عدن فضاء روائيا

الرواية-اليمني2ة

أ.د. مسعود عمشوش

مقدمة:

في دراسة نشرتها في مجلة (الثقافة الجديدة) سنة 1990 بعنوان (بنية القرية وبناء الرواية، دراسة في تعثرات الرواية اليمنية)، كتبت: “منذ مطلع السبعينيات من هذا القرن [العشرين] شهد الإبداع الروائي في اليمن ازدهاراً كمياً ونوعيا ملحوظا، وذلك عندما شرع عدد من كتاب القصة القصيرة، كمحمد عبد الولي وحسين سالم باصديق وزيد مطيع دماج وأحمد مثنى، في الاهتمام بهذا النوع الأدبي الذي يمتلك قدرةً أكبر على استيعاب فترات زمنية أطول، وعلاقات اجتماعية أكثر سعة وتعقيداً، وكذلك لأنه الشكل التعبيري الأقدر على تصوير الصراعات والتحولات والتغيّرات الحاسمة التي شهدتها اليمن منذ ثلاثينيات هذا القرن. ومن المعلوم أيضاً أن الرواية تعد من أكثر الأنواع الأدبية ارتباطا بالواقع الاجتماعي. وقد ربط كثير من منظري الرواية ومؤرخيها، كجورج لوكاتش ويان وات، ظهورها بتطور المجتمع الإقطاعي ذي التركيبة المغلقة، وتحوله إلى مجتمع برجوازي مركب، وكذلك بنمو التجمعات السكنية الكبيرة في المدن. ومن الملاحظ أن الروايات اليمنية الأولى حاولت أن تصور، بشكل أو بآخر، المتغيرات الاقتصادية والسكانية والاجتماعية التي أفرزتها الحياة في المدينة قبل الاستقلال”.

وكانت عدن هي المدينة. ومن المعلوم أن مدينة عدن قد اكتسبت شهرة كبيرة منذ أقدم العصور. وفي منتصف القرن الماضي أصبحت إحدى أهم المدن في الشرق الأوسط. لهذا كان من الطبيعي أن يختارها كثير من الأدباء، اليمنيين وغير اليمنيين، فضاءً مكانياً لنصوصهم الروائية. فمنذ نهاية ثلاثينيات القرن العشرين برزت عدن بمختلف مناطقها وضواحيها في روايات كثيرة، منها: رواية (سعيد) لمحمد علي لقمان، و(يوميات مبرشت)، للطيب أرسلان و(السمار الثلاثة) لسعيد عولقي، و(الملكة المغدورة) و(أرض الخراب) و(ابنة سوسلوف) لحبيب سروري، و(نهايات قمحية) لمحمد جازم، و(نباح) للروائي السعودي عبده خال، و(خليج الفيل) للعراقي صبري هاشم، و(ستيمربوينت) لأحمد زين، و(بخور عدني) لعلي المقري، و(نور زين) لمنال الشريفي.

في هذه الدراسة سلطنا الضوء أولا على (عدن قبل الاستقلال بوصفها فضاءً للمتغيرات الاقتصادية والسكانية والاجتماعية)، وذلك من خلال تقديم موجز لروايات (سعيد) و(يوميات مبرشت) و(ستيمربوينت) و(بخور عدني). وتناولنا في الجزء الثاني من الدراسة طريقة توظيف (عدن فضاءً للعنف والصراعات السياسية والأيديولوجية والدموية) في روايات كل من سعيد عولقي وحبيب سروري وصالح باعامر. أما الجزء الأخير من الدراسة فقد كرسناه لدراسة (عدن فضاءً للممارسات الجنسية المحرمة) في (يوميات مبرشت) و(الملكة المغدورة) و(أرض الخراب) و(ابنة سوسلوف) و(نباح).

أولا- عدن قبل الاستقلال فضاءً للمتغيرات الاقتصادية والسكانية والاجتماعية:

في سنة 1939 نشر محمد علي لقمان أول رواية اختارت عدن فضاءً مكانيا لها. وعنوانها الكامل هو: (سعيد، رواية أدبية أخلاقية تاريخية وقعت أحداثها في عدن). ومن الواضح أن الهدف الرئيس الذي كان محمد علي لقمان يسعى إلى تحقيقه في هذه الرواية الرائدة يكمن في رفد القارئ بتقديم تاريخي وجغرافي لمستعمرة عدن في الثلث الأول من القرن العشرين، وتصوير المتغيرات الاقتصادية والسكانية والاجتماعية التي طرأت على المدينة خلال تلك الفترة، التي شهدت المدينة فيها ارتفاع عدد السكان الأوروبيين، لا سيما التجار، مثل انتونين بس، والذين هيمنوا على حركة التجارة وقطاع الخدمات بشكل عام، وكذلك طغيان النمط الاستهلاكي باهض التكاليف في الحياة اليومية التي باتت صعبة لمعظم السكان المحليين. وقد بلور المؤلف هدفه هذا في المقدمة التي وضعها لنص روايته بعنوان (عدن بين الأمس واليوم [1939])، والتي كتب فيها: “كانت عدن تعيش في يسر في أوائل هذا القرن [العشرين]؛ فقد كان أهلها العرب قابضين على زمام التجارة، يملكون عشرات الآلاف من حيوانات النقل والأبقار والماعز والضأن، يصرفون ما يكسبونه على راحتهم ورفاهيتهم ويدخرون أموالاً طائلة لأبنائهم. أما اليوم فقد تبدلت الحال وأصبح الناس في عدن في حالة هي أقرب إلى الفقر منها إلى الغنى لكثرة ما تستنفذه الكماليات من أموالهم التي تتسرب إلى الخارج ثمنا للسيارات والبنزين، وكهرباء وثلج وسينما وملاه وأثواب لا تعيش إلا أياما معدودات ثم تصبح موضة قديمة، ومشروبات روحية ومكيفات أخرى”. ص801

وبعكس ما يمكن أن نفهمه اليوم ينظر الراوي في (سعيد) إلى الهنود المستقرين في عدن بوصفهم جزءا من سكانها: (العدنيين)، وفي نظره الأجانب هم الغربيون فقط. ففي الصفحات الأولى من النص يكتب هذا الراوي: “وقعت حوادث هذه الرواية قبيل ثمانية وعشرين سنة، وكانت التجارة بأيدي العدنيين العرب الذين كان لهم القدح المعلّى واليد الطولى والغنى الوافر والنعيم المقيم. وكان يترأس أكثر الدوائر الرسمية أبناء العدنيين، كالسيد خان بهادر رستم علي، الحاكم في محكمة عدن، وخان بهادر علي جعفر رئيس المكتب السياسي، وخان بهادر علي إبراهيم لقمان مدير إدارة الأرباح السنوية، وخان صاحب السيد حمود بن حسن مدير المعارف، وعبد الحبيب رئيس الجمرك، وخان بهادر عبد القوي مكاوي رئيس إدارة البلدية، والحاج عبد الله خليفة مدير الشؤون الصحية، وخان صاحب يوسف خان رئيس البورت ترست. وكان أعاظم التجار العرب والهنود، والبلاد عامرة بأهلها، غنية فخورة ببنيها وأدبائها. لكن العدنيين لم يفكروا في العواقب فاهملوا تعليم أبنائهم وظنوا انهم أخذوا على الدهر عهدا فلم يبعثوا بأولادهم إلى الخارج للتخصص في شتى الفنون والعلوم ففقدوا أكثر الوظائف وسيفقدون ما يقي منها في أمد قصير”. ص812

ويوظف الراوي حدثا مهما شهدته عدن ليقدم للمتلقي مجموعة من المعلومات التاريخية والجغرافية والسياحية حول المدينة، ويبدأ في سرده قائلا: “أقيم في عدن مهرجان عظيم سنة 1911، احتفالا بتتويج جلالة جورج الخامس ملك إنجلترا وإمبراطور الهند، وقد أقلته الباخرة (مدينة) إلى عدن، ورافقت الرحلة الملكية عدة بوارج حربية، وذهب من عدن إلى التواهي للحظوة بمقابلته أغنياء عدن وساداتها ومناصبها، وحضر هذا الاجتماع رجال المحميات المشهورون في ذلك الزمان كالسلطان السر أحمد فضل محسن العبدلي سلطان لحج والأمير شائف أمير الضالع والشيخ علي محسن عسكر نقيب يافع وآل فضل والعقارب.. وكان لأمراء المحميات احترام وشرف في تلك الحفلة التاريخية التي لم تشهد مثلها عدن”. وفي الاحتفال “قام الناس على الأقدام، وخطب الوالي جيمس بِل مرحبا بالضيفين العظيمين تحت تمثال الملكة فكتوريا الذي أقيم في تلك السنة بمناسبة زيارة حفيدها لعدن، ولأن عدن اول مستعمرة ملكت في حكم الملكة المشار إليها. ثم قام الملك ووعد أهالي عدن خيراً، ومن جملة ما قاله إنه سيرفع مستوى المعارف في عدن، وسوف يحتفظ بساحات التواهي المقابلة للهلال للرياضة، وهناك اليوم ثلاثة بساتين للتنزه. ثم تفرقعت الجموع، وركب الناس إلى عدن مرافقين الملك لزيارة الخزانات الأثرية، وهناك أخذ الوالي يشرح لجلالته تاريخ هذه الأسداد، فقال: إن تاريخ عدن يا صاحب الجلالة قديم جدا ولا يعرف المؤرخون باني هذه الأسداد العجيبة؛ لكن بعضهم يظن أنها من آثار الحميريين، وغيرهم ينسب بناءها إلى الفرس، أما خزان الفارسي فهو من بناء عامر عبد الوهاب اليمني، وقد اكتشف هذه الأسداد القبطن بليفر سنة 1856، وعلى جبال عدن أسداد عديده مما يدل على غزارة الأمطار في القرون المنصرمة، أو بالأحرى حاجة الناس للماء وخزنه زمنا طويلا. ثم عاد الملك للتواهي بطريق كنيسة الكاثوليك التي ساعد على عمارتها اللورد بالمرستون سنة 1840، أي في السنة الثانية بعد الاحتلال. وكانت عدن لبست في يوم زيارة الملك حلة قشيبة وتزينت ورفعة الأعلام ورفعت أقواس النصر في أكبر الطرقات. وقد شاهد الملك قبر هابيل على سلسلة جبال المنصوري المعروفة بجبل حديد، وقد وضع المبشرون صليبا على قبره كأنه خلق مسيحيا قبل المسيح. ورأى النفق ومر بالعقبة إلى المعلا ومنها إلى التواهي”. ص820-822

ومن الروايات الرائدة التي وظفت عدن فضاءً روائيا لأحداثها: (يوميات مبرشت)، التي أصدرها الطيب أرسلان سنة 1948، وتمت طباعتها في مطبعة صحيفة (فتاة الجزيرة) التي أنشأها الرائد محمد علي لقمان في عدن سنة 1940. وقام اتحاد الأدباء بإعادة طباعتها في العدد رقم (1) من سلسلة (الذاكرة)، وذلك ضمن فعاليات الاحتفاء بصنعاء عاصمة للثقافة العربية سنة 2004.

وتدور أحداث هذه الرواية في مختلف أجزاء مدينة عدن: كريتر والمعلا والشيخ عثمان ودار سعد والبريقة. وبعكس رواية (سعيد) تصور (يوميات مبرشت) ما يمكن أن نسميه مجتمع القاع في عدن؛ فهناك الحمالين والسماسرة المريبين والبغى. ومع ذلك، مثل رواية (سعيد) تهدف (يوميات مبرشت) إلى تجسيد الظاهرة التي تحدث عنها محمد علي لقمان في مقدمة روايته، والتي كانت تحظى باهتمام جميع السكان العرب في عدن في النصف الأول من القرن العشرين: أي عدم حصول أبناء عدن على حقهم من الوظائف والدخل مقارنة بالأجانب الكثيرين المستقرين في عدن، والتي جعلت سكان عدن يعانون كثيرا، لاسيما خلال سنوات الحرب العالمية الثانية 1939-1945. ففي اليومية الأولى المؤرخة في الأول من يناير يتذمر صاحب اليوميات، وهو أحد أبناء عدن الذين ينتمون إلى فئة الموظفين المتواضعين وذوي الدخل المحدود قائلا: “أصبحت العيشة لا تطاق في عدن بسبب ارتفاع الأسعار، إنها مشكلة من مشاكل الحرب فكيف الخلاص” ص44. وحينما تسأله زوجته: “لماذا لا يكون دخلك كبيرا مثلهم الست رجلا؟ يرد عليها -لأنّي وطني! والوطني دائما مغضوب عليه وغير محظوظ! فأن توظف عاش فقيرا منكودا غريبا في وطنه يتمنى لو كان أجنبيا فيعيش ناعما. لم يبق لنا شيء، فالوظائف العالية للأجانب والتجارة الواسعة كذلك خذي مثلا رئيسي؛ أتى من بلاده البعيدة لا يستر جسمه سوى بدلة مهلهلة ولا تعرف بطنه سوى الطعام البسيط فأصبح بين عشية وضحاها يلبس أحسن الثياب ويأكل أطيب الطعام وهو فوق هذا وذاك يشغل مركزا ممتازا ذا نفوذ واسع، وكل ما يملك من مؤهلات هو: شخصيته الأجنبية.. أما أنا!.. أنا ابن الوطن فلا شيء من هذا .. لماذا؟ لأنني native  أعز الله السامعين” ص45. ثم تصور الرواية بشكل ساخر بعض جوانب الحياة في مدينة عدن في تلك الفترة، من خلال سرد مغامرات ذلك الموظف الذي قرر ترك وظيفته ليستطيع تجاوز محنته وتحقيق الثراء السريع بواسطة (البرشتة) أي التهريب.

ولا يتردد المؤلف، الذي وظف قالب اليوميات في نصه، في استخدام عدد كبير من المفردات والمصطلحات التراكيب الخاصة باللغة اليومية الخاصة بمدينة عدن، والتي لن يفهمها في الغالب إلا من له علاقة بعدن وما حولها، مثل: البخّار والمبرز والهوري والساعية والبخور المعسل وبندة البز وتنك سيجارة أبو مقص وبندة صابون أبو بس وبندة المحمودي، وغمس المسواك… وكذلك كلمة (مبرشت) التي أخذت مكانها في عتبة العنوان.

ومثل روايتَيْ (سعيد) و(يوميات مبرشت) تسعى رواية (ستيمر بوينت) إلى تصوير بعض ظواهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مدينة عدن خلال الحقبة الاستعمارية، وتحديدا من مطلع القرن العشرين وحتى يوم 28 نوفمبر 1967، أي عشية انتهاء تلك الحقبة الاستعمارية، الذي كان من نتائجه ليس رحيل البريطانيين والأوروبيين واليهود فقط، لكن كذلك مغادرة أعداد كبيرة من الفرس والهنود والعرب الذين استشعروا التغييرات الجذرية التي ستعصف بمختلف جوانب الحياة في عدن.

ومن الواضح أن مؤلف الرواية، الذي ولد سنة 1968 في إحدى ضواحي الحديدة ويقيم في الرياض، قد ربط بوجود الاستعمار البريطاني كثيرا من الظواهر التي كانت في الحقيقة سائدة في ميناء عدن منذ أقدم العصور، مثل النشاط التجاري والتسامح وتعدد الأعراق والأديان. لهذا جاءت الرواية التي صدرت سنة 2015 عن دار التنوير اللبنانية لتعبر عن الحنين لذلك الماضي الكولونيالي لمدينة عدن، بل يمكننا القول إنها تعارض ما جاء في روايتي (سعيد) و(يوميات مبرشت) من رفض للأجانب الأوروبيين في عدن، وتجسد بصورةٍ ما مقولة الإمام علي بن أبي طالب (رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ مِنْهُ فلمّا صرت في غيره بكيت عليه). ويبرز ذلك الحنين في هذه الرواية العربية من عتبة العنوان، التي جعلها المؤلف الاسم الإنجليزي لمنطقة التواهي (ستيمربوينتSteamer Point ).

وفي(ستيمربوينت) ينهض بالسرد، الذي يتركز في يوم الثامن والعشرين من نوفمبر 1967، الشاب سمير الذي قدم من مدينة الحديدة ويعمل في خدمة عجوز فرنسي يتربع عرش التجارة في عدن ويذكرنا كثيرا بشخصية أنتونين بس. ويسترجع عددا كبيرا من الأحداث والمحطات المهمة في حياته وحياة سيده الفرنسي، ويؤكد أن العجوز الفرنسي الذي بات متأكدا من سقوط عرشه أصبح ضحية الهلوسة ويتكلم مع نفسه، وأن ما يحدث يدفعه إلى التخبط والتساؤل: “ما الذي يجري؟ أي شيء فضيع تقترفه عدن في حقي؟” ويضيف أن يحاول العجوز تجاهل التغطية الإخبارية، “لكنه لم يستطع الابتعاد كثيرا، ورفع العدد الجديد من (ايدن كرونيكل) الصادرة بتاريخ 28 نوفمير1967. كأنما ينقص الخبر تفاصيل أكثر، وراح يطالع ثانية الصفحة الأولى، وللمرة الثانية يرى صورتيهما بين صور كثيرة. آخر يوم طويل، ساعاته تمضي بطيئة إلى حد أنه يشعر بنفسه ينسحب سحبا ليسقط مشوشا في الإعياء”. ص6

ومثلما يحمّل سمير الثورة مسؤولية تزفيره هو والعجوز الفرنسي من عدن في نوفمبر 1967، يحملها أيضا موت أبيه ومغادرته من الحديدة إلى عدن، فهو يسترجع (ويذكّر نفسه) ماضيه؛ بدءا من يوم وصوله إلى عدن قائلا: “باكرا قطفت الثورة والدك، باكرا هجرت أنت الحديدة. في ذلك النهار من أواخر ديسمبر 1962، أي قبل أقل من خمس سنوات، ألتفت وراءك ولم ترَ قوارب الصيادين تخفق فوقها طيور بيضاء، ولم تصغ لنداءات الباعة الجائلين يتعقبون مسافرين مذعورين، لكنك شاهدت كتيبة مصرية جديدة تحط رحالها، وأبصرت أفرادها يمسحون العرق عن وجوههم.. في آخر النهار كانت قدماك تخطوان خطواتهما الأولى فوق شوارع عدن الفسيحة والمعبدة، تنيرها أضواء ساطعة. صدمتك عدن، لم تكن رحيمة عندما فاجأتك بكل ما فيها دفعة واحدة، أنت الذي جئت من مدينة لونها الغبار وملامحها ترابية. لم تكن قد رأيت مدنا حديثة سوى في الصور، ومع ذلك ظهرت عدن مدينة لا مثيل لها أبدا. بدت لي من أول وهلة قطعة من الجنة. وهمست لنفسي “أنا عدني”، إذ خالجني يقين حينها أنني لا أريد الانتماء سوى لهذه المدينة”. ص 14-15

ويمكن أن نشير في نهاية هذا الجزء من الدراسة إلى أن علي المقري قد نجح -في روايته (بخور عدني)- في تجسيد الظاهرة الكوسموبوليتية والتنوع والثقافي اللذين اتسمت بهما عدن في القرن الماضي وحتى سنة 1967. وحشد في روايته تلك العديد من الشخصيات التي أتت من أوروبا والصومال والهند وفارس، إضافة إلى اليهود الذين خصص لهم، وتحديدا لشمعة المغنية اليهودية (الحالية)، النصيب الأكبر من هذه الرواية التي تكاد – من هذا المنطلق – تكون تكملةً لرواية (اليهودي الحالي).

ثانيا- عدن فضاءً للعنف والصراعات السياسية والأيديولوجية والدموية:

بسبب استمرار الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية الدامية التي لا تزال عدن مسرحا لها منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، أصبحت عدن مرادفا للعنف والصراع الدائم في أذهان كثير من القراء العرب. وإذا كان الأدباء لم يتجرؤوا على نقد مرتكبي تلك الممارسات بشكل مكشوف إبان هيمنة اليسار في عدن، فبعد عام 1990 ظهرت عدد من الروايات، في عدن وخارجها، واختارت عدن فضاءً لأحداثها وذلك بهدف فضح تلك الممارسات العنيفة. وسنركز هنا على تقديم موجز جدا لروايات (السمار الثلاثة) و(المكلا) و(الملكة المغدورة). (انظر أيضا دراستنا: العنف في الرواية اليمنية، 2006).

في (السمار الثلاثة) التي صدرت سنة 1993، والتي تدور أحداثها في ثمانينيات القرن الماضي، اختار سعيد عولقي السور القصير لـ(النادي الثقافي) الذي يطل على شارع الملكة أروى في كريتر عدن، فضاءً للأحاديث التي يتبادلها السمار مساء كل يوم. وبما أن هؤلاء السمار، الصحفي أحمد القاضي الذي ولد في الحجرية، والموسيقي أنور خان من مواليد (حافة حسين)، والكاتب المسرحي مهدي عوض باسنبل الذي جاء طفلا من الشحر، يتحدثون عن أحداث عنيفة وقعت خارج سور النادي وفي مختلف أحياء عدن، وشاركوا هم فيها، فأن فضاء الرواية يتمدد تلقائيا ليشمل مدينة عدن كلها. فمثلما تعكس المدينة ما يدور داخل النادي يجسد النادي المدينة ويختزلها ويكثفها.

ويتركز حديث السمار أولا حول جريمة قتل قام بها القاتل (الرسمي) عمر عبد السلام قبل عشر سنين، وكان الضحية صديقهم الأعزل بدر الهاشمي. وسرعان ما أكدت الجهات الرسمية أن العدالة أخذت مجراها وأطلقت سراح القاتل. عندئذ يقتنع مهدي باسنبل أن العدالة قد تعطلت في هذه المدينة، ويلاحظ أن اللافتة التي كانت معلقة على جدار مكتب أخيه، وتحمل عبارة (عندما يتعطل القانون يبدأ الطغيان) قد سقطت.

وفجأة يتعرض السمار الثلاثة أنفسهم لنوع من القمع الكافكاوي حينما تلقي الشرطة القبض عليهم بتهمةٍ لا يعرفون عنها شيئا تماما مثل الضابط الذي قام بمهمة القبض. وأثناء التحقيق يكتشفون أنهم مطلوبون للشهادة في جريمة قتل جديدة ضحيتها شكري المرشدي ونفذها عمر عبد السلام قاتل زميلهم في النادي بدر الهاشمي. وعليهم تبرئة المتهم القاتل. ويتحدث الراوي عن تفرق رواد النادي؛ فمنهم من أعدِم أو قُتِل في حادث مروري، ومنهم من سُجِن، ومنهم من سافر، ومنهم من أصبح رئيساً لمؤسسة حكومية أو سفيرا.

وترسيخا للاعتقاد (أو الحكم المسبق) بأن عدن هي فضاءً مسكونا بالعنف سعى بعض الروائيين إلى نقل أحداث رواياتهم حتى دون مبرر إليها .هذا ما نلاحظه مثلا في رواية صالح باعامر (المكلا) التي يركز فيها الراوي البطل على أشكال العنف التي تعرض لها خلال أهم محطات الصراع العنيف الذي شهده الجنوب منذ عام 1969. في بداية الرواية، يقوم رجال أمن غامضون باختطاف الراوي البطل، وهو أحد المثقفين المبدعين الذين، بعد أن كان ينادون بأدب واضح وملتزم، اضطروا إلى “الابتعاد عن الوضوح واللجوء إلى الغموض”. وقبل أن يقرر المختطفون التخلص من الراوي أو “لحسه” يحققون معه ويسألونه عما إذا كان قد ذهب إلى البوسنة والشيشان وكشمير أو إلى أفغانستان. وفي أثناء عملية “الاعتقال/ الاختطاف” يستعيد الراوي/ البطل فصول ذلك الشريط السينمائي من مسلسل الصراع بين رفاق الأمس أعداء اليوم، الذي بدأ بالاختلاف حول مصير الثورة والاشتراكية: يمين، يسار، يسار انتهازي، يمين رجعي، انحراف، زمرة، طغمة..” وخلال تلك الاستعادة يركز الراوي على أشكال العنف الذي تعرضت لها البلاد وهو شخصياً، في أعوام 1969و 1978. ففي سنة 1978م أودع البطل في سجن المنورة مدة ثلاثة شهور بتهمة التآمر على النظام، أي بدون سبب وفي 13 يناير من عام 1986م كان الراوي/ البطل في عدن حيث “رائحة الدم تزكم الأنوف، وأشلاء الجثث متناثرة هنا وهناك. شارع المعلا صار مظلماً، أنابيب الماء غدت جافة، المطاعم أقفلت. أكاد أموت جوعاً وعطشاً..” (ص23). وبالإضافة إلى هذا العنف “العام” هناك أنواع أخرى من العنف (الكافكاوي) يتعرض لها الراوي/البطل على مستوى حياته الشخصية: فتيار الكهرباء قطع عن سكنه، وكذلك الماء. وبما أنه لا يدري لماذا قبض عليه هذه المرة يتساءل: “لقد كثرت الاختفاءات والاختطافات هذه الأيام. فهل هذه الأخبار حقيقة أم بقصد الإثارة الصحفية ليزداد توزيع الصحف وبيعها؟ أم أنها تدخل ضمن منظومة المزايدات الحزبية التي اتخذت مساراً مختلفاً بعد الوحدة ودمج نظامين سياسيين مختلفين؟ هل أنا أحد المختفين أو المخطوفين؟ ولم لم تنشر عني أي صحيفة من هذه الصحف؟ السؤال هل أنا موقوف أم مخطوف أم معتقل أم سجين؟” (ص30-31).

وكذلك فعل حبيب عبدالرب سروري في روايته (الملكة المغدورة). فعلى الرغم من أن راوي/ بطل رواية (الملكة المغدورة) لحبيب عبدالرب سروري كان سنة 1986 يقيم في فرنسا، فهذا لم يمنعه من ليّ رقبة السرد ليصور مطاردة القتلة لصديقه عدنان داخل أروقة مستشفى الجمهورية في عدن، وليؤرخ لحرب أخرى من أعنف الحروب الأهلية وِأشرسها في تاريخ عدن الحديث التي سقط فيها الآلاف من الناس من بينهم عدنان، قائلاً: “ماذا حدث من غرابة في صباح 13 يناير؟ لا شيء غير عادي. (…) ربما لا شيء غير عادي، إذا نسينا أن تناسخ المؤامرات والكذبات الكبيرة والضربات المقيتة في الحياة السياسية اليمنية سوف تلد كما فعلت دائما. وستتجه دورات العنف الخسيس حتماً نحو الهاوية، نحو واحد من انفجاراتها الهائلة القاتلة: اصطفت السلطة والجيش والسكان في عشيرتين كبيرتين، وأعلن كل منهما ولاءه لأكثر الشعارات صوابا وتقدمية، و “أممية بروليتارية”، كانت الأقنعة التي ألصقت طويلاً بالوجوه قد فصلت لتناسب الوجوه ويظنها الجميع مخلصة. رأت كل عشيرة في الآخر شراً مطلقاً، وعدواً ينبغي ذبحه؛ معارك قديمة: قبلية عشائرية مزينة اليوم بعطورات الصراع الطبقي، وفقا لتحليل (عدنان السبعينات). الساعة العاشرة صباحاً ضربت إحدى العشيرتين ضربتها.. انفجرت أفظع الحروب في تاريخ اليمن شاملة، عنيفة، وصاعقة كسبتها العشيرة التي كانت مذبحة المماليك قد أعدت لذبحها، وانتصرت الضحية فانهمكت في القراءة المفصلة لجميع بطاقات هوية المارة لإفناء العشيرة التي بدت الحرب بالقدر نفسه من الخسة والشؤم”. ص109-110

ثالثا- عدن فضاء للممارسات الجنسية المحرمة:

يذكر بول نيزان في كتابه (عدن العربية 1929) أن الجنود والموظفين البريطانيين المقيمين في عدن كانوا يذهبون إلى القرن الإفريقي ليمارسوا الجنس، وذلك لعدم تمكنهم من فعل ذلك في عدن. وفي رواية (يوميات مبرشت) التي صدرت سنة 1948، يذكر البطل أنه عندما أصبح ثريا لمدة شهر –بفضل التهريب- ذهب إلى راس عمران للبحث عن بائعة هوى. ونستنتج من ذلك أن ممارسة الجنس المحرم لم تكن أكثر انتشارا في عدن – التي ترمز في أحد أبعادها للجنوب بشكل عام- منه في أي مدينة يمنية أو عربية أخرى، حتى لو أخذنا في الاعتبار قيام السلطة البريطانية بمراقبة بعض أماكن الدعارة التي ظهرت في الشيخ عثمان في ستينيات القرن الماضي. وقد أشار صالح باعامر في روايته (المكلا) أن بعض البحارة حينما تتوقف سفنهم في ميناء عدن يرتادون أماكن للدعارة في ضواحي الشيخ عثمان. وفي رواية (الملكة المغدورة) يذكر الراوي/البطل أنه كان يمارس الجنس مع صديقاته في منطقة الأكواد الملاصقة للشيخ عثمان. أما في رواية (ابنة سوسلوف)، التي نشرها حبيب سروري سنة 2015، فقد أسهب الراوي في وصف بيوت الدعارة التي انتشرت حول الشيخ عثمان وقامت الحكومة اليسارية بإغلاقها سنة 1975.

ومع ذلك، مثلما أصبحت عدن مرادفا للعنف والصراعات الدامية، أصبحت أيضا مرادفا لحرية ممارسة الجنس المحرم. ففي مقالة نُشرت في صحيفة (الأخبار) اليمنية بتاريخ 4 مارس 2015، بعنوان (علي المقري يحنّ إلى بخور عدن)، كتب جمال جبران: “يمكن وضع رواية (بخور عدني، دار الساقي ـ 2014) ضمن لعبة الإغواء نفسها التي يمارسها انطلاقاً من العنوان وليس انتهاءً بالانتقال المكاني الذي يفعله للمرة الأولى موجهاً سرده من جهة الشمال اليمني التقليدي إلى جنوبه المحمّل في الذاكرة الجمعية باليسار المفتوح على حريته وحداثته. يأتي (البخور) وشذاه ملاصقاً لصورة المرأة في سهرات مفتوحة على صباحات لا تنتهي ولا تقيّدها روابط. إلى وقت قريب من إتمام الوحدة السياسية بين الجنوب والشمال اليمنيين، كانت الصورة التي عمّمتها قيادات دينية متطرفة شمالية لدى الوعي الشعبي العام بأنّ الأنثى الجنوبية (الشيوعية) حرة في إقامة علاقات جنسية بلا رابط اجتماعي وفي حماية القانون لها. لكن ليس هذا الطريق وجهة (بخور عدنيّ) بل على العكس تماماً. تسير الرواية نحو تفكيك فكرة الوطن من أساسها بحيث لم يعد مسعى البحث عن وطن في روايات المقري الثلاث الأولى هدفاً قائماً، إنما الذهاب نحو البديل من الوطن نفسه”.

وفي (طائر الخراب) يرصد حبيب سروري بعض المتغيرات الذي طرأت على عدن بعد عام 1990، وأهمها انتشار بعض العادات الأخلاقية السيئة؛ فهو في هذه الرواية لا يتحدث عن الأكواد أو أكواخ السيسبان والقاهرة، بل عن انتشار اللواط والشذوذ الجنسي في شواطئ المدينة. ويتحدث الرواي أن عدن باتت فضاء للاغتصاب من مختلف الأنواع: اغتصاب المحارم، اغتصاب الأطفال، والاغتصاب االسياحي الذي نكتشفه في رواية (نباح) التي نشرها سنة 2010 الروائي السعودي عبده خال. وفيها يسرد الراوي احتلال صدام للكويت وتهديده السعودية، وعودة اليمنيين إلى بلدهم هرباً من الجحيم القادم، ويفرّ معهم موسى الفيل اليهودى، مصطحباً عائلته وابنته وفاء. وتتوالى الأحداث حين يتلقّى الراوى، بوصفه صحفيًا، دعوة من الحكومة اليمنية لحضور مؤتمر الديمقراطيات الناشئة، فيستغلّ المناسبة للبحث عن حبيبته وفاء، وفى صنعاء يدرك أنه مضطر مرة أخرى للاستعانة بغلام الملقّب بـ”الجحش”، حارس لقاءاته الليلية مع وفاء فى جدة، للعثور عليها، فيسافر إلى عدن للقائه. وهناك يصف ملاهي عدن وماخوراتها المكشوفة مقارنة بصنعاء التي تتستر نوعا ما على بيع الهوى.

في الحقيقة عبده خال لم يقض في عدن إلا أيام معدودة، وحينما جعلها فضاء مكانيا مهما في روايته) نباح)، قام بتوظيف وترسيخ بعض المقولات والأحكام المسبقة حول المدينة الإنجليزية التي لم يستطع السوفييت محو نكهتها الكولونيالية، وكذلك جعلها ماخورا سياحيا مكشوفا لمرتاديه فقط.*

*انظر أيضا: هشام علي (الإيحاء بالمكان وهم الفضاء)، في مجلة الثقافة الجديدة يوليو 1992. ود. عبد الحكيم محمد صالح باقيس (عدن مدينة التحولات في الخطاب الروائي)، في كتابه (ثمانون عاما من الرواية في اليمن)، مطبعة جامعة عدن 2013.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *