مذكرات تربوي في الأرياف

bakhdar

مذكرات تربوي في الأرياف (قراءة في كتاب مذكرات ومشاهدات لسالم بخضر)

د. مسعود عمشوش

لا شك أن الانفتاح الذي شهدته الأقطار العربية في النصف الثاني من القرن العشرين قد شجع عددا كبيرا من الأدباء والفنانين والمفكرين والسياسيين على تدوين تجاربهم الذاتية وصوغها في أشكال تعبيرية مختلفة تقع كلها في دائرة “كتابة الذات”: سير ذاتية، مذكرات، ذكريات، شهادات، مراسلات، يوميات. فمنذ أكثر من أربعة عقود أصبحنا نقرأ بين الفينة والأخرى عددا من النصوص “الذاتية” لشخصيات عربية متنوعة المشارب. ولا ريب في أن التعددية السياسية قد دفعت بعض محترفي السياسة أو عشاقها إلى الإدلاء بدلوهم أو شهادتهم إسهاما منهم في “كتابة” التاريخ الصاخب للقرن العشرين.

ومن المؤكد أن الأشكال المختلفة لكتابة الذات، التي تعد السيرة الذاتية أبرزها، أخذت تتداخل بشكل كبير إلى درجة أنه بات من الصعب تبيان الحدود الفاصلة بشكل قاطع بين السيرة الذاتية وبين الأشكال الأخرى للتعبير عن الذات. ففي حين يركز كاتب السيرة الذاتية على تفاصيل حياته الشخصية يهتم كاتب “المذكرات” بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهد العامة أكثر من اهتمامه بتصوير حياته الخاصة، اللهم إلا بوصفها إحدى مفردات تلك البيئة العامة. إما الاعترافات فيغلب عليها التبرير والتسويغ والمراوغة والتمويه.‏

وفيما يتعلق بالفرق بين السيرة الذاتية والمذكرات يكتب الناقد الفرنسي جورج ماي “إننا كلما أوغلنا في البحث عن الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والمذكرات ازددنا يقينا من أنها زئبقية وغائمة”. وهكذا يتبيّن لنا أن هناك سيراً ذاتية مثل (الشعر والحقيقة) للشاعر الألماني غوته، كثيرا ما تتحول إلى مذكرات، وثمة مذكرات شخصية كثيرة تشتمل على عناصر سيَر ذاتية لاسيما تلك التي تعطي اهتماما كبيرا بفترة الطفولة. ويبدو أن ما يميز المذكرات عن السيرة الذاتية هو أن اهتمام المؤلف في الثانية ينصب على أحداث حياته وتكوين شخصيته ومسارها، في حين أن كاتب المذكرات يهتم بالعالم والأحداث المعاصرة والتاريخية والناس الذين التقى بهم، ويكون مدار نصه الأحداث العامة التي شاهدها أو شارك فيها. لهذا غالبا ما تكون المذكرات مرادفة للشهادة على العصر.

واليوم لن يختلف اثنان حول أن كتابة المذكرات الشخصية قد أضحت ظاهرةً تشكل جزءاً من المشهد السياسي والثقافي ليس في بلادنا فقط، بل كذلك في كثير من الأقطار العربية الأخرى وفي العالم كله، إذ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر من دون أن تصدر مذكرات لهذا الرئيس أو ذلك الزعيم السياسي أو تلك الشخصية. وإذا كان كثير من الأفراد الذين يقدمون على كتابة مذكراتهم يعدون من بين الشخصيات “الاعتبارية”، التي تسعى إلى تذكير القراء بأهمية رصيدها النضالي أو العلمي أو الديني، فهناك أيضا أفراد (عاديون) قاموا بتدوين مذكراتهم ونشرها لأنهم يرون أن تجاربهم في الحياة يمكن أن تقدم فائدةً ما للقارئ. ومن بين هؤلاء الأستاذ التربوي سالم عبد الله بخضر، الذي أصدر في مطلع هذا العام 2018، كتابا بعنوان (مذكرات ومشاهدات)، يسرد فيه نتفاً من مذكراته في مجال التربية، طالبا ومدرسا وإداريا، وبعض مشاهداته في بعض قرى ومدن حضرموت، وفي عمان وأبو ظبي والسودان ومصر التي زارها في فترات مختلفة من حياته.

في مقدمة الكتاب يقدم المؤلف بعض الأسباب التي دفعته إلى ممارسة كتابة الذات والحديث عن تجربته الخاصة وأولها تقديم العبرة للأبناء والزملاء والأصدقاء، ويؤكد سعيه إلى الالتزام بالموضوعية، ويكتب: “راودتني فكرة الكتابة، وخاصة كتابة مذكرات منذ أكثر من خمس سنوات، ضمن مراحل الحياة المختلفة، واحترت من أين أبدأ وإلى أين أنتهي، فقد لا تساعدني الذاكرة على تحديد البدايات بدقة، وهل لي الاستطاعة بالإلمام بتلك الأحداث التي رافقتها خلال تلك المراحل والفترات الزمنية. وحاصرتني جملة من الاستفسارات والوقفات حول الغرض من هذا العمل الذي أنوي الدخول فيه. هل المسألة سرد حكايات من هنا وهناك فقط للتسلية وتذكـُّـر الماضي؟ وما هي الفائدة المرجوة من ذلك؟ هل أقوى على سرد وتدوين تجارب إنسانية قد أستفيد منها ويستفيد الأبناء والزملاء والأصدقاء؟ وهل هذه التجربة جديرة بأن تُقدَّم لهؤلاء؟ وتساءلت عن الشروط التي يتطلبها إنجاز مثل هذا العمل، واهتديت إلى أهمية الصدق مع النفس وتسجيل الأحداث بتجرد ودقة، كشرط أساسي لإنجاح المهمة. فهل أقوى على ذلك؟ نعم، إن استطعت أن أسجل ما هو سلبي بنفس الروح والقوة التي أسجل بها ما هو إيجابي”. ص6

وفي مقدمة الفصل الخامس من الكتاب يعود المؤلف ليقدم لنا بعض التأملات حول كتابة الذات مؤكدا أن من أهداف مشروعه: التعبير عن شكره لبعض الأفراد الذين أسهموا في تربيته وتكوينه العلمي وإنصافهم، ويقول: “الفصول الأربعة الأولى عبارة عن مذكرات ومشاهدات، ولاحظت أني من خلال المذكرات والمشاهدات أغفلت مجموعة من الأحداث وبعض الشخصيات التي كان لها دور في حياتي سلبا وإيجابا، ونسيت التعرض لها. وآمل من خلال الذكريات التعويض عن ذلك النقص عِلّها تفي بالغرض، وينال كل ذي حق حقه. كما أنني أحب أن ألزم نفسي بكتابة ذكريات ذات مغزى في مجمل الأحيان، ليلتقط القارئ منها العبر والفوائد من خلال تجارب إنسانية عشتها مع الغير”. ص143

الخاص والعام في مذكرات سالم بخضر:

على الرغم من أن سالم بخضر قد عنون الفصل الأول من الكتاب بـ(النشأة والبدايات)، فهو في الحقيقة لم يتحدث عن طفولته إلا بشكل موجز، ولا يتحدث أبدا عن تفاصيل حياته العائلية، واكتفى بذكر أنه كان قد نشأ في قرية (الفرط) الواقعة غرب مدينة القطن في وادي حضرموت، ويضيف: “وكنا نحن الصغار تناط بنا كثيرا من المهام والواجبات التي لن يقوى على القيام بها ابن السادسة في هذا الزمان، فقد كنت أقرأ واكتب الرسائل للأهل والجيران، وكنت معنيا بسقي الحمار من بئر المسجد المجاور لبيتنا، وكنت أحيانا وأنا في هذا السن أختار لأهلي كبش العيد من بين الأغنام التي في حوش بيتنا”. ص9

وإذا كان سالم بخضر قد تجنب الخوض في تفاصيل حياته الخاصة في نصه فهو ركز كثيرا على سرد مشاركته في الحياة العامة، لاسيما في الحقل التربوي. لذلك نرى أنه كان موفقا عندما جعل من نصه مذكرات وليس سيرة ذاتية. فكما ذكرنا السيرة الذاتية تركز على الحياة الخاصة بالمؤلف بينما يسعى مؤلف المذكرات إلى إبراز دوره في الحياة العامة.

كما ركـّز مؤلف (مذكرات ومشاهدات) على حياته التعليمية بمختلف مراحلها؛ واستطرد أولا في الحديث عن تعلمه القراءة والكتابة في المعلامة (علمة القرية) في الفرط، ثم التحاقه بمدرسة الهُدى الابتدائية، التي يذكر أن السلطان علي بن صلاح القعيطي قد أسسها في مدينة القطن سنة 1948، ثم تعليمه في المدرسة الوسطى (المعهد العلمي) بغيل باوزير بين عام 1959 وعام 1962. ويسرد المؤلف تفاصيل أول رحلة له قام بها من القطن إلى غيل باوزير على ظهر سيارة (لوري)، مرورا بالمكلا عاصمة السلطنة القعيطية.

أما دراسته الثانوية في بورتسودان السودان فقد أفرد لها الفصل الثالث بأكمله. وتحدث فيه بإيجاز عن العلاقات التي نسجها في كل من أم درمان وبورتسودان مع عدد من العائلات الحضرمية المقيمة هناك. وفي هذا الفصل يسرد بإيجاز الزيارات الخاطفة التي قام بها من السودان إلى مصر، وتحديدا لكل من القاهرة والإسكندرية.

وبالنسبة للحياة العملية، ركز سالم بخضر على عمله مديرا للمدرسة الثانوية بالقطن من سنة 1975، وذكر أنه قد حظي برضا الرئيس علي سالم ربيّع علي وسالم البيض اللذين اسقبلاه على الرغم من أنه لم يكن حزبيا. ويذكر كذلك أنه استطاع أن يتحصل على كثير من التسهيلات للمدرسة الثانوية وإدارة التربية بالقطن. وعلى الرغم من أنه يكتب: “قضيت بالمدرسة الثانوية حوالي خمس سنوات، كانت من أجمل سنوات خدمتي، فقد تعاملت مع المعلمين المغتربين والمعلمين المحليين والطلاب من مختلف المديريات –مديرية القطن بمراكزها، ومديرية دوعن بمختلف أوديتها وقراها”، فهو يعترف أن تلك الوظيفة قد سببت له بعض التعب والسأم، ويكتب: “في عام 1970، وتحديدا في ديسمبر منه، وجدت نفسي وقد سئمت العمل مديرا بثانوية القطن، وأعتقد أن سبب ذلك الإرهاق الشديد، والعمل الكثير في عدة مجالات مختلفة؛ فقد كنت مديرا للمدرسة بدون مساعد، وكنت المشرف على القسم الداخلي وتنظيم نشاطات الطلاب به، إلى جانب أنني المسؤول عن القسم المالي ومتابعة مستحقات العاملين والطلاب، كل ذلك طيلة الأعوام من 1975 إلى 1979”. ص71 وقد ظل في منصبه ذلك حتى سنة 1980 حينما تم تعيينه مديرا عاما للتربية والتعليم بالمديرية. وظل في هذا المنصب حتى يوم تقاعده في سنة 1999.

من المؤكد أن كتاب سالم بخضر (مذكرات ومشاهدات) يحتوي على بعض المعلومات المرتبطة بحياته العائلية والخاصة. لكن تظل تلك المعلومات قليلة جدا. فهو، لا يتحدث إلا باقتضاب شديد عن علاقته بأمه على الرغم من أنه اختار عنوانا فرعيا لبضعة سطورمنه: (مع أمي العزيزة)، ذكر فيها أن أمه كانت تمنحه (عانة يوميا) منذ سن الثالثة. ومن أبرز ذكريات الطفولة التي ضمنها نصه: حادثة ختانه وهو في سن السابعة، وقد سردها على النحو الآتي: “عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية بالقطن عام 1954 كنت غير مختون كعادة بعض الأسر في تأخير ختان أبنائهم رغبةً في السلامة. شجعتني جدتي أم الوالد (رحمهم الله) على أن أختن ولي مقابل ذلك أن تذبح لي خروفا أبيضا سمينا لآكل من لحمه مدة شهر، حيث سيحفظ اللحم في شوك جريدة النخل (ثلاجة أيام زمان). فرحت بعرض جدتي وكان مجمل تفكيري في الكبش الأبيض. ذهبت فورا إلى الختان، وقلت له إن جدتي تريدك تختن لي. وعلى دكة بيتنا أضجعاني اثنين من رجال القرية على أرضية الدكة، وبدأ العم فرج كانون ديان رحم الله يشحذ شفرته على المسن أمام عيني وانا في قبضة الرجلين، وأدركت حينها أن المسألة ليست بالهينة، وبدأ في فعلته الشنيعة وانا أتلوى من الألم، ولم يكن لي مفر منهم. وعندما انتهت العملية طلب مني العم فرج أن أجري بسرعة لكي يتوقف الدم، فبدأت أجري بسرعة فائقة، وأخذت بعض الحصي وتوجهت إليهم لأرميهم بها وهم يركضون أمامي هربا حتى لا تطالهم الأحجار، فكان الجري وكان الانتقام. ولولا عناية الله ولطفه لانتهت حياة طفل بسبب هذه العملية البدائية”. ص145

وفي الفصل الرابع، الذي يُعد أطول فصول الكتاب (ص 79-150)، يسرد التربوي سالم بخضر عددا من الرحلات التي قام بها داخل البلاد أو خارجها. ومن أجمل أجزاء هذا الفصل تلك الصفحات التي كرسها لوصف بعض القرى الريفية التي زارها في ثمانينيات القرن الماضي بوصفه مديرا لإدارة التربية فيما كان يعرف بالمديرية الغربية بمحافظة حضرموت. وقد كتب فيها: “من خلال عملي مديرا للتربية والتعليم بالمديرية، كانت الزيارات والرحلات جزء مهم من عملنا، فعلينا أن نتفقد العمل التربوي والتعليمي في مراكز متباعدة، بدءا من مدارس مركز القطن وانتهاءً بمدارس هينن والخديد ومنوَب والعقاد وغيرها. ونتمكن في هذه الزيارات من الجلوس مع المدراء والمدرسين وأحيانا الطلاب، فنتدارس أوضاعهم ونضع المعالجات المناسبة لمشاكلهم. كما نشدُّ الرحال سنويا لزيارة المناطق البعيدة، مثل الخشعة ووادي رخية ووادي سر والعبر والمناطق الصحراوية وحجر الصيعر. وعلى الرغم من وعورة الطريق والمواصلات المتواضعة، وبُعد تلك المناطق، فقد كان لهذه الزيارات مذاق خاص؛ فهي تجعلك تعيش ما يعانيه المدرس من صعوبات، ما يواجهه الناس أيضا، ومن خلالها نتعرف على ظروف الطلاب، وبشكل خاص أولئك الصغار الذين يقطعون المسافات الطويلة ذهابا وإيابا يوميا طلبا للعلم”.

وإضافة إلى رصد مشاركته في مجال التربية والتعليم حاول المؤلف أن يرصد في كتابه كثيرا من الأحداث التاريخية المهمة التي حدثت أثناء الفترة الزمنية التي عاشها. فقد ذكر مثلا بعض أحداث الكفاح المسلح ضد بريطانيا قبل الاستقلال، وسقوط السلطنتين القعيطية والكثيرية وخطوة 22 يونيو التصحيحية وهزيمة حزيران، وأحداث 13 يناير 1986، وقيام الوحدة وحرب سنة 1994.

وبما أن سالم بخضر قد أفرد لرحلاته أطول فصول الكتاب فقد أضاف إلى العنوان كلمة (مشاهدات). لكنه اكتفى برصد مشاهداته في تلك الرحلات نصيا؛ فالكتاب لا يحتوي على أي صورة.

الأبعاد الجمالية في (مذكرات ومشاهدات):

على الرغم من أن سالم بخضر لم يقدم على تأليف أي كتاب غير هذا النص الذي بين أيدينا، فهو استطاع أن يضفي على نصه شيئا من الجمال، لا سيما في الصفحات التي يصف فيها مناظر القرى الريفية والصحراوية التابعة لمديرية القطن (أو المديرية الغربية). فهو يضمّن سرده لإحدى رحلاته إلى وادي رخية الوصف الآتي: “نستأنف الرحلة في طريقنا إلى وادي رخية لنصل بعد نصف ساعة إلى منطقة المخارم في أسفل الوادي، وهي من المناطق الزراعية حيث أشجار النخيل أول المستقبلين. ونستمتع بليلة هادئة على سطح بيت المعلمين. وعلى الرغم من حرارة الصيف، إلا أن الجو يتلطف نظرا لارتفاع المنطقة، وينبلج ضوء النهار لنرى منظرا جميلا لأشجار النخيل مكونةً سدا حول واجهة صناء. ويضيق بنا الوادي ونحن في اتجاه مدينة سهوة، حاضرة الوادي. وعلى الرغم من خشونة ووعورة الطريق إلا أن منظر النخيل، هنا وهناك، ينسيك التعب والارهاق، ونصل سهوة حيث المدرسة تطل على البلاد، ومن سطحها ترى الأراضي الزراعية على طول النظر، تتخللها أشجار النخيل العملاقة في منظر بديع، وكذلك البيوت البيضاء الشاهقة والمعلقة في المرتفع الجبلي، أنها جزءٌ من سهوة القديمة. ومن شرفة المنزل امتد على طول نظري منظرا للأراضي الزراعية مقسمة في شكل مستطيلات ومربعات تكسوها الخضرة، وتحف بها أشجار النخيل، وتحيط بها القرى على جانبي الوادي، شرقه وغربه. ولفت انتباهي في سهوة بالذات انشغال النساء بالأعمال الزراعية الصعبة؛ فقد تشاهدهن يتسلقن النخل الطويل للقيام بعملية تلقيح النخيل أو جمع البلح والرطب، وقطع الخريف أيضا، وقد اندهشت لأن مثل هذه الأعمال لا يجيدها الرجل”.”. ص133-134

وتحظى المناطق الصحراوية كذلك باهتمام المؤلف؛ فهو يقدم لها وصفا قلما نجده في الكتب الأخرى التي ألفها الحضارم. نجد ذلك مثلا عند حديثه عن إحدى زياراته لمنطقة العبر، التي وصفها قائلا: “وعندما ننتقل إلى منطقة العبر وزمخ ومنوخ، وهي مناطق صحراوية محاذية للحدود مع السعودية وبعض بلدان الخليج، نحس -ونحن نقطع بالسيارة المسافات، وكأننا في سفينة تعبر المحيط، والمحيط هنا هي الرمال الصفراء التي تحيط بك من كل مكان، وعلى مسافات بعيدة منك، ترى أشجارا وأجساما ثابتة كالأكمات أحيانا، وكالسيارات أحيانا أخرى، ولما تقترب لا تجد أشجارا ولا سيارات، وانما سفن الصحراء [الجمال] متناثرة هنا وهناك تبحث عن الكلاء والماء”. ص135

ونعثر كذلك على بعض الأبعاد الجمالية لنص (مذكرات ومشاهدات) في الصفحات التي يسجّل فيه المؤلف اندهاشه بالبحر ومدينة المكلا عند انتقاله للدراسة بغيل باوزير سنة 1959، وقد عبّر عن دهشته تلك قائلا: “بهرتنا المكلا بمبانيها الشاهقة المطلة على البحر، وزاد من إعجابنا بها وجود البحر. إنها المرة الأولى التي نرى فيها البحر نحن أبنا وادي حضرموت، خاصة الدفعة الجديدة مثلي ومثل الزميل أحمد الحضرمي والزميل فيصل البكري. وقد انتابتنا الحيرة والدهشة ونحن ننظر إلى البحر، هذا المخلوق العظيم الجبار، فتذكرنا عظمة الخالق سبحانه وتعالى. ودخلنا مدينة المكلا لنجدها مدينة كبيرة ومزدحمة بالسكان. هذا من وجهة نظر طلاب قدموا من حضرموت الداخل وقعت أنظارهم على هذه العمارات البيضاء الشاهقة، وهذا الشارع التجاري الطويل الواقعة على جنباته المحلات التجارية الفاخرة. ولفت انتباهنا مسجد واسع عظيم البنيان يسمى مسجد عمر نسبة للسلطان عمر بن عوض القعيطي، فقد بناه السلطان عمر وجلب له العمال والمهندسين المهرة من الهند نظرا لارتباط السلطنة القعيطية بالهند”. ص15

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *