أدب الرسائل في التراث العربي

aaahadad

أ.د. مسعود عمشوش

من النصوص النثرية التي لم تلق حتى اليوم اهتماما مناسبا في بلادنا: الرسائل أو المكاتبات، وذلك على الرغم من احتوى مكتباتنا على عدد كبير منها؛ مطبوعاً أو مخطوطاً. وبعد أن قمت خلال السنتين الماضيتين بتسليط قليل من الضوء على نصوص السيرة الذاتية والرحلات في بلادنا، رأيت أن أتوقف عند بعض نصوص الرسائل التي حررها بعض الكتاب المحليين في القرون الثلاثة الماضية. لكن، قبل أن أشرع في تقديم تلك النصوص أودُّ أن أقدم بعض الملاحظات العامة حول فن الرسائل أو الترسل أو المكاتبات في التراث العربي بشكل عام. فمن المعلوم أن الأدب العربي قد عرف هذا اللون من النصوص منذ القدم. وهناك من يرى أن أصوله ترجع إلى العصر الجاهلي. وقد تمّ توثيق عددٍ لا بأس به من الرسائل التي بعثها النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الدول ليدعوهم إلى دخول الإسلام، كما فعل مع كسرى الفرس وقيصر الروم، أو إلى زعماء المناطق ورؤساء القبائل ليبيّن لهم أحكام الإسلام. وقد تميّزت جميع رسائله (ص) بالإيجاز والبلاغة؛ نلمس ذلك مثلاً في الرسالة التي بعثها إلى وائل بن حجر الحضرمي، والتي قال فيها: “من محمد بن عبد الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضر موت، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، في التيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، ولا وراط، ولا شناق ولا شغار، فمن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام”.

ويذكر الدكتور شوقي ضيف أن الخلفاء الراشدين قد اهتدوا بهدي النبي (ص) في مكاتباتهم إلى ولاتهم وقادتهم، فتجنبوا التصنّع والتنميق اللذين أصبحا سمةً ملازمة للرسائل العربية منذ العصر الأموي وحتى مطلع القرن العشرين. (الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص98) ومن المعلوم أن كتابة الرسائل قد شهدت تطورا كبيرا منذ مطلع القرن الهجري الثاني، أولا في عهد هشام بن عبد الملك عندما تولى مولاه سالم رئاسة ديوان الرسائل في عهده، ثم في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، الذي تولى أمر ديوانه عبد الحميد الكاتب. واهتم الخلفاء العباسيون أكثر من سابقيهم بكتابة الرسائل ودواوينها، واشترطوا في وزرائهم إتقانها.

ومن ناحية ثانية، شرع عدد من النقاد في وضع المصنفات الخاصة بتعليم طرق كتابة الرسائل، وقاموا بتصنيفها ونقدها. وفي القرن الثامن الهجري ألّف شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي، صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، دليلا مرشدا لكتابة الرسائل الرسمية أسماه: (حسن التوسل إلى صناعة الترسل). وفي مطلع القرن التاسع للهجرة انتهى أبو العباس القلقشندي، الذي كان يتولى منصب ديوان الإنشاء في عهد السلطان الظاهر برقوق، من وضع موسوعته الضخمة (صبح الأعشى في صناعة الإنشاء)، وضمنها تصنيفا جيّدا لمختلف أنواع الرسائل في التراث العربي.

ومنذ منتصف القرن الماضي اهتم عددٌ من الباحثين، عربا ومستشرقين، بتحقيق بعض نصوص الرسائل في الأدب العربي القديم ونشرها ودراستها؛ فقام شارل بلا بتحقيق (رسالة التربيع والتدوير) للجاحظ، وقام شوقي ضيف بتقديم رسائل الصاحب بن عباد، وحققت بنت الشاطئ بعض رسائل أبي العلا المعري. كما كـُرست عدد من الأطروحات الأكاديمية لدراسة الرسائل في الأدب العربي، وبشكل خاص في الجامعات المغاربية، وقد تم التركيز على الرسائل الأندلسية، ففي عام 1986 نشر فايز عبد النبي القيسي بحثه عن (أدب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري). وقبل بضع سنوات أنجز سلطان عبد الرؤوف الحريري أطروحة دكتوراه حول (أدب الرسائل في العصر الأيوبي: القاضي الفاضل نموذجا، كلية الآداب جامعة دمشق). وقد أكد الحريري في أطروحته أن معظم دارسي أدب الرسائل ركزوا على الجوانب الأسلوبية والفنية التي تشترك فيها الرسائل مع الأجناس النثرية العربية الأخرى، مثل استخدام السجع والازدواج والتناص مع القرآن والحديث النبوي، وأهملوا بالمقابل خصائصها المعيارية المميزة. (ص35)

وقام الحريري، مثل معظم الدارسين، باعتماد تقسيم الرسائل في التراث العربي القديم إلى أربعة أنواع هي: 1-الرسائل الديوانية وهي الرسائل ذات الطابع الرسمي والسياسي، التي يصدرها الخلفاء والسلاطين والقادة. 2-الرسائل الإخوانية وتضم مختلف الرسائل الاجتماعية ذات الطابع الشخصي.3-الرسائل الدينية ومنها الوعظية والتربوية. 4-الرسائل الأدبية والإنشائية.

وبسبب ما يمكن أن يترتب عليه تحديد صنف خاص بالرسائل الأدبية من نفي للأبعاد الفنية في الأصناف الثلاثة الأخرى، سارع سلطان الحريري إلى نقد هذا التصنيف قائلا: “ونستخلص من هذا التصنيف أن أغلب الدراسات لم تتدرج في اتجاه تحديد مصطلح دقيق، وأفرط النقاد في استعمال التسميات، ولم يعملوا على تدقيقها في نطاق واضح المعالم. ونلاحظ أن في استعمال مصطلح (الرسائل الأدبية) بإزاء مصطلحي الرسائل الديوانية والإخوانية نفيا ضمنيا لعنصر الأدبية في النمطين الآخرين. وإذا ما راعينا مقاييس تصنيف النقاد والسياق التاريخي الذي أنشئت فيه تلك الرسائل، فأن هذه التسميات أهملت المجال الأدبي الذي تشترك فيه جميع الأصناف على مختلف أغراضها. وقد لاحظ عدد من النقاد هذا التناقض بين التقسيم الذي اعتمدوه وواقع النصوص، فسعوا إلى إبراز عناصر الاشتراك بين الأنواع؛ فأنيس المقدسي يقول في معرض التمييز بين الرسائل الديوانية والرسائل الأدبية: إن “الرسالة الأدبية تختلف عن الرسالة الديوانية في الأغراض، وأما الأسلوب النثري فهو متماثل في الصنفين”. ص37

وتُعد الكاتبة والناقدة العمانية عزيزة الطائي من النقاد العرب المحدثين القلائل الذين أكدوا على ضرورة الاهتمام بأدبية الرسائل، إذ كتبت: “فن الرّسائل من أبرز الفنون النثرية القديمة، عرف في أدبنا العربي بأسماء عديدة مثل: الرسائل الديوانية، والرسائل الإخوانية، والرسائل القصصية، والرسائل الأدبية، وغيرها من المسميات الأخرى. وإذا كان النّقاد العرب القدامى قد أجمعوا بطرق مختلفة على أدبية النص التراسلي وكتبوا حولها، فإنّ النّقاد المحدثين قد بدوا غامضين متذبذبين في هذا النّوع. فهم وإن أقر بعضهم بأدبية الرّسائل، إلّا إنّهم في الغالب الأعم يكتفون بهذا التقرير من دون تحديد لمظاهر هذه الأدبية، إلّا ما يمكن استنتاجه من أنّ الرسائل تحقق لقارئها المتعة والفائدة في آن معا… ومن الأهمية أن نذكر أننا لا نجد دراسات جادة عن الأدب التراسلي في أدبنا العربي الحديث، تشبه تلك الدراسات التي كتبها بعض الدارسين المحدثين عن الرسائل في أدبنا القديم. وربما إشكالية النشر من عدمه من أبرز الإشكاليات التي حالت دون ذلك. فأغلب النصوص التراسلية المعترف بأدبيتها هي نصوص كتبت لتنشر بوصفها أدب رسائل (الأحزان) للرافعي، و(زهرة العمر) لتوفيق الحكيم، وغيرها من الرسائل التي هي في الغالب الأعم رسائل مختلقة أو دخلها قدر كبير من الاختلاق، وبالتالي فأدبيتها مستمدة بالدرجة الأولى من هذا المنظور الاختلاقي أكثر من منظور كونها رسائل حقيقية بين شخصين حقيقيين”.

وإضافة إلى (زهرة العمر) لتوفيق الحكيم ورسائل الرافعي، تسللت إلى رفوف مكتباتنا كثير من الكتب التي تحتوي على رسائل شخصية (أو إخوانية) كتبها بعض الأدباء العرب في العصر الحديث، مثل (رسائل جبران مع مي زيادة)، و(رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان) التي لا تختلف كثيرا عن (رسائل جولييت دراوت إلى فيكتور هوجو).

وعلينا كذلك أن نسارع ونشير إلى أن هناك نوعاً من الرسائل الأدبية القديمة يدخل في الحقيقة في باب التأليف وليس في باب المراسلات أو التواصل الشخصي. وفي اعتقادنا أن اعتبار تقديم بعض الأدباء لمؤلفاتهم الطويلة بوصفها رسائل مجردُ وسيلة لتبرير كتابتها ونشرها في زمن يمكن ألا يقبل ببساطة مضمون تلك الكتب/الرسائل، مثل (رسالة الزوابع والتوابع) لابن شهيد، و(رسالة الغفران) لأبي العلا المعري، و(رسالة التربيع والتدوير) للجاحظ، ورسائل ابن زيدون الهزلية، أو حتى (الرسالة القشيرية) التي صنفها في التصوف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى سنة 465 هـ.

aaabintaher1

ونلاحظ كذلك أن عددا كبيرا من رجال الدين، لاسيما المتصوفين منهم، قد بادروا إلى نشر رسائلهم تحت مسمى (مكاتبات، مثل: (مكاتبات الإمام الحداد)، و(مكاتبات عبد الله وطاهر حسين بن طاهر)، و(مكاتبات الحبيب علي بن محمد بن حسين الحبشي). وهنا علينا أن نؤكد على مسألتين: الأولى تتعلق بالتسميات الأخرى التي أطلقها النقاد على الرسائل في التراث العربي؛ مثل التوقيعات والترسّل أو المكاتبات التي استخدمها كثير من النقاد القدامى عند دراستهم للرسائل وتصنيفها.

ومن المؤكد أن الاستخدام الاصطلاحي لكلمة (رسالة أو رسائل) لتسمية بعض المؤلفات في التراث العربي لا يخلو من بعض الإشكال؛ وسبق أن لاحظ سلطان الحريري أن “السياقات التي وردت فيها كلمة رسالة في التراث العربي متنوعة، ونجد كتابا ضخما يسمى رسائل، لكنه يضم أنواعا من النصوص المختلفة. وترد عبارة رسالة في عناوين الآثار وفي مظانها سواء أكانت مرسلة إلى قارئ بعينه أو إلى عامة القراء. ويثير استعمال كلمة رسالة مشكلات عدة تتصل بدلالة الاستعمال أو بحقيقة العلاقة بين التسمية ونوع النص الذي تطلق عليه، من حيث البنية والمضمون”. ص44

ولا شك أن مصطلح (مكاتبات) المشتق من كتب وكتاب (بمعنى رسالة مكتوبة)، قد لقي رواجا واسعا، ولا يزال يستخدم إلى يومنا هذا. وفي (صبح الأعشى) استخدمه القلشندي مرادفا لمصطلح الرسائل حينما قال عن ديوان الرسائل: و”كان هذا الديوان في الزمن المتقدم يعبر عنه بديوان الرسائل وربما قيل ديوان المكاتبات”. وتحدث القلقشندي كذلك عن المكاتبات الإخوانية. وسبق أن تحدث الجاحظ في كتابه (الحيوان، ص98) عن الفرق بين الرسالة التي يمكن أن تكون شفوية وبين كلمة (الكتاب) التي استخدمها النبي سليمان حين قال للهدهد: “اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم”، ويعلق: “وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها، من عفريت ومن بعض من عنده علم الكتاب، فرأى أن الكتاب أبهى وأنبل وأفخم من الرسالة على ظهر لسان”. أما سلطان الحريري فيرى أن “الكتاب يطلق على الرسالة الخاصة التي يكون المخاطب فيها فردا معلوما، مهما تكن منزلة المتراسلين الاجتماعية، وبذلك سميت رسائل الرسول والخلفاء والعمال كتبا، واستقر استعمال عبارة كتاب مرادفا للرسالة الخاصة قبل القرن الثالث للهجرة… وكلمتي رسالة وكتاب تترادفان في تأدية معنى التأليف الأدبي أو الفلسفي أو العلمي المتسم بالابتكار والخلق في مختلف مجالات الإبداع”. ص47

والمسألة الأخرى تتعلق بإجماع النقاد على أدبية الرسائل الدينية بشكل عام والوعظية منها بشكل خاص. فالدكتور حسين نصار يقرر في كتابه (أدب المراسلات في العصر الأموي، ص 640) أن “الرسائل الوعظية كانت منذ نشأتها أقرب من غيرها إلى النمط الفني، لأنها لا تريد الإفهام أو الإخبار فحسب، وإنما يُطلب إليها أن تؤثر في قارئها ولذلك يضطر الكاتب إلى اختيار ألفاظه وجمله وتعبيره”. ويرى سلطان الحريري أن “الوعظ عمل من الأعمال التواصلية الأدبية ويمثل مستوى من مستويات الخطاب الأدبي الذي آل إليه الخطاب الوعظي بعد نشأته في النثر الخطابي الشفوي”.ص39

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *