الرحلة في (أيام في مومباي)

bombay

الرحلة في (أيام في مومباي) لعبد الله سالم باوزير

مسعود عمشوش

من بين كتب الأديب القاص عبد الله سالم باوزير الكثيرة، يّعد (أيام في مومباي) هو النص الوحيد الذي ينتمي إلى أدب الرحلات. ففيه يروي باوزير رحلة (علاجية) رافق خلالها صهره، أخو زوجته وابن خالته – الطفل محمد الذي وُلد بأربعة ثقوب في قلبه، إلى المدينة الهندية مومباي، وذلك في النصف الثاني من سنة 1979.

وقد نشر باوزير هذا النص للمرة الأولى سنة 1998، في مطبعة مركز عبادي للدراسات والنشر -صنعاء. وكان العنوان (أيام في بومباي). وفي داخله تبيّن صفحة وُضِعت قبل الغلاف الأخير أن من بين كتب باوزير المنشورة (سفينة نوح، ذكريات). ومن اللافت أن يضع المؤلف نفسه (أو دار النشر؟) تحت عنوان الكتاب في الطبعة الثانية التي صدرت سنة 2003: (رواية من أدب الرحلات). وتحتوي هذه الطبعة على صفحة بها قائمة بأعمال باوزير، الثالث منها: (سفينة نوح، رواية قصيرة). وفي اعتقادنا أن استخدام كلمة (رواية) مع هذين النصين في طبعاتهما الثانية لا يترتب عليه أبدا وضعهما في خانة الأدب الخيالي. فباوزير يؤكد في كتابه (أنا والحياة) أنهما جزءٌ من سيرته الذاتية. ويبدو أن شعور باوزير باتساع البعد الأدبي في هذين النصين وتأثرهما الكبير بتقنيات السرد القصصي والروائي – كما سنرى لاحقا- هو الذي دفعه إلى وضع كلمة رواية تحت عنوان كل منهما.

وفي هذه القراءة السريعة لنص (أيام في مومباي) سنركز على الأبعاد الانثروبولوجية الواسعة التي حرص باوزير على تضمينها فيه، ثم سنبيّن كيفية مقارنة المؤلف بين (الهنا) الذي جاء منه: عدن، وبين (الهناك) الذي رحل إليه: مومباي. وفي نهاية القراءة سنتناول بعض الأبعاد الفنية التي ضمنها الأديب القاص عبد الله سالم باوزير في هذا النص الرحلي.

أولا- الأبعاد الانثروبولوجية لرحلة باوزير:

يبدأ باوزير نص رحلته بتلخيص للمصاعب التي اعترضته خلال الترتيب للسفر الذي استغرق منه ستة وعشرين شهرا قضاها في ممرات مستشفيات عدن ووزارة الصحة وإدارة الهجرة والجوازات. ويذكر أنه خلال تلك المدة حاول الاستعلام عن وجهة سفره بومبي، وحصل على آراء مختلفة حولها؛ فبعض العائدين منها يمدحونها وبعضهم يذمونها. وذكر أنه قرأ عنها في كتاب أنيس منصور (200 يوم حول العالم) وفي كتاب ابن بطوطة.

وبما أنّ سبب قيام المؤلف بهذه الرحلة هو مرافقة طفل مريض بهدف علاجه في بومباي فقد كان من المتوقع أن تتركز أحداث الرحلة داخل مستشفيات تلك المدينة الهندية وفنادقها. ومع ذلك يتبيّن لنا أن باوزير قد كرس معظم صفحات كتابه للحديث عن مدينة مومباي وسكانها، أي أنه قد سعى إلى إضفاء بعض مقومات أدب الرحلات على نصه، وذلك من خلال تضمينه عدداً كبيراً من المعلومات الانثروبولوجية والاجتماعية والاقتصادية عن سكان تلك المدينة، ففي النصف الأول من الكتاب لا يتحدث باوزير لا عن العلاج ولا عن المستشفيات. وقد شجعه على ذلك وصوله إلى مومباي عشية إجازة (العيد الكبير) في الهند.

وفي الحقيقة بدأ عبد الله باوزير في رصد سلوك أحفاد المهامتا غاندي منذ ركوب عدد منهم الطائرة من الشارقة إلى مومباي، وقد قدمهم قائلا: “كان أكثرهم من الشباب سمر الوجوه، وقد ارتدوا جميعهم ملابس جديدة، في حين ارتدى البعض منهم أكثر من قميص فوق بعض، فأجسادهم الهزيلة تغري بمثل ذلك. ورحت أتمعن في تلك الوجوه التي تطغى عليها الطيبة والمسكنة، وتمثلت لي في تلك اللحظة صورة المهامتا غاندي بابتسامته الودودة المتسامحة، وهزالة ثوبه الأبيض الوحيد الذي يستر عورته. إذن هؤلاء هم أحفاد ذلك الزعيم الهندي الخالد. لكنهم الآن لهم شعور طويلة مصففة وثياب يابانية أنيقة، ورحت أقارن بين الجد والأحفاد، فرأيت الفارق بين الاثنين: فالمهامتا غاندي، ذلك الهزيل العريان هزم بعزمه وصلابته الإمبراطورية البريطانية وهي في أوج مجدها، وحرر بلاده من رجس الاحتلال البريطاني، أما هؤلاء فرغم أن بلدهم من أخصب بلاد الله إلا أنهم تركوها وهاجروا إلى بلدان النفط ليعملوا فيها سعاة وطباخين ومنظفين، لقاء القليل من الدراهم وساعات الرولكس والترانزستر وغير ذلك”. ص15

وخلال أيام إجازة العيد الكبير للهند يقوم باوزير بعدد من الجولات الاستكشافية وسط مومباي، وعند وصفه لشوارع مومباي وسكانها يربط بين المكان والإنسان. وفي أول جولة له في المدينة يلفت انتباهه التناقض الكبير بين حياة الفقراء وحياة الأغنياء، وقال: “أخذت السيارة تمر بنا بين حارات وشوارع مكتظة بالناس والمتاجر والأكشاك، وكلما تقدمت بنا ازدادت كثافة الناس من حولنا وقد تدلت على شرفات العمارات المتهالكة الملابس وأغطية الفرشان، واكتظت الأرصفة بالباعة المتجولين والحمالين والشحاذين، كما اتخذتها بعض الأسر المعدمة سكناً لها، يأكلون وينامون ويتناسلون عليها، ثم أخذت السيارة تسير بنا في شوارع أخرى أقل قذارة مما شاهدناه، وبدأ الضجيج يهدأ من حولنا، وأخذت الأرض تتنظف من تحتنا شيئا فشيئا، وبدأت تلوح أمام أعيننا عمارات أنيقة إلى أن وصل بنا المطاف إلى حي آخر أكثر نظافة وجمالا، وقد ارتفعت فوق رؤوسنا ناطحات السحاب، واغتسلت الطرقات؛ لا ريب أننا قد وصلنا إلى الحي الارستوقراطي، حي الفنادق الشهيرة ومكاتب المؤسسات والشركات الاحتكارية. وعندما أخذت أقارن بين تلك الأحياء الفقيرة وهذه الأحياء الفارهة تبيّن لي الفارق الكبير بين الطبقتين، وتأكد لي من مشاهداتي تلك اللحظة أن في مدينة مومباي طبقتان لا غير، ساكني القصور وهم قلة، وسكني الجحور وهم أغلب السكان”. ص27

وعندما ينتقل باوزير إلى حي الفنادق يلاحظ أن ساحل البحر هناك مكتظ “بالأوروبيين والفرس بيض البشرة، وتبدو على ملامحهم آثار النعمة، أما الهندي فهو يعمل طول يومه حتى وقت متأخر من الليل، لا يستطيع أن يقوم إلا متأخرا، فمن العمل وإلى العمل، ليس لديه وقت للرياضة أو الفسحة”. ص30

ويصف باوزير بألم ما يسميه مرةً “قاع مدينة مومباي” ومرة “شارع البغاء”، وذلك على النحو الآتي: “شيء مؤلم ومثير للاشمئزاز؛ صف من الدكاكين الصغيرة المتلاصقة ببعض، تشبه المطاعم الصغيرة التي خلف سوق القات بكريتر، ولكن هذه المطابخ القذرة تقدم اللحم البشري للبيع، لحم طري وعلى المشتري ان يدفع ويختار ما يشاء، فالبضاعة معروضة، بنات صغار لا تزيد أعمارهن عن الحادية عشرة ينظرن إليك بنظرات الخراف وهن يسقن للذبح، كل رأس أقصد كل طفلة واقفة على سرير قذر وكأنها معلقة على خطاف قصاب في سوق اللحم، لم أرَ في حياتي امتهانا للطفولة ولكرامة بني آدم كما رأيته في ذلك الشارع الذي أسميته: شارع البغاء. كان ذهني حينها يغلي في غضب والصنعاني يأمر سائق التاكسي أن يتمهل في السير حتى نرى المزيد من تلك الدكاكين، وبها احجام وألوان من المعروضات التي شملت كل الأعمار من سن الحادية عشرة وحتى الخمسين؛ فالناس أذواق ولكل ذوق ما يشتهي”. ص48-49

وفي نهاية إحدى تلك الجولات يكتب: “عدت قافلا إلى الفندق وإلى فراشي لأحلم طول ليلي وأعيش قرونا عديدة على سطح ذلك البحر، بحر الهند والسند، مع سندباد وابن بطوطة وغيرهما”. ص38

كما يعطي باوزير اهتماما خاصا بالطقوس الدينية المختلفة في مومباي، ويستطرد في الحديث عن عبدة النار ومعابد الجنس، ويعلق: “تذكرت ما قيل لي عن الديانات المتعددة في الهند، التي يحرم بعضها أكل اللحوم، وبعضها يقدس الأنهار، وبعضها يعبد البقر والشجر، وفاتهم شيء واحد لم يدركوه: وهو أن كل ما خلقه الله على هذه الأرض مسخر للإنسان، وأن هؤلاء الحفاة العراة أقدس من البقار والأنهار والأشجار، بل وأكرم من خلقه الله على هذه الأرض”. ص16

 

ثانيا- الهنا والهناك، عدن وبومباي:

مثل معظم الرحالة الذين يعمدون عادة إلى مقارنة نمط الحياة في البلاد التي يزورونها بنمط الحياة في بلادهم، يقارن باوزير ما يراه في مومباي بما هو موجود في عدن.  مثلا، عندما يقرر أن يزور هو والطفل حديقة الحيوانات في مومباي التي كان اسمها حديقة الملكة فيكتوريا، يعلق: “من المؤكد أن بريطانيا هي التي أطلقت هذا الاسم على الحديقة، فهي من عادتها عند خروجها من مستعمراتها أن تحتفظ بشيء يذكر بمجدها الآفل، وقد جربت ذلك معنا في اليمن؛ فعند جلائها من أراضي الشطر الجنوبي في أواخر عام 1967 طلبت من السلطة حينذاك أن تطلق اسم الملكة إليزابيث على مستشفى الجمهورية بخورمكسر، لكن السلطات الثورية رفضت ذلك فخرجت بحسرتها”. ص53 ويؤكد باوزير أن الطوابير الطويلة في مومباي تذكره “بطابور البطاط والبصل بسوق كريتر الذي كنت قد اشتقت إليه”. ص54

وحينما أخبره المترجم محمد اليماني أن المحلات ستغلق لمدة ثلاثة أيام بمناسبة (الديوالي) العيد الكبير للهند، تذكر باوزير حياة البهرة في عدن قبل الاستقلال وقال: “لعل البعض يذكر هذا العيد الذي كان يقام قبل الاستقلال في بعض الأحياء في عدن التي كانت تسكنها الجاليات الهندية، كسوق البز وحارة البنيان بكريتر”. ص36

ونلاحظ كذلك أن باوزير كان يحرص في مومباي على مقابلة كل من لهم علاقة ببلاده، فهو مثلا يصر على مقابلة التاجر الهندي من أصول حضرمية: عبد الرشيد باوزير. وحينما تتعذر عليه مقابلته يكتفي بإجراء بمخاطبته هاتفيا:

“-ألو عبد الرشيد باوزير؟-نعم. أنت مين؟ -عبد الله باوزير. -أهلا وسهلا بابن العم. -أخ رشيد، طبعا أنت من أصل حضرمي أليس كذلك؟ -نعم لكنني من مواليد حيدر أباد، ووالدي من مواليد باكستان. جدي هو الذي من مواليد حضرموت. -وهل تعرف من أي جهة في حضرموت كان مولود؟ -يقول أبي إن جدي من مواليد مدينة غيل باوزير وبالتحديد من معيان الشيخ. -عظيم جدا، وهل ممكن أن أعرف الاسم الكامل لجدك، أو لقبه؟ -طبعا طبعا، نحن من آل شيخان”. ص132

 -لقد أجدت يا أخ عبد الرشيد، لكن كيف يمكن أن ألتقيك”؟ ص132

ويتناول باوزير في نصه الرحلي بعض المصاعب التي يمكن أن تعترض الرحالة العربي في عصرنا الراهن، وأبرزها: عدم الالمام باللغة الإنجليزية أو لغة السكان المحليين. وقد أدرك باوزير تلك المعضلة وهو لا يزال في الطائرة، فقد كتب: “أتساءل عما سوف يواجهني في بلد غريب لا أعرف لغته، ويشاء حظي أيضا أن أكون أميا في اللغة الإنجليزية: اللغة الثانية في الهند، فماذا تفيدني اللغة العربية؟ إذن سأكون مثل الأبكم بين الطرشان”. ص13

وفي مطار مومباي، أضطر موظف الجوازات أن يتواصل معه بالإشارة، أي “بكلام الصم والبكم وأشار لي بيده من تحت الميز إشارة عرفت منها أنه يطلب مني بقشيشا، فأشرت له بنفس الطريقة التي خاطبني بها بأنني لا أحمل نقودا، وإشارة بإشارة وانتهت بحمد الله مراسيم الهجرة والجوازات وتنفست الصعداء”. ص19

وفي المدينة يشعر باوزير أنه بحاجة إلى مترجم، وقد وفر له فخرو، أحد التجار الهنود الذين كانوا في عدن، مترجما ومرافقا يدعى محمد اليماني، وعندما اضطر اليماني أن يتركه، كتب: “بعد أن غادر محمد اليماني المستشفى أحسست وكأنني فقدت لساني، فقد كنت معتمدا عليه اعتمادا كليا في الترجمة بيني وبين الممرضات وموظفي المستشفى، ولكنني بعد أن ثاب لي رشدي لم ألق أهمية لذلك، وقررت منذ اللحظة أن أعتمد على نفسي، والحاجة أم الاختراع كما يقال، وكعادتي دائما فأنني لن أعدم الوسيلة التي أوصل بها حديثي إلى من أريد، فاللسان ليس هو الأداة الوحيدة للتفاهم”. ص64 وفي المستشفى حاول أن يتواصل مع (أنو) إحدى الممرضات لتسهر على الطفل المريض قبل إجراء العملية “بأسلوبه الخاص الذي هو خليط من الكلمات الإنجليزية والهندية والعربية، بالإضافة إلى الإشارات بالأيدي والعيون”. ص71 لكن ثقته بنفسه كان مبالغا فيها، فقد فهمته الممرضة وزميلاتها بشكل خاطئ، وعندما شرح سوء الفهم (للكربلاني) الذي يشاطر الطفل الغرفة، قال له الكربلاني: “الذي فهمته أنا منك الآن غير الذي فهمته الممرضة منك قبل لحظة. لقد فهمت الممرضة أنو من حديثك المركب وبدون أن تقصد بأنك تريد أن تنام معها لقاء ما تريد من النقود، ثم زدت الطين بله عندما أخرجت النقود من محفظتك وأخذت بيدها وأنت تشير إلى الغرفة”. ص73 وقد رسخ سوء الفهم هذا سمعة سيئة عن (بواسير أو باوزير)، فعندما سألنه الممرضات عن عدد زوجاته اعتقد أنهن يسألنه عن عدد بناته، ويعلق: “قلت على الفور: ثري بالإنجليزية وزدت ورفعت ثلاث أصابع من أصابعي. فأخذن يتضاحكن ويتغامزن فيما بينهن، ثم أشرت لهن بأعمارهن ناطقا باللغة الإنجليزية حسب التسلسل: ستة عشرة، ثلاثة عشرة إحدى عشرة”. ص77

وانتشرت هذه السمعة السيئة حتى في الفندق، ففي صبيحة اليوم الثاني، يؤكد أنه، “عندما وصلت الفندق إذا بأحد الموظفين ينظر إليّ وهو يضحك، وعندما هممت بالتوجه إلى سلم الفندق، إذا بموظف آخر يناديني ناطقا بالاسم الذي أصبحت مشهورا به:

-بواسير، فين نمت أمس؟

قلت: في المستشفى.

غمز الأول الثاني وقال: نحن نعرف أنك نمت مع بنت.

لا أدري ما أقول لهما وكيف أنفي عن نفسي هذه التهمة الكاذبة، ولكنني لم أبال بهما فصممت.. وإذا بالثاني يقول:

-بواسير، يوم ثاني كلم نحن عندنا بنت زين. صعقتني هذه الكلمات في قفاي وأنا أرتقي السلم وظلت تطاردني حتى دخلت غرفتي وأغلقت الباب وكأنني أغلقته دونهما”. ص81

ومن الطبيعي أن يدفع عدم الإلمام باللغة الإنجليزية او اللغة الهندية عبد الله باوزير للسعي إلى التواصل أكثر مع العرب الموجودين في مومباي، لاسيما الحضارم. فعندما انتقل إلى مستشفى بريتش كاندي لم يتحمل باوزير والطفل الوحدة، وكتب: “جعلت أجوب الغرف باحثا عن المرضى اليمنيين الذين قيل لي إنهم يجتمعون كل يوم في غرفة امرأة من حضرموت مريضة بالشلل، حيث يكونون معا أسرة واحدة، فالجميع لا يزورهم أحد، وبهذا الاجتماع يعوضون شعورهم بالنقص عندما يرون لكل مريض أهل يزورونه. سلمت على الجميع وتعرفنا على بعض، ولما عرفت المرأة أنني من حضرموت خصتني بالجلوس بجانبها”. ص92

ومن مشاكل السفر في البلاد العربية التي يتناول باوزير في نص رحلته تجربته القاسية في ترانزيت مطار الكويت الذي يضطر أن يقضي فيه ساعات طويلة، وينتهز الفرصة للحديث عن حبِّ اليمني لبلاده وأهله، وذلك على الرغم من سوء معاملتهم له. ويتحدث أيضا عن معاناة المسافر العربي في المطارات العربية ويقارن بين معاملة الغربيين للعرب المسافرين في مطاراتهم ومعاملة العرب لهم، فعندما يقابل يمنيا آخر مرميا في الترانزيت، ويعرف أنه يعمل في أمريكا يسأله:

“- أليس غريبا أن تضيّع حياتك في بلد غريب! أليس وطنك أحق بجهدك وعرقك من أمريكا؟ صمت لحظة ثم نظر إليّ بحسرة شديدة وقال: وطني؟ وأين هو وطني؟ تصدق أن لي خمسة عشرة ساعة وأنا مرمي في هذا المكان، لم أذق فيه طعاما ولا شرابا! – أليس معك نقود؟ – لا معي شيكات غير قابلة للصرف هنا. – كان عليك أن تحتاط معك ببعض النقود. – لقد قيل لي إن شركة الطيران ستتكفل بأكلي حتى أصل صنعاء. – وما الذي حصل؟ -حصل أن الأجانب كانوا أرأف بي من أهل بلدي. -كيف؟ لقد مررت بثلاث عواصم أوروبية كنت كلما وصلت مطار إحداها تتلقفني حافلة مريحة لتذهب بي إلى أحدث الفنادق بالمدينة، فأبيت معززا مكرما حتى يحين موعد إقلاع طائرتي فتعود بي إلى المطار لأستأنف رحلتي، وهكذا كنت أتنقل من طائرة إلى فندق حتى استلمتني طائرة بلدي فما كان منها إلا أن رمت بي في هذا المكان ولم يسأل عني أحد من بلدي ولا من أهل عروبتي من سكان هذه الديار. فقلت له وأنا أربت على كتفه لأمتص بعض المرارة التي يحسها في نفسه: -هون عليك يا والد. وصببت له كوبا من الشاي ثم كوبا آخر. وبعد أن استعاد بعض نشاطه فتح محفظة جلدية كبيرة وأخرج بعض الورق وعدة بطاقات وقال: انظر في هذه الأوراق، إنها وثائق استحقاقي للمعاش. لقد أخبروني أنهم سيحولون لي شهريا معاشي إلى صنعاء بالدولار. ألا ترى أن الأجانب أرأف بنا من أهل البلاد؟ -قلت مواسيا: ألم تسمع قول الشاعر: بلاد وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام؟ فنظر إليّ والدموع تملأ عينيه، ثم قال: لقد صدقت يا ولدي، لقد قلت ما قلت في لحظة غضب، لكن الحقيقة أن شوقي لبلدي وأهلي المكتنز في نفسي يفوق كل كنوز أمريكا ودولاراتها”. ص135-136

 

ثالثا- الأبعاد الفنية في (أيام في مومباي):

من المؤكد أن القاص عبد الله باوزير لا يحبذ تقديم ملاحظاته ومعلوماته الانثروبولوجية في شكل تأملات فلسفية أو جغرافية، بل يقوم بذلك بواسطة استخدام معظم مكونات الفن القصصي من سرد للأحداث ووصف للمشاهد ورسم خارجي وسريع للشخصيات، ولجأ كذلك إلى أسلوب الحوار.

فيما يتعلق بالوصف مثلاً، يبدو أن باوزير يرتقي به في هذا الكتاب إلى مستوى أرقى من مستوى الوصف الذي نجده في قصصه القصيرة. فهو، في صفحة 38، يقدم لنا وصفاً دقيقاً لمشهدٍ في مدخل أحد الفنادق يذكرنا بأسلوب بلزاك أو جوستاف فلوبير مؤلف رواية (مدام بوفاري) في الوصف. فنحن نقرأ في هذه الصفحة: “أول ما لفت أنظارنا هو صالة الانتظار بالفندق، وهي صالة كبيرة جداً، وقد تدلت من السقف ثريات فخمة، وفرشت أرضيتها بالسجاد الفاخر. ووزعت على حوافي تلك الصالة من الجهات الأربع أحواض زهور طبيعية بديعة بدت وكأنها حاشية لذلك السجاد الذي غطى كل أرض الصالة. وتوسط هذه الصالة صهريج ماء صناعي واسع، يظل الماء ينسكب فيه ليل نهار مكوناً شلالاً جميلاً يتناثر رذاذ مائه حتى ملابسنا، وقد انتشر في الجو هواء بارد لطيف كنسيم السحر. وكانت الواجهة الجانبية للصالة المواجهة للبحر من الزجاج الخالص حتى يخيّل للجالس فيها وكأنه يجلس على شاطئ البحر. وعلى يسار الصالة انتصبت منصة الاستعلامات وقد جلس عليها موظفو الفندق وموظفاته، وكان الرجال يلبسون بدلات خضراء في حين ارتدت النساء الساري الهندي مع الصديري، والاثنان لونهما أخضر، فكنّ يذهبن ويجئن من حولنا كفراشات يطرن في بهجة وحبور.”

أما بالنسبة للشخصيات الكثيرة التي يقابلها باوزير في أثناء رحلته فهو، كما هي عادته في قصصه القصيرة، يحاول أن يكشف لنا عن طباعها من خلال رسم ملامحها الخارجية التي يختارها بدقة. كما أنّ الرحالة باوزير لا يقدم شخصياته إلاّ في سياق درامي؛ أي وهي تقوم بفعلٍ ما. يمكننا أن نلمس ذلك عند قراءتنا للتقديم الآتي لسكرتيرة تعمل في إحدى الشركات: “لما تلفت حولي أبصرت أمامي نافذة صغيرة يطل منها وجه فتاة جميلة.. تفرست فيها برهة قبل أن ألقي عليها سؤالي. كانت قسمات وجهها المستطيل رقيقة جداً. ذقنها مدبب وعيناها واسعتان وشفتاها بارزتان بشكل ملحوظ كمنقار عصفور.. ولما رأتني أمامها أرسلت نظراتها إليّ في استفسار وعيناها النجلاوان ترشقانني بسهامهما، فاضطربت ولم أعرف ماذا أقول، وبأي لغة أخاطب ذلك الطير وأحرجتني نظراتها وأنا واقف أمامها كالصنم” ص 43.
كما أنّ باوزير، لكي يضفي على رحلته مزيداً من الإثارة والحيوية، يلجأ إلى أسلوب السرد القصصي الدرامي ليقدم بعض المعتقدات والعادات الهندية مثلما فعل في السطور الآتية التي تبرز أيضاً قدرة المؤلف على استخدام أسلوب المفارقة الساخرة حتى في المواقف التي تنذر بخطر الموت: “بينما أنا في ذلك الجو الساحر أتابع تدفق الإشعاعات الذهبية وهي تتغير من لونها الذهبي إلى اللون الفضي إذا بعجوز مقبلة في اتجاهي تحمل بيدها صرة رثة ويتبعها ثلاثة صبيان من الشحاذين، وكنت أول الأمر أظن أن هذا الطابور متجه إليّ، لكن المرأة اتجهت إلى مكان آخر من السور غير بعيد عني، واجهت البحر ثم وضعت صرتها على السور أمامها. وظلت واقفة برهة من الوقت تتمتم وكفيها مرفوعان أمامها، ثم فتحت صرتها فإذا بها عدد من الأرغفة وزهرة واحدة وحفنة من النقود المعدنية. ألقت أولاً بالزهرة ثم بالأرغفة وأخيراً بالنقود ثم عادت من حيث أتت. حينها تذكرت أنه العيد، وأن تلك العجوز البائسة قد حرمت نفسها من الغذاء لتطعم معبودها البحر؛ عقل منحرف وعادات غريبة لم يعد لها في زماننا الحالي مكان إلاّ في بومباي. ولاحت مني التفاتة طغت على تأملاتي تلك لأرى أن الأطفال الثلاثة قد وقفوا على السور في تأهب تام لرمي أنفسهم في البحر. قمت مذعوراً محاولاً أن أثنيهم عن عملهم الانتحاري هذا وأنا أحدث نفسي قائلاً: إن تطعم تلك العجوز الحمقاء البحر وتظل جائعة فهذا من شأنها فالموت أرحم لها، لكن ما ذنب هؤلاء الأطفال ليقدموا أجسادهم قرباناً للبحر ويكونوا طعاماً للأسماك؟ وبينما هذه الأسئلة تضج في ذهني، إذا بهم يتقافزون إلى البحر، فوقفت جامداً ومددت عنقي وعيناي تكادان تخرجان من حجريهما من شدة الهلع عليهم، حتى غاصوا في الماء وكادوا أن يغيبوا عن نظري، ثم إذا برؤوسهم تطل على السطح، وإذا بهم يشقون الماء ويتسلقون السور كالقرود ثم انتصبوا أمامي والماء يتساقط من أجسادهم الهزيلة العارية إلاّ من سراويل قصيرة وقبضات أيديهم تتشبث بشيء ما؛ ثم تجمعوا وأخذوا يعدون النقود التي انتشلها من قاع البحر، حينها تبين لي أن هؤلاء الصغار أعقل من تلك العجوز، وأنهم كانوا على علم بأمرها، فهم كل ما رأوا امرأة في طريقها إلى البحر لترمي بنذرها تبعوها وأخذوا النقود التي عادة ما تستقر في الأعماق. تصرفهم الذكي هذا جعلني أوقن بأن بعض المعتقدات القديمة هي في طريقها إلى الزوال. إذا لم يكن اليوم فغداً وعلى يد مثل هؤلاء الصبية” ص53.

ومن العناصر القصصية التي تبعد (أيام في بومباي) من نصوص أدب الرحلات التقليدية: الحــــوار الذي يحتل مساحة كبيرة من النص قد تصل في بعض الأجزاء إلى أكثر من النصف كما هو الحال في الفصل الأخير. ولكي نبيّن أن باوزير يكرس كل تلك المساحة للحوار بهدف إضفاء مزيدٍ من الإثارة والحيوية والطرافة على نصه، يمكن أن نقرأ هذا الحوار القصير:

“لا أدري لماذا ثبت في ذهني في تلك اللحظة أن الرجل سمسار. في أي شيء؟ لم أكن أجزم بشيء محدد. أخذ ينظر إلي وكأنه يريد أن يحدثني بشيءٍ ما، ولكنه كان يحجم في آخر لحظة، حتى ضقت به ذرعاً، وحاولت أن أنهض، لكنه أخيراً نطق وقال بلغة عربية مكسرة:

 -أنت (أربي)؟

-هززت رأسي بالإيجاب.

فقال: – يريد “هرمه”؟

قلت بالهندية: – “ني”.

قال: – بنت مدارس؟؟

قلت بالإنجليزية: – “نو”.

سكت لحظة، ثم نطق بكلمة أغضبتني فقمت وأنا أصيح بالعربي:
– لا..لا..لا!”

ومن أهم التقنيات الفنية التي اشتهر عبد الله سالم باوزير بإجادتها واتقانها: المفارقة والسخرية وقد وظفهما بشكل واسع في نصه الرحلي (أيام في مومباي). مثلا، عندما يتنزه في شاطئ شوباشي يلاحظ أن السحرة والحواة (أصحاب الثعابين) لم يتمكنوا من أداء عروضاتهم على أكمل وجه، ويعلق: “يظهر أن زمن الحواة والسحرة قد ولّى؛ فالساحر في عصرنا الحاضر هو المال، وبالخص الدولار، كبير السحرة”.

وتبرز المفارقة الساخرة كذلك في تقديم باوزير للنفاق الذي يلاحظه في سلوك بعض اليمنيين في مومباي، وذلك حين يروي: “عدت إلى الفندق في العاشرة والنصف، وما أن وصلت الطابق الثاني وإذا بي أسمع صوت أذان. تعجبت وسألت أحد اليمنيين الساكنين بجانب غرفتي عن مصدر هذا الأذان، فقال لي إن هذا هو صوت الحاج محسن، فهو هكذا كل ليلة يبدأ شرب الخمر في غرفته من بعد المغرب، وبعد أن تلعب الخمر برأسه وينتشي تماما يؤذن لصلاة العشاء ثم يصلي صلاة العشاء جماعة مع ابنه”. ص82

وهذا النفاق المرتبط بتعاطي الكحول يلاحظه باوزير كذلك في سلوك معظم رفاق رحلة عودته بالطائرة بين مطار الكويت وصنعاء، ويصوره لنا بطريقته الساخرة على النحو الآتي: “تلفت حولي لأجد أن عددا من الأخوة اليمنيين يحتلون أغلب مقاعد الطائرة، ولما سألت أحدهم قال لي إنهم وفد حكومي عائد من بغداد. وما أن امتطت الطائرة الهواء وأخذت لها مكانا تسبح فبه إذا بمضيفة عراقية حسناء أقبلت على ممر الطائرة وهي تدفع أمامها عربة مليئة بأنواع عديدة من الخمور.. وتفتحت أعين الجميع عن آخرها لتلتهم اللحم الأبيض، في حين امتدت أيدي البعض منهم إلى قناني الويسكي والبيرة وجعلوا يعبون الخمر عبا، وكان بجانبي من الجهة اليمنى رجل كبير السن يرتدي قميصا صوفيا ومشدة على رأسه، ويحمل فوق فخذيه بطنا كبيرا، وكان يسكب البيرة في حلقه علبة بعد علبة، حتى أنني كنت أسمع قرقرتها وهي تصب في معدته حتى أتى على كل العلب التي أمامه وكان كلما شرب علبة تجشأ رافعا كرشه إلى الأمام وقال: الحمد لله. وهكذا ظل يعب البيرة ويتجشأ ويحمد الله حتى أتى على أكثر من عشر علب بيرة، وألقيت نظرة على أغلب من بالطائرة فإذا بالجميع سكارى ما عدا أنا والرداعي”. ص137

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *