سرد الحب والمدينة في (النوافذ الصفراء)

nawafed

أ.د. مسعود عمشوش

سالم خميس بن سليم اليوم واحد من أبرز الأدباء الشباب في وادي حضرموت. وقد انتقل، بعد ممارسته لكتابة القصة القصيرة لفترةٍ من الزمن، إلى كتابة الرواية وذلك عندما نشرت له مؤسسة فكرة للنشر والإعلام بالقاهرة روايته الأولى (النوافذ الصفراء) في مطلع عام 2014، أي قبيل تخرجه من قسم اللغة الإنجليزية في كلية التربية بسيؤن في العام نفسه. وسنحاول في السطور الآتية تسليط الضوء قليلا على أهم سمات هذا النص الروائي الذي يقع في 161 صفحة.

سرديا، تمّ تقسيم (النوافذ الصفراء) إلى عدد من المشاهد التي لم يتم ترتيبها كرونولوجيا (أي وفق تسلسلها الزمني)، بل بشكل متداخل بطريقة منتجة الأفلام الأمريكية الحديثة. وفي بداية كل مشهد أو مقطع حرص المؤلف على كتابة: “بعد 2014” أو “قبل 1985”. وقد أكسبت هذه التقنية أو المنتجة، التي تختلف عن تقنية (الفلاش باك)، النص بعدا حداثيّا يميّزه عن معظم النصوص الروائية العربية.

من بداية النص (ص5)، ولمدة نصية محدودة تقدر بخمس صفحات فقط (من إجمالي 161 صفحة)، يتولّى السرد راوٍ خارجي غير مشارك في الأحداث يتكلم بضمير الأنا، ويتوجه بخطابه إلى متلق مخاطب: أنت. وقبل أن يفصح هذا الراوي بأنه سوف يحدث المخاطب عن المدن، يقول له: “أخمن أنك تشبهني، ليس تماما، فالأمر مستحيل، ولكن… أليست نظرتنا للمدن بهذه الطريقة من بعيد، وأنت تمر بها؟ فأنت لا ترى فيها سوى بنايات مرصوصة، وأشخاص غرباء لا تكن لهم أية مشاعر. قد تُعجبك بعض الأماكن فتغبط أهلها، وتتمنى لو كان أبوك أو جدك القديم قد سكن هنا، وليس هناك حيث تعيش الآن. وبعضها قد تنفر منها وترى الحياة فيها عبثية، وتسأل نفسك: كيف استطاع الناس العيش هنا والاستمرار”. ص5

وبعد أن يؤكد لنا هذا الراوي الخارجي أن “المدن هي حكايات من سكنوها”، ويقدم لنا بشكل موجز بعض مظاهر الحياة في شوارع مدينة (شبام الصفراء) سنة 2014، من خلال زاوية الرؤية الخاصة بامرأة أربعينية (فاطمة)، وتحديدا عبر نافذتها الخشبية، يقرر التنازل عن مهمة السرد نهائيا لتلك المرأة التي تشرع في سرد المدينة/المكان في فترتين تفصل بينهما ثلاثون سنة، وكذلك ذكريات العلاقة الغرامية التي ربطتها، قبل سنة 1985، حينما كانت في الرابعة عشرة من عمرها بربيع، الذي كان أصغر منها بعام، ويعيش الآن – بعد 2014- في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

ومثل الراوي الخارجي تتوجه فاطمة بالسرد إلى متلق محدد: حبيبها ربيع، الذي تبدأ حديثها إليه قائلة: “اااخ يا ربيع. كيف تتنكر لكل تلك السنوات؟ كيف تتنكر لهذه المدينة؟ كيف تتنكر لي أيضا؟ كيف تغنيك تلك المدن الزجاجية عن كل هذا الحنان؟”. ص10 ومن المؤكد أن توظيف صيغة الحديث المباشر بين راوٍ متكلم: (أنا)، ومتلقٍ مخاطب وحاضر: (أنت)، قد أكسب السرد بعدا شعريا زادت من جماله قصة الحب التي تتكي عليها الحبكة، وكذلك مقاطع الحوار مع الذات المشحون بشعرية عالية يكتسبها من ازياحه عن الاستخدام اليومي. مثلا نسمع فاطمة تقول: “كنت أتساءل وأريد جوابا مني”.

وبسبب اختلاف الانتماء الاجتماعي لكل من فاطمة وربيع يتبيّن لنا أن تلك العلاقة الغرامية لا يمكن أن تؤدي إلى الزواج في هذه المدينة، كما أن فاطمة ترى أن اقترابها من ربيع أو ارتباطها به يدخلان في خانة الخطأ والعيب، وتقول: “مما أتذكره أنني كنت أفكر فيما إذا كنت أفعل الصواب أم الخطاء، هل ما أقوم به هو (عيب) سيلعنني عليه أهلي ومجتمعي؟ ما العيب؟ قلت لنفسي هو فقط سيراني وأراه من قرب ليس إلا. هو يراني وأراه دائما من النافذة. الفرق هو أن هذه المرة -فقط- سيراني من قرب وفي متناول يده لو همّ بأن يتقدم نحوي”.

وتكرس الراوية فاطمة معظم المقاطع التي تقع (قبل عام 1985) لسرد تفاصيل علاقتها بربيع. وعلى الرغم من صغر سن الحبيبين تبيّن لنا تلك التفاصيل أن الراوية تسعى إلى إضفاء طابع التضحية والفروسية على تلك العلاقة؛ فهي تقول لربيع ولنا نحن القراء: “وكأنني لم أكن يوما امرأةً قاتلتُ لأجلها..  تسلقت الجدران وحفظت الأزقة تركض معها من دون نور..  وتعرضت لنهش الكلاب ولدغات العقار، فقط لتقف تحت هذه النافذة وأنت تبتسم وترتجف في آنٍ واحد لتلويحة خجولة، وابتسامة قصيرة من هذا الثغر. جئت في إحدى الليالي بعدما انتظرت طويلا، وعندما عاتبتك أظهرت لي ساقك وهو ينزف وأشرت لي أن كلبا قد عظك عندما مررت بالزقاق المظلم .. كنت شقياً ورحت أنا أشق خماري ورميته لك لتربط ساقك فتلقفته أنت ووضعته في جيبك بعد أن شممته كما لو كنت تخدر نفسك من الألم..  قلت لك غاضبةً وأنا أشد بيدي: أربطها، كأنك صبي عليّ أن أعلمك فعل الأشياء. فربطتها بعمامتك وأنت لا تفوت ثانيةً لتحدق بشراهة نحوي تتمنى لو تقتلعني من خلف النافذة”. ص9

ومثل شخصيات مارسيل بروست، تؤكد لنا فاطمة أن السرد يُعد بالنسبة لها وسيلة لاستعادة (وحياة) الماضي الذي لم تكن حينذاك تدرك ماهيته؛ فهي عندما تصبح راوية لا تمارس فقط تذكر الماضي (قبل 1985) الذي صنع الحاضر (بعد 2014)، بل أن السرد يجعلها تعيش بوعي ذلك الماضي؛ فهي مثلا تسرد: “كان الوقت ما يزال فجرا، والقاري يجرنا عبر أزقة شبام بينما القطط مستلقية، والدجاج يتقافز من أمام حوافر الحمار. الآن فقط أتذكر كل تلك التفاصيل، أيها الأحمق، وكأنه كانت لدي عين أخرى وذاكرة إضافية، لأنني لم أكن حينها أرى شيئا رغم انفتاح عيني بكل اتساعها، كنت غارقة فيما يشبه التفكير، تفكير في أشياء عدة، متداخلة ومتزاحمة”. ص 18-19

وتحكي فاطمة أن أباها قد أبرحها ضربا حينما اكتشف علاقتها بربيع، وأنها قامت، بدورها بضرب ربيع عندما اقترح عليها الهروب من المدينة التي تحرم الحب. كل ذلك قبل عام 1985. أما بعد عام 2014 فلم يتبق لفاطمة إلا الذكريات.. وشبام وحكايتها.

وبالنسبة لحكاية شبام الصفراء، فقد حرصت الراوية فاطمة على تقديم أبرز المتغيرات التي طرأت على الحياة الاجتماعية والسياسية في المدينة بين 1985 و2014 وذلك من وجهة النظر (أو زاوية الرؤية) المؤنثة. ومن أهم العادات التي حرصت فاطمة على تقديمها: لباس المرأة في شبام الذي كان قبل 1985، يتسم بالمحافظة، وقد قدمته على النحو الآتي: “لم تكن الخيارات كثيرة لكي أتأنق؛ الثوب الذي ترتديه النساء خارج المنزل لذهابهن إلى المزرعة أو الرعي هو نفسه في كل منطقة، الفرق بسيط بين ما ترتديه نساء المدينة ونساء الريف، فنساء الريف يرتدين الثوب الأسود الضيق إلى حد ما، مع خصر مربوط وبرقع يصل فيه بين العينين خيط يمتد فوق الأنف من الطرف العلوي إلى الأسفل. اما نساء المدينة فالثياب لديهن سوداء فضفاضة نسبيا وبراقع عادية من دون خيوط تلاب ضفتهيا”.

وفي أحد مقاطع ما بعد 2014، تنقل لنا الراوية فاطمة المتغيرات المذهلة التي طرأت على جلسات النساء ولباسهن وعاداتهم في شبام، وذلك في مشهد تمزج فيه بين السرد والحوار الذي تبرز فيه عدد من الكلمات العامية، وقدمته على النحو الآتي: “قعدت النساء مستندات إلى الجدار، وكل واحدة منهن تحاول عرض ما لديها من حلي وثياب، وحتى جديد الهوا تف. وفي ذا من يضاهي نساء المسؤولين والمغتربين؟

– في عرس آل با جمّال قبل أسبوع، هل رأيتين الفتيات؟ يع يع يع! قالت أم أمجد.أين الحشمة؟ أين الحياء؟ ملابس عارية – أعوذ بالله من الشيطان -هذه ترينا صدرها، والأخرى ظهرها، والثالثة بطنها، يفيييه! من أين أتين؟

-من شبام. قالت أم جميلة، قلة حياء. بنتي جميلة عادت وهي تسب وتلعن الموضة

وعمائلها.

-بنتك متربية – ما شاء الله- تعرف الأصول الله يحفظها. قالت أم إبراهيم وهي ترفع صوتها وتنظر إلى أم جميلة. أم أبراهيم تعمل وكيلا إعلاميا لتلميع الشخصيات، التي يغدقن عليها بالهدايا. وأم أمجد تفرك عقدها بطرف سبابتها وإبهامها كأنها تنتظر خروج المارد منه، وأضافت:

 -لاشيء يضاهي) القطيفة) لا في القماش ولا في التطريز (يا سلام الله).  جاءتنا

البلاوي منذ أن جاءتنا هذه الأصناف: الساري والعريان والشورت، وأم الدواهي: الجنز. اللهم لا تؤاخذنا. وقطعت حديثها وكأن نفسه قد نفد.

 -وقصات الشعر: يا خزوتاه. ماذا بقي؟ً لماذا لا يلبسن العمائم ويخرجن مع الرجال؟”. ص30

ومن المتغيرات التي حاولت الراوية التركيز عليها: طقوس جلسات الشاي النسائية في حضرموت وعدتها التي لم تعد معدنية أو زجاجية شفافة، وأصبح لها طاولة متحركة، وقد سردتها على النحو الآتي: “أم إبراهيم تجلس خلف عدة الشاي ببدنها الضخم وفي مقابلها تجلس أم جميلة وفاطمة على الأرض وتستندان إلى جدار الغرفة، في حين راحت أم إبراهيم تسألهن عن أحوالهن وهي ترتب لتقديم الشاي لهن . تضع نظرة بعين أم جميلة وأخرى بعين فاطمة. وتعود للتركيز على طاولة الشاي وتراقب إن كنّ قد أبدين شيئا من الإعجاب بما أضافته لعدتها من )سوق الأحد ( المتنقل. في الواقع هي قامت بتغيير كل الأواني الزجاجية والفناجين التي كانت منقوشة باللون الفضي واستبدلتها بأخرى منقوشة باللون الذهبي لا أكثر. ووضعت القديمة في رف طويل في أصل جدار الغرفة ويغلق عليه باب خشبي بواجهة زجاجية شفافة.غير أن أم جميلة، لأنها لم تغير عدتها منذ فترة، لم تسأل الأخرى، ولم تفاتحها في أمر العدة كيلا ينعكس عليها السؤال”. ص29

وسياسيا، تذكر الراوية: الانقلاب الحوثي والقاعدة ونقاط التفتيش في الحاضر، وعلاقة شبام بعدن وبريطانيا في الماضي، وتذكر أن جدها “كان لديه جواز سفر أحمر بدفتين غليظتين تصرفه بريطانيا لسكان المحميات، وكان مما يقول لي إن في لندن ساعة كبيرة على برج عملاق يشبه أحد هذه المباني، وإن في عدن أيضا ساعة تشبهها لكنها أصغر”. ص20

وبالنسبة للغة، من الواضح أن سالم بن سليم أراد أن يلتزم في (نوافذه الصفراء) باللغة العربية للفصحى، لكنه اضطر أحيانا إلى استخدام مفردات ترتبط بالبيئة المحلية، فظهرت في النص كلمات مثل: المطيرة، القضب، القاري… الخ. كما أن هناك كلمات فصحى استخدمها المؤلف بمشحونها الدلالي المحلي، مثل صفة (صفراء) الواردة في عنوان الرواية. ومن المعلوم أن (صفراء) صفة ملازمة لمدينة شبام، ويمكننا اختزال اسم المدينة، في الصفة وحدها. وذات يوم قال شاعرنا الحضرمي حسين أبوبكر المحضار: لهجتك فيها نبرة تشبه شبام الصفرة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *