذي ألف في مطلع القرن التاسع عشر سنة 1816 (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية)، التي قمنا بتقديم دراسة رائدة حولها في مؤتمر اللغة العربية وآدابها الذي نظمته كلية العلوم والآداب والتربية جامعة عدن سنة 1989. وقد لاحظنا أن هذا الأديب الحضرمي قد تأثر في كتابة تلك المقامات، ليس فقط ببديع الزمان الهمداني وأبي القاسم الحريري، لكن أيضا بالبيئة الهندية؛ فهو قد ضمّن بعض مقاماته تصويرا للمواقف الجنسية كما رآها في المعابد الهندية. ومن اللافت للانتباه أن المحقق عبد الله الحبشي قد حذف تلك المقامات عند نشره لمقامات باعبود سنة 2001 في أبو ظبي، وذلك بحجة أنها لا تتوافق مع الذوق العام. وإلى الهند هاجر أيضا الشاعر الحضرمي الكبير أبوبكر بن شهاب الذي كرسنا لأثر الهند في قصائده دراسة قصيرة سنة 1993.
وفي جاوة، في جنوب آسيا، نبغ منذ القرن السابع عشر الميلادي نجم الشاعر والمؤرخ والفقيه عبد الله بن علوي الحداد، الذي أثرى المكتبة العربية بكثير من المؤلفات في مختلف التخصصات. وفي مطلع القرن العشرين هاجر إلى جاوة الأديب أحمد بن عبد الله السقاف، الذي ولد سنة 1880 في مدينة الشحر، وتربى في كنف أخواله آل بن عثمان، ثم انتقل إلى سيؤن ومكث فيها بضع سنوات قبل أن يسافر إلى حيدر أباد ثم إلى سنغافورة، ومنها أنتقل إلى باتافيا (حاليا جاكرتا) التي قضى فيها معظم سني عمره. وألف (ورواية (الصبر والثبات 1929)، ورواية (فتاة قاروت 1927) التي تُعد أول نص روائي في بلادنا، وقد كرسنا لها دراسة ضمناها كتابينا (الحضارم في الأرخبيل الهندي) و(الرواية في حضرموت في تسعين عاما).
في هذه الرواية الرائدة، التي يعرفها الأديب أحمد عبد الله السقاف في الغلاف بأنها “رواية غرامية انتقادية تتضمن انتقاد بعض عادات المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، يقدم المؤلف في أسلوب شيّق جملة من أفكاره وآرائه المرتبطة بعادات المهاجرين الحضارم وسلوكهم في الأرخبيل الهندي، وسعى إلى توظيف شخصيات روايته في سبيل عرض موقفه الرافض لاندماج المولدين الحضارم في المجتمع المحلي في جاوه.
وأمضى الأديب الشاعر علي بن صالح الحامد ما يقارب العام في سنغافورة وجاوة في ثلاثينيات القرن الماضي، وألف هناك عددا من قصائده وكتابه الشهير: (رحلة جاوة الجميلة) التي ضمّنا أول دراسة عنها كتابنا (الحضارم في الأرخبيل الهندي)، بعنوان (قراءة أولى في رحلة جاوة الجميلة). ويقع الجانب العلمي من الرحلة في ثلاثين صفحة (من مجموع 225 صفحة) يتحدث المؤلف فيها عن اسم جاوه في الماضي والحاضر، وعن موقعها ومناخها وتاريخها، وحكومتها ونظم التعليم والزراعة والمواصلات فيها. وتتضمّن (رحلة جاوه الجميلة) عددًا من المعلومات السوسيولوجية حول طباع العرب الحضارم والسكان المحليين وعاداتهم، وأجناسهم المختلفة، ولغاتهم. ومن أبرز السمات التي يلصقها بأهالي جاوه المحليين: “اللين ودماثة الأخلاق ومحبة الغريب، وحسن معاملته، ولين الجانب معه، واشتهروا بالأمانة والقناعة والرضا بما قسم الله. غير أن هذه القناعة قد خرجت عن حدها إلى التكاسل وعدم العناية بالتجارة وجمع المال وتنميته حتى قل بينهم الأغنياء. وأكثر نشاطهم متجه إلى الزراعة، ولديهم استعداد وقابلية للفنون الجميلة، وحسن الخط والرسم. ويتقنون بعض الصنائع كزركشة الأزر الباتيك، وصناعة الأحذية وبعض الأشياء التي تنسج من الخوص. كما دخل صنائعهم الآن نسج الأزر الملونة”.

jawa
ومن اللافت أن الأديب صالح بن علي الحامد لا يكتفي بقلمه فقط لرصد جمال المشاهد الطبيعية والإنسانية في جاوه بل يستخدم كذلك آلة التصوير التي لم تفارقه طوال الرحلة. كما أنّ هذا الشاعر الذي كثيرًا ما عبّر عن غرامه بسحر الطبيعة الجاوية في قصائده، لم يتردد أيضًا في البحث عن الجمال في المتاحف والمعابد التي زارها وأعجب بها ووصف ما تحتويه من تماثيل وراهبات بعيدًا عن أي تعصب. وقد ضمّن الناشر الكتاب عددا من الصور التي ألتقطها الحامد في أثناء رحلته، ومن بينها صورة لأحد المعابد البوذية.
وأحيانا تأخذ المعلومات التي يقدمها الحامد في نصه عن السكان المحليين طابعا أنثروبولوجيا. هذا ما نلمسه مثلا في وصف سكان جزيرة بالي المحاذية لجزيرة جاوه. فهو يقدّمهم قائلاً: “والباليون عُراة الظهور والصدور لا يلبسون غير الأزر لاسيما النساء؛ فهنّ يأنفن من ستر أجسامهن حرصًا على التقاليد التي يبالغون في التعصب على إتباعها على الرغم من قربهم من جاوه. فهم ما زالوا على حالة القرون الوسطى، إذ لم تؤثر عليهم المدنية بشيء. ولأمر ما كانت الحكومة تنشـّط فيهم هذه الرجعية. ومن الفكاهة أن جاء إلىّ في حين طوافي في هذه البلدة فتىً حين رآني حاملاً آلة التصوير أسرّ إلى قائلاً: يمكنك أن تصور آنسة بدفع ريال جاوي فقط. فقلت له : هذا يمكنني من غير دفع ريال. فقال أعني أنّه تصورها عارية. فقلت له وهذا أيضًا في مقدوري. وما أكثر العاريات في هذه البلدة! فقال: لا. إنّما أعني أنْ تصوّرها عارية كيوم ولدتها أمها وتأخذ لها رسومات على هيئات مختلفة، كما هي عادة بعض السياح. قلت له: أنا لا آخذ إلا مثل هذه المناظر – وأريته بعض الرسوم الطبيعية. فقال وما الفائدة في هذه؟ قلت هذا عندي هو الجمال. فهزّ رأسه وقال : هذا عقلك”.
وأمضى الصحفي والمؤرخ محمد بن هاشم بن طاهر [من مواليد المسيلة] شطرا من سنوات شبابه في سنغافورة وجاوة، وشارك هناك في تحرير عددٍ من الصحف الحضرمية، وقد قدمنها له بشكل تفصيلي في دراسة طويلة نشرناها في أول عدد من مجلة جامعة عدن الإلكترونية سنة 2012 بعنوان (محمد بن هاشم رائد النهضة الثقافية في حضرموت).
لذلك يحق لنا أن نشاطر الناقد السعودي الدكتور محمد عبد الرحمن الربيع الرأي، وأن نتحدّث عن الأدب العربي في المهجر الشرقي، أو كما يسميه الربيع: أدب المهجر الشرقي. ومعظم هذا الأدب، وحسب اعتراف الربيع، يتكون من جملة ما كتبه باللغة العربية الحضارم الذين هاجروا إلى جنوب وشرق آسيا استقروا هناك فترة من الزمن، وليس أبناءهم أو أحفادهم. فهو يذكـّرنا في مقدمة كتابه (أدب المهجر الشرقي، سنة 1999، بما سبق أن كتبه في مقالة نشرها في مجلة (مرآة الجامعة بعنوان: أدب المهجر الشرقي، قال فيها: “إذا قيل الأدب المهجري انصرف الذهن إلى أدب المهاجر الأمريكية، إلى الأدب العربي الذي قاله المهاجرون العرب من المشرق عامة، ومن سوريا ولبنان بصفة خاصة، إلى الأمريكتين، فالذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية أطلق على أدبهم “أدب المهجر الشمالي”، والذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية أطلق على أدبهم “أدب المهجر الجنوبي”، ويمتاز هذا الأدب بخصائص تميزه عن غيره من حيث الأسلوب والعاطفة والأفكار. وأغلب الأدباء الذين هاجروا إلى الأمريكتين هم من العرب النصارى، ولذلك نجد التأثير المسيحي واضحًا في هذا الأدب، مهما قيل عن طوابعه الإنسانية وانتماءاته العربية. وكنت دائمًا أتساءل: هل اتجه كل المهاجرين العرب إلى الأمريكتين؟ ألم تتجه طائفة أخرى إلى مهاجر أخرى؟ لماذا يقتصر مصطلح (الأدب المهجري) على تلك الفئة وذلك المكان؟ وظل السؤال في ذهني، حتى قدر لي أن أذهب في مهمة رسمية إلى إندونيسيا، تلك الجمهورية الإسلامية الشرقية الكبرى التي تضم أضخم تجمع للمسلمين الذين يتعرضون لحملات التنصير، وهناك التقيت بطوائف من العلماء والمثقفين، واستعرى انتباهي وجود مجموعة من العرب في تلك المناطق، ولهؤلاء قصة يطول شرحها وتاريخ مجيد يحتاج إلى من يزيل عنه غبار السنين. أجداد هؤلاء هم الذين نشروا الإسلام في إندونيسيا، وفتحوها بأخلاقهم وعلمهم وحسن تعاملهم، حتى انتشر الإسلام هناك بالقدوة وحسن المعاملة. وأغلب هؤلاء قد هاجروا من جنوب الجزيرة العربية ومن إقليم حضرموت بصفة خاصة. وقد شاهدت ثلاثة أجيال من هؤلاء في اجتماع خاص وفي حفل تكريمي أقيم لنا، وجدت الجد الرجل الكبير يجيد العربية قراءة وكتابة بل وشعرًا، ووجدت الأب وقد اضطرب لسانه وضعفت عربيته لكنه يحاول ولا يكاد يبين، ووجدت الابن وقد فقد العربية فلا يكاد يعرف منها شيئًا، تلك مأساة هؤلاء العرب، وليس عن هذا أريد الحديث، لكني أردت أن أصل منه إلى عنوان الموضوع وهو (أدب المهجر الشرقي). فقد عرفت أن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين النازحين إلى “إندونيسيا وغيرها من بلاد الشرق” قد خلفوا تراثًا أدبيًّا عربيًّا إسلاميًّا، يتمثل في مجموعة من المؤلفات العربية ومن الصحف والدوريات العربية ومن الشعر العربي المنشور في المجلات أو المجموع في دواوين مخطوطة في الأغلب، أو منشورة في الأقل، وقرأت نزرًا يسيرًا من هذا الشعر وهذا التراث الأدبي، فوجدته يمتاز بعاطفة الحنين إلى الجزيرة العربية وبالعاطفة الدينية المتوقدة، فقلت عندها: لقد عثرت على جواب السؤال، وهو: هل هناك أدب مهجري عدا ما نعرفه من أدب المهجر الشمالي أو الجنوبي؟ فقلت نعم وألف نعم. هناك أدب المهجر الشرقي، أي الأدب العربي المهاجر إلى الشرق والشرق والأقصى، أدب هؤلاء العرب الذين نزحوا إلى اندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورا والهند”. ض8-10
وقد كرس الربيع الفصل الأول من كتابه الذي يقع في 156 صفحة بتقديم الصحافة العربية في إندونيسيا وسنغافورة. وعلى الرغم من أنه قد أكد أن غالبية أدباء المهجر الشرقي هم من الحضارم، فقد اختار الربيع أن يكرس الفصل الثالث والأخير من كتابه لأربعة فقط من (أعلام أدب المهجر الشرقي)؛ أولهم الكويتي عبد العزيز الرشيد (نجدي الأصل)، وآخرهم الكويتي محمود شوقي الأيوبي (كردي الأصل). وتناول بإيجاز كل من ابي بكر بن شهاب وصالح بن علي الحامد.
وفي الفصل الثاني من كتابه، الذي يحمل عنوان (الاتجاهات الموضوعية والفنية في ادب المهجر الشرقي)، تناول د. محمد الربيع بشيء من التفصيل بعض السمات الموضوعية والفنية لأدب المهجر الشرقي. وخلص إلى أن هذا الأدب قد ركز على موضوعات الغربة والحنين، والإصلاح الديني والاجتماعي، ووصف طبيعة المهجر، والصراع الطائفي.
وقبل نحو خمسة عشر سنة، قام الباحث علي أحمد بارجاء بتكريس الرسالة التي أعدها لنيل درجة الماجستير في الدراسات الأدبية من قسم اللغة العربية وآدابها في كلية التربية بجامعة حضرموت، والتي كنت عضوا في لجنة مناقشتها، لرصد بعض الخصائص الموضوعية والفنية لكتابات الأدباء الحضارم في المهجر الشرقي، وبشكل خاص في إندونيسيا.
أما الدكتور محمد أبوبكر باذيب فقد كرس أطروحة الدكتوراه التي أعدها في جامعة عليكرة الهندية لرصد (إسهامات علماء حضرموت في نشر الإسلام وعلومه في الهند)، وقد صدرت الرسالة عن دار الفتح، الأردن، 2014. وفي سنة 2013 نشرت مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض للدكتور محمد باذيب كتابا بعنوان (أضواء على حركة طباعة التراث الحضرمي في المهجر خلال ثلاثة قرون)، وهو تراث ونتاج أدبي غزير ومهم ولا يزال معظمه بحاجة إلى من ينفض عنه التراب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *