المقاربات السردية لأدب الرحلة في النقد العربي

فيلبي

أ.د. مسعود عمشوش

عند دراسة أدب الرحلات علينا في البدء التمييز بين الرحلة بوصفها فعلا يتجسّد في الانتقال من مكان (هنا) إلى مكان آخر (هناك) والعودة، وبين الرحلة بوصفها خطابا مقيدا في نص متعدد الأبعاد. والرحلة النصية جنس أدبي قديم، وتُعد النصوص الرحلية العربية من أقدم تجلياته. ومن المؤكد أن الدراسات العربية الأولى لأدب الرحلات، التي تأثرت كثيراً بما كتبه المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي وبشكل خاص في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي العربي)، قد ركزت على مضامين تلك النصوص الرحلية ودأبت على تصنيفها وفقا لاقتراب تلك المضامين من الجغرافيا أو المناسك الدينية أو المهام الإدارية والسياسية، فتحدثوا عن الرحلات الجغرافية والعلمية والدينة والحجازية والزيارية والتجارية والسفارية …الخ. هذا ما فعله مثلا زكي محمد حسن (الرحالة المسلمون في العصور الوسطى 1945)، وشوقي ضيف في كتابه (الرحلات 1957)، وحسني محمود حسين (أدب الرحلات عند العرب، 1976)، وصلاح الدين الشامي (الرحلة عين الجغرافيا المبصرة 1982)، وغيرهم.
وبالمقابل، لم تهتم تلك الدراسات ببنيات النصوص الرحلية بوصفها جنسا أدبيا وخطابا سرديا له سماته الخاصة التي تميزه عن الخطابات السردية الأخرى. إلا أن انتشار المقاربات البنيوية والسردية في النقد العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي شجع عددا من الباحثين العرب، لاسيما أولئك المتابعين لمتغيّرات النقد الأدبي في فرنسا والغرب بشكل عام، على الاهتمام ببنيات النصوص الرحلية ومقومات أدبيتها وتجنيسها، ومحاولة حصر الخصائص التي يتميّز بها خطاب السرد الرحلي عن غيره من خطابات النصوص السردية. وكان لكتابات سعيد يقطين (السرد العربي، مفاهيم وتجليات،2006 )، وعبد الرحيم مودن (أدبية الرحلة، 1996)، وشعيب حليفي (الرحلة في الأدب العربي: التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيّل، 2002) دور كبير في توجيه كثير من الدراسات والرسائل الأكاديمية التي تناولت الرحلة بوصفها جنسا أدبيا وخطابا سرديا وبشكل خاص في الجامعات المغاربية.
وقد قدّم سعيد يقطين في كتابه (السرد العربي، مفاهيم وتجليات،2006 ) عددا من الخصائص التي يرى أنها تميّز الخطاب السردي للرحلة عن غيره من الخطابات السردية التي نجدها في النصوص السردية الأخرى، مثل الرواية والتاريخ والسيرة الذاتية. من أهم تلك الخصائص: استخدام ضمير المتكلم (الأنا) الذي يبرز في الخطاب الرحلي بوصفه راويا وشاهدا مركزيا؛ فالرحالة الراوي هو الذي يقدم المشاهد والأحداث موظفا وجهة نظره (رؤيته) الخاصة، مثلما يتم في السيرة الذاتية، وبخلاف ما يتم في الخطاب السردي الروائي الذي يمكن فيه أن يطبق السارد زاوية رؤية إحدى الشخصيات. ومع ذلك علينا المسارعة في التمييز بين السيرة الذاتية التي تتناول عادة مجمل حياة المؤلف الراوي، بينما النص الرحلي لا يتناول إلا مدة محددة من حياة المؤلف وهي المدة التي قضاها في السفر.
ومن خصائص الخطاب السردي في الرحلة: هيمنة بناء السفر ومساره (ذهابا وعودةً). ففيما يتعلق بترتيب أحداث الحكاية يتبع سرد الرحلة في الغالب مسارا كرونولوجيا خاليا من المفارقات الزمنية كالاسترجاعات والتقديمات والقفزات والاستشرافات التي نجدها عادة في النصوص الروائية. في النص الرحلي البناء الزمني للسرد يتماهى مع مسار السفر.
وكما هو الحال في أي خطاب سردي يتوزع الخطاب الرحلي على صيغة السرد وصيغة الوصف، إذ تمتزج الفقرات السردية التي يتم فيها حكي الأحداث والمغامرات المختلفة مع الفقرات الوصفية التي تقدم الأماكن والمناظر الطبيعية والناس والأشياء. واليوم يجمع النقاد الغربيون والعرب على أن صيغة الوصف تسود في الخطاب السردي الرحلي، وأن صيغة السرد فيه تظل في خدمة الوصف، على عكس ما نجده في الخطاب السردي الروائي. لهذا تتسع في الخطاب الرحلي المساحة الخاصة بالصيغة الوصفية. وأكد ذلك سعيد يقطين في دراسته (خطاب الرحلة العربي ومكوناته البنيوية، في السرد العربي اتجاهاته وتجلياته، ص196): حين قال: “إن السرد في الرواية يؤطر الوصف ويستوعبه، لذلك يغدو البعد الزماني فيها يحتل مكانة أساسية بقياسه بالمكان. أما الرحلة، فيمكن الذهاب الآن إلى أنها خطاب وصفي، لأنها تضع في الاعتبار الأول البعد المكاني في زمن معيّن”. وقد حاولت الباحثة فوزية قفصي أن تبيّن أهمية الصيغة الوصفية في النصوص الرحلية في دراسة نشرتها سنة 2013 بعنوان (شعرية الوصف في أدب الرحلة – رحلة ابن بطوطة أنموذجا).
كما قام الباحث المغربي إبراهيم الحجري بإعداد رسالة دكتوراه بعنوان (الخطاب والمعرفة، الرحلة من منظور السرديات الانثروبولوجية)، شارك في مناقشتها كل من شعيب حليفي وسعيد يقطين، وقد ركز فيها الباحث على دور الوصف في النصوص الرحلية. وقام الحجري بنشر رسالته في كتاب صدر في مطلع هذا العام عن المركز الثقافي العربي – بيروت، قال الأستاذ سعيد يقطين في تقديمه له: “تكمن خصوصية كتاب الحجري في أنه حاول مقاربة الخطاب الرحلي العربي بالانطلاق من كونه أولاً خطاباً سردياً. لذلك التمس السرديات، باعتبارها علماً للسرد، فسعى إلى البحث أساساً في تحديد “سردية” هذا الخطاب. فتوقف على جوانب تتصل بـالشخصية، وصيغ الحكي، والتبئير، والفضاء. وبعد تناوله لهذه الجوانب المتصلة بالرحلة، عمل على توسيعها في الباب الثاني الذي كرسه للرؤية التي تحكم صاحب الرحلة لمعرفة كيفية اشتغال نسق التفكير والقيم لديه، فاتحاً، بذلك، مجال البحث على الأبعاد الأنثروبولوجية للمتن الرحلي”.
ويتناول الأبعاد الانثروبولوجية للرحلة الدكتور عبد الله إبراهيم، مؤلف موسوعة السرد العربية، وذلك في مقال قصير نشره في مطلع عام 2011، بعنوان (أدب الرحلة بوصفه سردا ثقافيا)، وأكد فيه أنه “يدرج مرويّات الارتحال ضمن السرد الثقافي لأنها تطوي، في تضاعيفها، ضروبًا متنوعة من التمثيلات التاريخية، والجغرافية، والدينية، والاجتماعية، وجميعها تضافرت لتشكيل هوية أدب الرحلة العربية، وهذه التنوعات الغزيرة حالت دون اختزال تلك المرويّات بنوع سرديّ صاف، فأدب الرحلة، في الثقافة العربية القديمة، إطار ناظم لجملة من التنوعات الأسلوبية، والرؤى الذاتية، والمواقف الثقافية، والأحكام القيمية، والاكتشافات الجديدة، ومغالبة الشعور بالاغتراب، والانقطاع عن منابت الطفولة، والغوص في مناطق نائية، ثم العودة المظفّرة بذخيرة عجائب حقيقية. وقد انبثق كلّ ذلك المزيج السردي من خضم ثقافة جماعية، وتغذّى بمرجعيّات دينية، تشرّب بها الرحّالة، فتناوبت فيه صيغ الإخبار، والوصف، والحكم، فرسم، في المخيال العربي-الإسلامي، هويات الأمم الأخرى، بخَليطٍ من الوقائع والتخيلات، واختص بتمثيل سرديّ موسّع لمعظم أرجاء العالم القديم”. ويكرر د. عبد الله إبراهيم هذا التاكيد في مقدمة الجزء الثاني من (موسوعة النقد العربي) المكرس لأدب الرحلة عند العرب.
ومن أهم الأبحاث الأكاديمية التي ركزت على دراسة خطاب الرحلة، وسارت على خطى سعيد يقطين وشعيب حليف وعبد الرحيم مودن: أطروحة الدكتوراه التي أعدتها جميلة روباش حول (أدب الرحلة في المغرب العربي، 2015)، ورسالة الماجستير التي كرستها فاطمة بو طبسو لدراسة (أدبية الخطاب في رحلة نور الأندلس لأمين الريحاني، 2011). ومثل عبد الرحيم مودن الذي أكد في كتابه (الرحلة المغربية في القرن التاسع عشر، 2006، ص168) على أهمية الرسومات والصور والخرائط في كتب الرحلة، نبهت الباحثة فاطمة طبسو في رسالتها (ص16) إلى ضرورة عدم ربط خطاب الرحلة باللغة، إذ أن “الرحلة تجمع بين العلامات اللغوية وغير اللغوية، كالرسم أو الصور الفوتوغرافية التي تتفاعل مع المكتوب بأبعاد جديدة تجعل نص الرحلة نصا متعدد الأنظمة والصيغ التعبيرية المختلفة”. ويمكن أن أذكر هنا إلى أنني قد ضمنت الفصل الخامس من كتابي (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت: الأبعاد الفنية والأيديولوجية لكتاب بنات سبأ) دراسة للصور والرسومات التي احتواها الكتاب، وألحقت بدراستي نماذج من صور فيلبي ورسوماته. كما أكدت في كتابي (اليمن في كتابات فريا ستارك) على أهمية الصور الفوتوغرافية الكثيرة التي ضمنتها الرحالة البريطانية كتابيها (مشاهد من حضرموت) و(البوابات الجنوبية لشبه الجزيرة العربية).
ويمكن أن نختتم هذا العرض الموجز لبعض المقاربات السردية لأدب الرحلة في النقد العربي بإشارة إلى الدراسة التي تناول فيها الدكتور عبد العليم محمد إسماعيل رحلة ابن فضلان ونشرها بعنوان (تقنيات السرد أساس أدبية الرحلة)، وأكد أنه قد خلص في نهايتها إلى أن “أدبية نص الرحلة تتحقق بتوافر تقنيات السرد، وليس بالتعبيرات البلاغية أو الوصف كما تتجه بعض الأصوات البحثية إلى تاكيده”، وأن “الرحلة نص متعدد الأبعاد، البعد الأدبي محدد بتوافر الأبعاد السردية التي هي مقوّم أدبيته”، وأن “خطاب الرحلة يتداخل مع عدد من الأشكال التعبيرية مثل: السيرة الذاتية، أدب المذكرات، إلا أن الفرق بينها وتلك الأشكال أن خطاب الرحلة حكاية لتجربة قصدية لها أهداف مسبقة وتخطيط وحركة، بينما السيرة الذاتية والمذكرات لا يرتبط بقصدية مسبقة لما يتم تدوينه”.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *