الرحلة في رواية (الشقيقة)

الشقيقة

الرحلة في رواية (الشقيقة) لمحمد مسعد

مسعود عمشوش

الرحلة جنس تتداخل فيه كثير من المجالات المعرفية والتعبيرية: الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدين والسياسة والأدب. لهذا تحظى نصوص الرحلات باهتمام عدد كبير من الدارسين والباحثين من مجالات مختلفة. وأدب الرحلات يُعد أحد أهم مجالات الأدب المقارن الذي يدرس صورة الشعوب والبلدان في الآداب، وكذلك الدراسات الثقافية التي تدرس تمثيل الآخر.

وعادة لا تصل إلينا إلا الرحلات التي يقوم بسردها شفاهةً أو كتابياً رحالة لديهم قدرة على التعبير. لهذا فالرحلة هي بالضرورة نص سردي يحكي فيه مسافر ما أحداث انتقاله من مكان (هنا) إلى مكان آخر (هناك) والعودة، ويسجل ويصف ما شاهده وعاشه، مازجا السرد والوصف بمشاعره انطباعاته حول (الهناك) والناس الذين قابلهم فيه.

وبوصفها نصا وخطابا تدخل الرحلة ضمن الأجناس الأدبية. ويؤكد على أدبية جنس الرحلة الناقد المغربي عبد الرحيم مؤدن في دراسته (رحلة أدبية أم أدبية الرحلة؟)، هو يكتب أن “الرحلة جنس أدبي قائم بذاته استنادا إلى تراكم كمي وكيفي ميزه عن غيره من النصوص دون أن يعني ذلك قطيعة مطلقة بين مختلف الخطابات السائدة في مرحلة محددة، وفي هذا السياق تسعفنا بعض الأطروحات الشكلانية الرافضة لنقاء النوع [الجنس الأدبي]. فالرحلة تحمل القليل أو الكثير من الخطاب التاريخي والجغرافي وعلم الأطوال والعروض، كما أنها -من ناحية أخرى- قد تحمل القليل أو الكثير، من الخطاب السردي عبر محكياته الحكائية أو الأوتوبيوغرافية، إلى غير ذلك من الخطابات الشعرية والنثرية”.

ومثل الأجناس الأدبية الأخرى تتميز الرحلة بعدد من السمات النوعية، أهمها هيمنة تيمة السفر التي تظل المحور الرئيس للنص الرحلي وتبرر الشروع في السفر، واعتماد تقنية السرد الذي يغطي مساري الذهاب والإيجاب ويأتي في الغالب بضمير المتكلم، مع ترك مساحة واسعة للوصف الذي يشمل المكان والإنسان، والعجيب والغريب. وتبحث معظم نصوص الرحلات، إضافة الى سعيها (أو زعمها) تقديم عدد من المعلومات العلمية، الجغرافية والتاريخية والعمرانية والدينية، عن كسب صبغة أدبية تمكنها من جذب القارئ، وليس من خلال جمال الأسلوب فقط، لكن كذلك بواسطة المبالغة في إضافة العناصر الغرائبية والعجيبة، وعدد كبير من الصور والرسومات والخرائط.

ومنذ القدم اقترنت الرحلة الخيالية بالرحلة الواقعية، أذ وظف كثير من الأدباء شكل الرحلة ليعبروا عن رؤاهم وأحلامهم وآمالهم وطموحاتهم وتصوراتهم للجنة والنار، وللعالم الآخروي والسفلي والأسطوري، وكذلك لعالم المستقبل. ومن أقدم النصوص الرحلية الخيالية: النص السومري الذي يروي الأسطورة التي تتحدث عن رحلة الربّة (إنانا) إلى العالم السفلي. وتُعد (الأوديسه) من أهم نصوص الرحلة الخيالية التي تتكي على الأساطير اليونانية. وفي الأدب العربي القديم لدينا (المقامة الإبليسية) لبديع الزمان الهمذاني، و(التوابع والزوابع) لابن شهيد، و(رسالة الغفران) التي تأثر فيها المعري بقصة الإسراء والمعراج ليصور رؤيته للجنة والنار. وحظيت رحلات السندباد البحري في (ألف ليلة وليلة) بشهرة عالمية واسعة.

وبسبب النجاح الكبير الذي حققته نصوص الرحلات الواقعية بين القراء في الغرب سارع عدد من الكتاب بتوظيف الرحلة في نصوصهم الروائية الخيالية. ففي القرن الرابع عشر ظهر (كتاب عجائب الدنيا) الذي ألفه جان دي ماندفيل زاعما أنه نص يروي رحلة واقعية للرحالة ماركو بولو. وفي القرن الثامن عشر ألف دانيل ديفو روايته الشهيرة (روبنسون كروزو). وفي القرن التاسع عشر وظف الروائي الفرنسي جول فيرن الرحلة في عدد كبير من نصوصه التي تعد من أولى روايات الخيال العلمي، منها: (حول العالم في 80 يوما)، و(رحلة إلى مركز الأرض).

وفي الصفحات الآتية رأينا أن نسلط الضوء قليلا على الكيفية التي وظف بها الروائي محمد مسعد بعض أنماط الرحلة في روايته (الشقيقة، من منشورات نادي السرد عدن 2018)، والطريقة التي مزج بها الرحلة في العالم الدنيوي (الواقعي) مع الرحلة إلى العالم السفلي، وكيفية جعل العالم السفلي تؤما للعالم الآخروي: جنة إرم في باطن الأرض هي شقيقة الفردوس في العالم الآخر. وفي الجزء الأخير من القراءة سنحاول أن نبيّن الطريقة التي يبرّر بها الراوي مزجه بين هذين العالمين.

أولا- التنقل بين العالم الحقيقي والعالم السفلي:

في (الشقيقة)، قبل أن يشرع الراوي محمد وصاحبه عبد الله العضرب فيما يسميانه “رحلة الجنون” من قرية المحجر في الضالع إلى إرم ذات العماد، شقيقة الفردوس، حاولا أولا أن يقوما برحلة في السماء؛ “يوما ما صنعنا طائرتين شراعيتين – يقول محمد –  وطرنا بهما من أعلى شمروخ من شماريخ جبل العروس الذي تربض وادعةً تحت قرية المحجر. لم يذهب بنا الطيران بعيدا، لكننا حلقنا وعرفنا ما معنى أن تحلق في الجو، فالذين يعشقون التحليق ليسوا كالذين يحبون الهبوط والعيش بسلام في أدنى المستويات، وأخذنا نهبط ببطء حتى استقرينا بذي العفير، فانكسرت ذراعي وانكسرت ساقه لأن الارتطام في الأرض كان شديدا”. كما قاما الصديقان برحلة برية إلى المملكة العربية السعودية بدراجتين ناريتين، وسجنا هناك وتمّ ترحيلهما جوا. ص10

وفي أحد الأيام قرر الراوي محمد أن يمتلك سيارة، وبفضل تدخـُّـل العضرب اقتنع أبوه أن يشتري له سيارة لاندكروزر من بازرعة بـ 75 ألف دولار. ولكي يتم “تسليكها” سمح له أن يقوم هو وعبد الله العضرب برحلة برية إلى حضرموت والمهرة لكنه اعتذر عن مرافقتهما. وقبل أن يشرع في سرد أحداث الرحلة يشير الراوي إلي كتاب (العزيف)، الذي يطلق عليه باللغة الإنجليزية: (نيكرونوميكون (Necronomicon، وهو كتاب خيالي ذكره كاتب الرعب الأمريكي لافكرافت في عدد من قصصه. ويقال إن مؤلف الكتاب شاعر عربي اسمه عبد الله الحظرد وكان يعرف أيضا باسم العربي المجنون. ويتحدث الكتاب عن الكيانات والمخلوقات القديمة وتاريخها وكيفية الاتصال بها واستحضارها.

وهذه الإشارة تدفعنا إلى القيام بمضاهاة بين عبد الله العضرب وعبد الله الحظرد الذي يقدمه الراوي محمد على النحو الآتي: “عبد الله الحظرد أو المجنون العربي، هو شخصية عربية ألف كتاب (العزيف)، وهو شاعر وساحر يمني ظهر سنة 700م في فترة حكم الأمويين، زار خرائب بابل، وجاب العالم كله تقريبا، ويقال إنه قضى عشر أعوام بمفرده في الربع الخالي. وتكلم في كتابه (العزيف) عن أشياء عجيبة منها أنه رأى مدينة إرم ذات العماد التي تقع في منطقة الأحقاف بين وادي حضرموت وعمان، وهي مدينة سيدنا هود عليه السلام، والتي يقال إن قومها هم نسل ملوك جرهم الذين عمالقة قبل الطوفان. وزعم الحظرد أنه تقابل مع الجن والشياطين والكيانات القديمة ومنهم تعلم السحر وأسرار وخفايا الموتى”. “. ص14

وعندما يناقش محمد موضوع الكتاب مع صديقه عبد الله العضرب يؤكد له هذا أن العظرد لم يقم إلا بترجمة الكتاب الأصل إلى لغة المسند وأن الكتاب موجود في صندوق من خشب السدر الأحمر في “مدينة الحلم: إرم ذات العماد”. ويرد عليه محمد: “ما دمنا سنسافر غدا إلى حضرموت والمهرة لِمَ لا نمر بإرم ونستخرج الكتاب، عفوا قصدي نصور الكتاب؟” ص24

وبعد أن استمع الراوي محمد لتقديم عبد الله العضرب للمدينة، يقول: “قررت خوض المغامرة مع عبد الله نحو مدينة الحلم، نحو إرم، نحو شقيقة الفردوس، لعلي أجد عالما غير هذا العالم الذي يعجز عن تحقيق طموحي..”ص27

وكانت عدن هي المحطة الأولى في رحلتهما نحو الشقيقة، وفي الطريق إليها يكشف العضرب لمحمد أن بئر برهوت الواقعة شرقي مدينة تريم في وادي حضرموت هي المدخل إلى مدينة إرم ذات العماد التي تقع في باطن الأرض، ويشرح له بعض المصاعب التي سوف يواجهانها للوصول إليها، وينبهه: “أنا اليوم معك يا محمد. وغدا ستكون بمفردك. الطريق إلى إرم هي بئر برهوت، هذه البئر عمقها تحت سطح الأرض ثلاثة آلاف متر، فهي مع إرم في مستوى واحد، وبينها وبين إرم سرداب لا يتجاوز طوله عشرين كيلومترا، لكن المشكلة أن وسط السرداب صخرة معدنية ضخمة تسده، تلك الصخرة هي آخر مشكلة، من تجاوزها نجا ومن لن يتجاوزها هلك”. ص35

وفي عدن يقومان ببعض الترتيبات وشراء عددٍ من متطلبات السفر ويتجهان شرقا، ويمران بشقرة، ويصلان المكلا. وفي إطار الترتيبات للوصول إلى الشقيقة يتواصل الراوي وصديقه العضروب بالساحر ابن عيشوت في مدينة المكلا، وفي سيؤن يلتقيان بالساحر ابن كلفوت الذي ينادي العضرب بالملك، ويستأذنه لعلاج امرأة مصابة بالسحر.

ومن خلال سرد الراوي لسفرهما من المكلا إلى وادي حضرموت يتبيّن لنا أنه لا يلم جيدا بجغرافية العالم الدنيوي الذي يسافران فيه؛ فهو يذكر أنهما، بعد تحركهما من المكلا، وصلا إلى قرية (هود) قبل أن يصلا إلى تريم، وسيؤن (التي يلقبها بالغنّا)، في وادي حضرموت. وعندما يسرد انتقالهما من سيؤن إلى دوعن (وهو يتحدث عن مدينة دوعن بدلا من وادي دوعن الذي يقع غرب سيؤن)، يقول إنهما اتجها شرقا وليس غربا. ويذكر أن بئر برهوت، التي تتوسط سهل جبلي بالقرب من قبر نبي الله هود، تقع وسط الصحراء.

ووسط الصحراء يعثران على بئر برهوت، وعبر فوهتها ينزلان إلى باطن الأرض، ويصلان إلى السرداب، وبعد أيام من المعاناة، ينجحان في إبعاد الصخرة، ويصلان إلى الشقيقة. وسرعان ما يتعرف المسافران على سكان إرم. وهم قوم هود. وبفضل جمال الطبيعة والنساء يستعيد العضروب، الذي كان لا يملك جهازا تناسليا في المحجر، رجولته ويتزوج من أربع نساء، ومثله فعل محمد. وبفضل زوجاتهما يتمكنان من القيام برحلة داخل الشقيقة وبرزخها على ظهر (الميل) الذي يذكرنا بالبراق. ويظلان يعيشان حياة لهو وبذخ في هذه الجنة الأرضة، إلى أن أحمر ماء بحيرة السعادة ونادى المنادي بأن على قوم هود مغادرة إرم إلى بلاد الشام وأنهم أصبحوا أناسا يموتون وسيبعثون يوم القيامة. ويفسر يزيد، أحد السكان، هذا التغيير قائلا: “الحمد لله على كل حال. والصلاة والسلام على نبي الله هود. طالما قد احمرّت البحيرة، وأصبح ماؤها يشبه الدم، فهذا نذير شؤم، وهذه هي العلامة الأولى لخروج قوم يأجوج – عليهم اللعنة -، والعلامة الثانية هي خروج الدخان من ثقب يأجوج، والثانية لا تلحق الأولى مباشرة، بل تحتاج إلى قنابيس، وعلينا من الآن أن نستعد للخروج من هذه الأرض لنلحق بعيسى بن مريم في بلاد الشام، لننشر التوحيد معا، ونعيش ما بقي بنا من عمر، ونموت ككل الناس وندفن، وننتظر القيامة لنعود إلى الجنة، التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”. ص203 وما هي إلا أيام وبدأ الدخان ينبعث من فتحة يأجوج. ويضطر الصديقان من بدء رحلة العودة، على ظهور الميول الطائرة، عبر السرداب ومنها إلى فتحة بئر برهوت ومنها إلى تريم، وهذه المرة مع جميع سكان الشقيقة، ومن خلفهم قوم يأجوج مأجوج. ويحكي الراوي محمد الحدث: “اقتربنا من تريم، وإذا الناس والنساء يحيطون بالساحة، لم يبق في تريم صغير ولا كبير إلا خرج لملاقاتنا. هبطنا في الساحة والناس تكبرّ: الله أكبر، جاء الحق وزهق الباطل، فكبرنا: الله أكبر وللحمد، الله أكبر ولله الحمد. كان الناس يشكلون سورا يسور الساحة، بأيديهم الكاميرات والهواتف، يصوروننا، والفضائيات تنقل مشهدنا بشكل مباشر، تقدمت ثلاث قنوات منها بميكروفوناتها، كانت: قناة العربية والجزيرة وسكاي نيوز..”. ص215 وبواسطة الميل يواصل الصديقان ومن معهم من سكان الشقيقة السفر من تريم إلى مكة ثم المدينة، ومنها يتوجهون شمالا إلى بلاد الشام لمساندة جيش التوحيد في دحر عبدة الشيطان وجماعة المسيح الدجال. وبعد معركة شرسة استخدمت فيها جميع أنواع الأسلحة، واستشهد العضرب، يتمكن تحالف أهل التوحيد من هزيمة أعدائهم.

ثانيا- المقارنة بين العالم الدنيوي الحقيقي والعالم السفلي:

من الطبيعي أن يسعى الراوي محمد لتوظيف وجوده (هناك) في العالم السفلي، المضاهي للعالم الآخروي، ليقدم لنا عددا من رؤاه حول مختلف ظواهر الحياة في المكان الذي أتي منه (قرية المحجر في الضالع)، أو العالم الدنيوي، الذي يسميه: “عالم الزيف”، وذلك من خلال القيام بسلسلة من المقارنات بين المكانين، وسكانهما.

ويقدم لنا الراوي وصفاً مطولاً للطبيعة في الشقيقة إرم ذات العماد، التي يتضح لنا أنها أجمل بكثير من الطبيعة في الضالع على الرغم من أنها تقع في باطن الأرض.  فعندما ينظر محمد من شرفة قصر زوجته الأولى مرجانة شاهد “بديع أرض إرم شقيقة الفردوس. شاهدناها تحتزم بذلك الجبل الدائري الشاهق الذي لا نهاية له، ثم تحتزم بتلك القرى المتراصة التي تقع على سفحه، حيث تجري عيون الماء في تلك السواقي اللؤلئية باتجاه الوديان المنخفضة، ثمة صخور ذهبية وفضية تبرق، وأخرى يغطيها العشب فتبدو كأنها كراتٍ خضراء، ثمة بحيرات زرقاء صافية، في تلك الوديان”. وتخبره مرجانه: “نحن لا نقطع تلك الصخور يا محمد. هناك برك فيها الذهب المسال، وبرك فيها الفضة المسالة، وبرك فيها النحاس المسال، وبرك فيها الزجاج المسال”. وبعكس طبيعتنا لا تحتوي طبيعة إرم إلا على كل ما هو مفيد للناس؛ يقول العضرب: “لا يوجد في هذه الأرض أي حيوان مفترس مطلقا، ولا حتى الكلاب، لا قطط، ولا فئران، ولا قرود، ولا حشرات إلا الفراش والنحل فقط. بل أني علمت أن أغلب حيواناتها من الخيل والأغنام والوعول والغزلان والأرانب والبقر والفيلة وحيوانات أخرى اسمها الميول ومفردها ميل، وهي أكثر استخداما، وهي خيول وطيور في الوقت نفسه، يمتطيها الناس ويسافرون بواسطتها برا وجوا، ولها أجنحة يغطيها الريش، وهي تجري أيضا بأربع قوائم بسرعة تتفوق فيها على الخيول. وهي تشبه الخيول حين تضم جناحيها، وتشبه الطيور حين تضم قوائمها وتفرك جناحيها طائرةً في الجو”. ص84-85

وهناك كثير من الاختلافات بين عادات الناس في المكانين. منها، مثلا، كيفية أداء الصلاة؛ ففي الشقيقة، “ليس في الصلاة غير التكبير.. الله أكبر فيضم الناس أيديهم، الله أكبر يركعون، الله أكبر يقومون من الركوع، الله أكبر يسجدون، الله أكبر يقومون من السجود، وفي كل تكبيرة يكبرها الإمام يكبرون بعده، والإمام أكبر الناس عمرا. صعد الإمام المنبر وقال: الحمد لله ولا إله إلا الله، والصلاة على نبي الله هود. ها هو الله قد طهّر عبدين من عباده..”. ص145

وبالنسبة للمأكولات، تمتع المسافران في إرم بأشهى الأطباق؛ وعندما قدمت زهرة لزوجها العضروب خبزا يعلق الزوج قائلا: “حاشا الله ما هذا بقمح، بل هو شيء عجب. تخيّل لو أن رائحته هذه انبعثت من بيت عمي صالح في المحجر بهذا الشكل، لو شمّ أهل المحجر هذه الرائحة المثيرة للشهية التي لا تقاوم لجاءوا يهرعون كما تهرع القطط حين تشم رائحة السمك”. ص142

وعلى الرغم من وجود كل ما لذَّ وطاب في الشقيقة فالمسافران الضالعيان استطاعا أن يؤثرا في سكان الشقيقة وعلموهما جلسات شرب الشاي وأكل العصيد ومضغ القات. فمحمد والعضرب لا يمكنهما نسيان القات في تلك الفردوس؛ لهذا يقول العضرب لصديقه: “ألم أقل لك إن هذه البلاد فيها كل شيء جميل؟ لا بد أن يكون فيها القات. ها هو الشاي قد وُجِد. وبقي القات، سنجده لا شك”. ويضيف محمد: “أخذنا نشرب الشاي مستمتعين بمذاقه، وشرحنا لهن ما هو القات؛ شجرته، لونه، غصونه، أوراقه، سوقه، مفعوله. وبينما نتحدث إذ جاء بديع وينبع لزيارة أختيهما. إنهما صديقان حميمان، ورحبنا بهما كثيرا. قلنا لهما: تفضلا معنا سوادي. وأخذنا نشرح لهما عن القات لعلنا نجد عندهما خبرا عنه. قال بديع: لعل هذه الغصون هي الغُلب. وأخذ يشرح لنا تلك الأشجار العملاقة وغصونها وأوراقها. وقال العضروب: شجرة القات ليست بهذه الضخامة، لكنها قد تكون كذلك هنا. وتركنا النساء في البيت وهممنا بالذهاب على عجل، لا صبر لنا. ركبت خلف بديع وركب العضروب خلف ينبع، وانطلقنا إلى وادي القات. والميلان قريبان من بعضهما.. وحين اقتربنا من حقول الغلب شممنا رائحة القات التي لا تقاوم، فرك الميلان أجنحتهما وانحنيا يسارا وهبطا معا بشكل دائري بديع يدل على احتراف سائقيهما، كأنهما طائرتان سيخوي روسيتان. دخلنا في تلك الحقول وإذا هي غابة ممتلئة بأشجار القات، ويصل حجم الشجرة إلى مستوى شجرة السدر في عالم الزيف، وإذا غصونها غضة طرية حمراء ذهبية، وجميعها منحنية باتجاه الضوء، وكأنها تصلي للضوء، هي تدرك أنه من نور الله. الضوء معبود لأغصان القات الغضة حتى في عالم الزيف، لكنها هنا أكثر انحناء وخضوعا وخشوعا. صعدت والعضروط شجرة القات كأننا قردين، فقطفنا غصنين على عجل ومضغناها بشراهة واستمتعنا بخشخشتها بين أسناننا، وكم كانت فرحتنا حينما تأكدنا أن ذلك كان قاتا… وذهبنا إلى البيت، وقلنا لحبيباتنا: نريد اليوم غداءً مختلفا، له علاقة بالكيف والنشوة والتأمل الذي يمنحه القات لمتناولة.. القات يحتاج شيئا من عصيد ومرق وحلبة وسحاوق وبسباس وطماطم وثوم ونعناع وبقدونس وكزبرة. ويحتاج شيئا من خضار؛ كراث وفجل وخيار وملفوف. ذهبت زهرة وجلبت كل ذلك إلا الحلبة التي يمكن الاستغناء عنها”. ص176-177

وكان الراوي قد أشار في بداية الرحلة أنهما قد احتاطا بكمية من القات المسحوق والعسل واستخدماه غذاء منشطا مثلما فعل أبطال جول فيرن بالأقراص المغذية في رواية (رحلة إلى مركز الأرض).

ومن العادات الاجتماعية التي يركز عليها الراوي محمد في الشقيقة: علاقة الرجل بالمرأة، ففي الشقيقة يتزوج الرجل من أربع نساء يعشن معه تحت سقف واحد دون أية غيرة أو كراهية. ويؤكد الراوي محمد أن إقامته في الشقيقة قد ساعدته على تطهير نفسه وتخليصها من النفاق والزيف الذي كان يعاني منه في عالمه الدنيوي فوق سطح الأرض، لهذا قرر أن يصرف النظر عن رغبته في تصوير كتاب (العزيف)، ويتخلص كذلك من هاتفه المحمول، قائلا: “يجب أن نتحرر من عالم التزوير والزيف، ورميت به باتجاه المنحدر، فلا حاجة لي به، كنا نريده لتصوير كتاب العزيف، وإذا بالعزيف أصبح زيفا. وما عدت أريد أن أراه، ففيه من الشر ما لا يقبله قلب نقي كقلبي الآن”. ص171 ومن المؤكد أن طريقة مزج الراوي بين المقولات الدينية وأطروحات فرويد النفسية ستبدو صادمة لبعض القراء.

ثالثا- تبرير المزج بين الوهم والحقيقة في رواية (الشقيقة):

لا شك أنّ محتوى رواية (الشقيقة) يمكن أن يبدو صادما لعددً من القراء، وهو قابل لتأويلات عدة ومختلفة. لهذا حرص الراوي على جعل هذا المحتوى في خانة الهلوسات المرضية مرةً، وفي خانة (أحلام الغيبوبة) مرةً أخرى. ففي الصفحة الثالثة من هذه الرواية/الرحلة يحاول الراوي محمد أن يبرر مزجه بين الوهم والحقيقة، بين العالم الواقعي والعالم الخيالي، وبين العالم الدنيوي والعالم السفلي الآخروي، مؤكدا أنه كان في صغره يعاني من نوبات صرع وإنه لم يشف منها، وقال: “ذهب بي أبي إلى أطباء كثر. وأخيرا ذهب لطبيب نفسي أقنعه أنه لا شفاء لي، لأني مصاب بمرض يجعلني أخلط بين الحلم والواقع، وهو مرض نادر الحدوث، فأنا أعيش بعقلين معا؛ العقل الباطن والعقل الواعي في الوقت نفسه، أي أني أعيش الواقع وحلم اليقظة على وجه الحقيقة في الوقت نفسه، وكانت تنتابني موجة صرع شديدة وأدخل في غيبوبة”. ص5

ولكي يؤكد لنا البعد اللاواقعي لما سرده، يفاجأنا الراوي في نهاية النص، ويبيّن لنا أن كل ما سرده ليس إلا مجرد أحلام قالها وهو في حالة غيبوبة سبّبها له ورم في رأسه. وبعد أن أجريت له عملية جراحية في إحدى مستشفيات القاهرة استعاد وعيه، ويقول: “صحوت فجأةً، فرأيت العضروط وأبي واقفين فرحين مستبشرين. قلت متعجبا:

– أبي؟ العضروط؟ أهلا. سبحان من يحيي العظام وهي رميم. كيف عدت من الموت يا عضروط؟ فاستغرب من قولي.

– أي موت يا محمد؟ وما حكاية العضروط هذه؟

– ألم تستشهد في معركة الدجال الفاصلة؟ ما هذه السرر الغريبة؟ كأني في مشفى! أين أنا؟ هل أنا في حلم؟ ما الذي جاء بي إلى هنا يا عضروط؟

ضحك العضروط.

– لما تضحك؟

أضحكتني كلمة عضروط. من أين جئت لي بهذا الاسم؟

-هل نسيت عنبروت؟ الذي فضح اسمك الحقيقي. تبسم قليلا.

– عنبروت من هذا عنبروت؟ أو لتتركنا منه. الحمد لله إذ عدت إلينا.

-أين أنا؟

– في مصر. أنت في المشفى.

– وما الذي جاء بي من الشقيقة؟

–  …….

– لمَ لا تتحدثا إلي؟ خرج العضروط، فقال أبي:

– أهدأ يا محمد.

– ما الذي جاء بي من الشقيقة؟

– أنت هنا منذ أحد عشر شهرا.. دخلت في غيبوبة، ولم تفق منها. فأتينا بك إلى هنا، وعمل لك الأطباء عملية أزالوا ورما صغيرا كان في دماغك، وها أنت قد عدت إلينا.

فقمت جالسا وصحت بكل ما أوتيت من قوة: لا هذا غير صحيح. لا تكذبوا عليّ. أين زوجاتي؟ وأخذ أبي يهدئني ويبكي. فجاء العضروط والأطباء يهرعون ونظر أحدهم إليّ مبتسما:

-حمدا لله على سلامتك بنيّ. قال أبي:

-إنه ما زال يهذي.

-أنا لا أهذي يا دكتور. لم أكن في الخيال أبدا. كنت مع زوجاتي وأصدقائي في إرم، ثم حاربنا الشرك مع عيسى ابن مريم واستشهد العضروط. لا لم أكن في وهم أبدا.

-أهدأ. نعم. أنت عشت تلك المشاهد. من قال لك إنك لم تعشها. عشتها. لكن في عقلك الباطن، وهي تصوراتك لما يجب أن يكون عليه العالم، أعني عالمك الذي كنت تحلم به في يقظتك. فحققته في غيبوبتك”. ص244-245

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *