الرائدة الحضرمية سلامة عبد القادر بامطرف

aaaaslamah

مسعود عمشوش
ولدت الرائدة الحضرمية سلامة عبد القادر بامطرف رحمها الله في مدينة الشحر سنة 1933، وانتقلت مع أسرتها إلى المكلا عندما انتقل عمل أخيها محمد عبد القادر بامطرف إلى المكلا. وهناك التحقت بالمدرسة الأهلية التي أنشأتها دورين انجرامز زوجة المستشار البريطاني هارولد انجرامز، وكانت تلك المدرسة تقع في دار باجنيد المطلة على مسجد عمر من جهة الشرق.

وبعد قدوم الخبير التربوي السوداني الشيخ سعيد القدال إلى حضرموت التحقت سلامة بامطرف بالمدرسة الابتدائية للبنات التي كانت تديرها المربية الرائدة المرحومة فاطمة عبدالله الناخبي. وعندمـا أنهت سلامة الدراسة بتفوق انتدبت للتدريس في المدرسة التي تخرجت منها، وظلت تمارس مهنة التدريس إلى أن تزوجت من المرحوم أحمد سعيد حداد الذي كان متعهد صحف وكتب ووكيلا في حضرموت لمؤسسات النشر في مصر ولبنان. وقد وفر أحمد سعيد حداد لسلامة مختلف أنواع المطبوعات التي تصله من الخارج، كتبا وصحفا ومجلات، وهو ما أكسبها ذخيرة علمية وثقافية عالية، تميزت بفضلها عن معظم زميلاتها في حضرموت، واستطاعت بواسطتها الإسهام في اقتراح عدد من الحلول لمشاكل التخلف والجهل التي كانت المرأة في حضرموت تعاني منها.
كما شجعها كل من زوجها أحمد سعيد حداد وأخيها محمد عبد القادر بامطرف على توصيل أفكارها تلك إلى بنات جنسها من خلال الكتابة في الصحف المحلية التي كانت تصدر في حضرموت قبل الاستقلال، مثل الطليعة والرأي العام. وكانت توقع كتاباتها بـ (س ع ب). ومن أهم القضايا التي طرحتها في الصحف: تأسيس نادي ثقافي للمرأة، وتحديد النسل، وحق ابتعاث الطالبات للدراسة في الخارج لمواصلة تعليمها أسوة بأخيها الطالب، وقد وافقت إدارة المعارف حينها على هذا الطلب الأخير وغادرت دفعات من الطالبات الحضرميات للدراسة في السودان والعراق وعدن، وبالمقابل رفضت السلطات المحلية طلبها بتأسيس نادي ثقافي للمرأة في المكلا.
وقد نشرت سلامة بامطرف في صحيفة (الرأي العام) عددا من المقالات، معظمها في باب خاص يحمل عنوان (من وراء النوافذ المغلقة). ومن أبرز تلك المقالات التي نشرتها في تلك الصحيفة: أفكار جداتنا لم تعد مناسبة لنا، المرأة ليست ناقصة عقل ودين، عدم استقرار المرأة العائلي سبب المحنة الأخلاقية، إلى القارئات، دعوا الفتاة تتعلم في الخارج، جنبي طفلك الخوف، أول مظاهرة تقوم بها الفتاة الحضرمية، ونحن بحاجة إلى تنظيم النسل، و(الكاتبات مرة أخرى) الذي قالت فيه: “أنني أتساءل عن السبب الذي من أجله تتقاعس سيداتنا عن الكتابة في الصحف المحلية، ولماذا يفضلن لأفكارهن أن تتوارى هكذا خلف تجاويف عقولهن. أهو الخوف من ألسنة الناس؟ أنني أعرف أن لسان المجتمع لا يرحم، وبخاصة مجتمعنا النسائي الذي تمثله الأغلبية الساحقة من المواطنات اللاتي شاءت لهن الظروف القاسية أن يبقين على ما هن عليه من الجهل المطبق على عقولهن إلى الحد الذي لا يفرقن معه بين الصالح والطالح. بل أني لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت إنهن قد يتمادين في الإساءة إلى كل من تحاول أن تطالب بفك قيود العبودية عن أعناقهن، لكن الخوف في رأيي هو مصدر من مصادر عدم الثقة بالنفس، لذا يتحتم علينا ونحن نخوض هذه التجربة أن نتزود بالثقة والاعتداد بالنفس. كما ينبغي أن ننظر إلى الأمور دائما من خلال زاوية أكثر واقعية، فنحاول أن نضع أعصابنا في ثلاجة، وذلك تقديرا للظروف القاسية التي جعلت من المرأة الحضرمية عدوة لنفسها. ألا ليت سيداتنا يفقهن حقيقة الدور الذي ينبغي على المرأة أن تعد نفسها له، يفقهن أن الواجب يقتضي أن نهب لنصرة الحق يدا واحدة، ليتهن يفقهن ويؤمن أن استخلاص حقوقنا المهضومة أنما يتوقف على توحيد كلمتنا وتكتل صفوفنا”. الرأي العام ع15 أغسطس 1963.
ومن المؤكد أن سلامة بامطرف كانت تمتلك موهبة أدبية رفيعة، وقد نشرت في الأعداد الأولى من صحيفة (الرأي العام) ثلاث قصص قصيرة هي (شبع وبطرة) و(وتجدد الحب) و(المفاجأة). وممكن الإشارة هنا إلى أن تلك النصوص تتميز بأسلوب لا نجده في القصص القصيرة الأخرى التي نشرت في ستينيات القرن الماضي. ففيها وظفت المؤلفة تقنية تعدد الأصوات التي نظّر لها ميخائيل باخيتن. فالراوي في قصة (شبع وبطرة) مثلا، يمارس القص باللغة الفصحى، لكنه، يتيح لأصوات الشخصيات أن تبرز في ثنايا صوته. لهذا نعثر في تلك القصة القصيرة الشيّقة على عدد من أجمل مفردات اللهجة المكلاوية، ليس في الحوار فقط لكن داخل السرد أيضا.
وتقديرا للدور الريادي لسلامة عبد القادر بامطرف في تعليم الفتاة والكتابة الصحفية في حضرموت كرمتها اللجنة الوطنية للمرأة سنة 2005 ومنحتها درع الريادة في مجال الصحافة. ولم تتذكرها الدولة بعد. هذا وقد توفيت الرائدة سلامة بامطرف بمدينة المكلا، يوم الجمعة الثاني من رمضان سنة 1436 هجرية الموافق للسابع عشر من يوليو عام 2015م.
قصة (شبع وبطرة) لسلامة عبد القادر بامطرف
“أخذت صفيّة تمطر ضيفاتها بوابل من عبارات الترحيب المختلفة، التي حفظتها عن ظهر قلب من صويحباتها المكلاويات والشحريات والدوعنيات والنجديات. ورددت أكثر من مرة في حفاوة بالغة هذه العبارات: يا حيّا بكم، يا مرحبا بكم.. يا حيّتين يا مرحبين، ألف يا مرحبا بدحقتكم، آنستوا وارحبتوا.
ثمّ جلست بينهن تتبادل معهن الأسئلة التقليدية المطوّلة عن الصحة والعافية والصغيّرين، والقريبين والبعيدين. ومضى بعض الوقت وهن يتنقلن بالحديث من موضوع إلى آخر، وتردد في أرجاء المسكن الصغير صدى ضحكاتهن الرنانة، وأصواتهن الجذلة. وبدت صفية في قمة السعادة وهي تستمع إلى كلمات الثناء والإعجاب من ضيفاتها؛ فقد كان المنزل على صغره متسما بالطابع البسيط الأنيق، وكانت ملابس صفية أيضا في غاية البساطة والذوق.
وقد خطر لصفية ساعتها أن تقوم بتسجيل الأحاديث الشيّقة التي تدور بينهن، وكان أن أسرعت إلى جهاز تسجيل يقبع فوق منضدة مربعة الشكل، فأزاحت عنه الغطاء وأوصلت به سلك الميكروفون بعد أن جعلته في موضع يسمح له بالتقاط الأحاديث. ثم التفتت إلى الحاضرات وحاولت لفت أنظارهن إليها، وقبل أن تفعل تناهى إلى سمعها صوت والدتها مناديا لها من المطبخ، وبغير وعي مدّت يدها إلى الجهاز وأدارته. ثم أسرعت تلبي نداء والدتها. وعندما قالت لها أمها أن القهوة طيّار وجدت نفسها تنسى كل شيء عن الجهاز وتنهمك في إعداد أطباق الأكل الشهية تكريما للضيفات.
وفي تلك الأثناء، في الغرفة التي تجلس فيها الضيفات، لاحظت أحداهن اختفاء صفية، فقالت موجهة الحديث إلى الأخريات: أيه وين صفية؟ وتنبهت الحاضرات فتلفتن هنيهة، وقلن: صدق وينها؟ وصمتن برهة، ثم انبرت إحداهن قائلة: شفتي البخت الزين لي معاها؟ وردت أخرى أكثر سلاطة في اللسان: بسم الله شاف واه فيها! وو. فقاطعتها إحداهن: شوفيه ما يتكلم إلا بكلامها يا بت بوش. ومصمصت الأخريات شفاههن وانطلقن معلقات: كذها مقالة: الأرحل ما هو لمن مسّح وكحّل. صدق كلامش. العينه هيده تسلك (ضحك) كما نفسها ونفسها كماها. ضحك مكتوم.
وخيّم الصمت فجأة عندما أقبلت صفية ومن خلفها والدتها تحملان للضيفات شتى أصناف الأطعمة، وما أن فرغتا من رص الأطباق على السفرة حتى دعت صفية ضيفاتها للأكل. فأحطن بالسفرة مرددات: على واه بالأذية، ما يحتاج، نحن إلا من الحال، سلمتِ يا بت الأجاويد. وبينما كنّ منهمكات في التهام ما لذ وطاب مما احتوته السفرة تذكرت صفية المسجل الذي تركته مفتوحا، فقامت إليه وأقفلته. ولو خطر لها أن تديره لوقفت اللقمة في حلوق الحاضرات، ولكنها لطيبة قلبها لم تشأ أن تشغلهن بالاستماع إلى المسجل وانتهت الترويحة بسلام.
وفي المساء عاد الزوج، وأخذ يعبث بالجهاز ولمحته صفية يدير الشريط إلى الوراء بعد أن نزع عنه الميكروفون، ثم شرع يديره من جديد، وعندئذ استرعى انتباهه أصوات غريبة أخذت تنبعث من المسجل، فأسرعت تقف إلى جوار زوجها بينما انطلق الجهاز مرددا: بسم الله شاف واه فيها؟ شوفيه ما يتكلم إلا بكلامها.
ونظر الزوج إلى صفية وهزّ رأسه مستفسرا، فامتقع وجه صفية فقد فهمت كل شيء، وشعرت بالغضب والألم يجتاحان كيانها، فهتفت: البغيضات! الــ، واختنق صوتها بالعبرات، فاقترب زوجها منها وقد أدهشه تصرفها، وهاله أن يرى زوجته تبكي في حرقة، فأحاطها بذراعيه وأخذ يربت على رأسها وهو يستمع منها إلى القصة بحذافيرها.
وحتى الآن لا تزال الضيفات السابقات يتساءلن في استغراب، ويقلن لبعضهن بعضا عندما يأتي ذكر صفية بينهن: – تصدقون فيها؛ قاطعت نحن شبع وبطرة. إش حست مننا؟ – وراكم؟ ما هي تكبرت، دلحين قدها إلا في عالم ثاني. يا حسف الجبر والجميل! كله عطته دقّه!”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *