القاص عبدالله سالم باوزير وصحيفة الطليعة

aaabawazeer

مسعود عمشوش
لقد تحدث القاص عبد الله سالم باوزير بشكل مسهب عن علاقته بصحيفة (الطليعة) الحضرمية التي أسسها في المكلا خاله الصحفي أحمد عوض باوزير سنة 1959، وذلك في سيرته الذاتية (أنا والحياة)، وتحديدا في الجزئين اللذين عنونهما: (الزواج والقصة الأولى) و(الطليعة أولى محطات الإبداع).

في الأول منهما يذكر أنه قد نشر في العدد الصادر في 23 نوفمبر 1961 أول قصة قصيرة نشرها في حياته، (حكاية) وقد وقعها باسم مستعار (عبده)، وقد أطلق عليها (أشواك) حينما أعاد نشرها ضمن اول مجموعة قصصية نشرها له الأستاذ علي محمد الصبان سنة 1965: (الرمال الذهبية). وكتب في سيرته الذاتية “لقد ولدت هذه القصة الأولى شبه مكتملة وناجحة، وحملت أولى خطواتي في مشوار الأدب وفي مجال القصة بالذات، ذلك العالم المدهش والمسحور”. (أنا والحياة، ص175).
في نوفمبر 1961 كان عبد الله باوزير يعمل في عدن، ويعيش في عزبة (سفينة نوح) في كريتر. لكنه يؤكد: “بعد نجاح قصصه الأولى، حفزتني نفسي على الاستقالة من العمل في عدن والذهاب إلى حضرموت، والبحث عن عمل هناك يساعدني على صقل هذه الموهبة، وخصوصا أنني سأكون بجانب خالي سعيد عوض باوزير الذي سأحظى منه بالمساعدة في توجيهي وإرشادي وأنا في مرحلتي الأولى”. ص176
وبعد وصوله إلى مسقط رأسه غيل باوزير يشير إلى ملازمته لخاله المؤرخ سعيد عوض باوزير وإلى اهتمام القراء بالمقالات التي كان الخال ينشرها في الطليعة بعنوان (من الخميس إلى الخميس) باسم مستعار (عصام).
وبعد بضعة أشهر قرر عبد الله باوزير الانتقال إلى المكلا والعمل فيها، ويبرر ذلك قائلا: ” لقربها من مدينة الغيل. وكان حينها خالي أحمد عوض باوزير قد أنشأ إلى جانب صحيفته الطليعة، قسما تجاريا واستقدم مطبعة خاصة بطبع فواتير البيع والشراء وسندات الصرف والقبض، ولما عرض عليّ العمل معه بذلك القسم وافقت على الفور، فقد فكرت أن عملي بدار الطليعة وقربي من العمل الصحفي الذي يديره خالي أحمد سيوفر لديّ شيئا من التجارب والمعارف الصحفية إضافة إلى أنه سيوفر لي فرصة نشر كل أعمالي بالصحيفة. وهكذا بدأت العمل بدار الطليعة؛ كنت أقضي في المكلا خمس أيام وفي اليوم السادس وهو الخميس الذي تخرج فيه الصحيفة على الأسواق، كنت أعود عصرا إلى الغيل لأقضي مساء ذلك اليوم وصباح ومساء الجمعة بين أسرتي، وفي السادسة من صباح السبت أتوجه إلى المكلا لأباشر العمل”. ص181
من أين يستمد باوزير قصصه ومسرحياته؟
من المعلوم أن عبد الله باوزير لم يشغل في حياته أي وظيفة حكومية، ومارس عددا من الأعمال في عدن تندرج كلها في الأعمال بالمحلات التجارية، في الغالب الخاصة بأقمشة النساء، وقد أشار إلى ذلك في كتابه (سفينة نوح). ويذكر عبد الله سالم باوزير أنه كان يستوحي قصصه ومسرحياته من الواقع، ويؤكد: “انشغالي وانهماكي بالأعمال العامة التي أقدمها للمجتمع، واختلاطي بالناس في العمل والشارع يعطيني دفعة قوية إلى الكتابة، مستوحيا مواضيع قصصي ومسرحياتي من تلك الجموع التي تمر أمامي ومن خلفي، منفعلا معها في معاناتها اليومية، أقاسمها تطلعاتها في الحياة، هذه العادة أصبحت قاعدة أساسية لي، سرت عليها حتى اليوم، فلدي في ذهني جهاز دقيق يلتقط المشاهد واللقطات المتنوعة من الحياة التي أراها أمامي كل يوم، لأختزلها وأستفيد منها في تطعيم أعمالي القصصية المستمدة من الواقع. كما أن لدي إلى جانب هذه الجهاز النقال، جهازا آخر يهديني إلى أماكن الخلل في المجتمع الناتج من الأخطاء التي يرتكبها الأفراد، سواء أكانوا من الحكومة أم خارجها، هذا الجهاز كان لي بمثابة البوصلة التي يحملها البحار على سفينته لتهديه إلى الطريق، بهذين الجهازين أصطاد مواضيع قصصي حتى إذا ما وضحت الفكرة لدي بدأت في تصوير شخصيات القصة، فأضع لها السيناريو والحوار، كل هذا يجري في ذهني لتبقى بعد ذلك وقتا حتى تختمر تماما ويلح أبطالها على الخروج إلى الحياة، عند ذلك وحين تجيء ساعة الولادة هنا أبسط أوراقي وأضع قصتي، فلا يهم أن أكون على قارعة الطريق، تحت ظل جدار، أو تحت شجرة، أو على مقعد بإحدى المقاهي، فأنا عادة أضع بمحفظتي التي احملها عددا من قصاصات الورق، وعلى هذه القصاصات اصع قصتي، ثم إذا عدت إلى البيت نقلت ما على هذه القصاصات إلى دفتر من الدفاتر التي يستعملها طلبة المدارس، لتبقى تحت نظري فترة أخرى.. بعد ذلك أقوم بمراجعتها مرارا فأشطب هنا وأزيد في مكان آخر. بعد ذلك إلى كتابتها من جديد. وبعد مرور فترة أخرى أقوم بتنقيحها حتى أرضى عنها. بعد ذلك أبيضها لأقدمها للنشر. هذه قاعدتي في كتابة القصة”. ص180
وهذه القاعدة تنطبق كذلك على المسرحيات القصيرة القليلة التي كتبها عبد الله باوزير وضمنها كتابه الأول (الرمال الذهبية). فهو يؤكد أنه قد استمد موضوع مسرحيته الأولى (المحاكمة)، التي تحكي قصة شاب غيور اتهمته السلطات بأنه يدعو إلى التحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتتم محاكمته بعد منتصف الليل ودون أن يعلم أحد بتلك المحاكمة الصورية، والتي نشرها أولا في عدد الأول من مارس 1962 من صحيفة (الطليعة)، “مما كان يجري حينها من مد ثوري وطني بدأ يتبلور في حضرموت”.
ومع ذلك، إذا كان من المسلم به أن عبد الله باوزير قد استمد فعلا معظم موضوعات قصصه ومسرحياته القليلة من الواقع الذي عايشه بنفسه، فهناك عدد من القصص والمسرحيات أخذ باوزير موضوعاتها من خلال متابعته للأخبار والحوادث التي كان يقرأها في الصحف والمجلات التي كان يقرأها، وفي البداية صحيفة (الطليعة) التي كان يعمل بها. ويعترف باوزير بذلك – جزئيا – في كتاب سيرته الذاتية. ومن المؤكد أنه يقول الحقيقة حينما يكتب “جاءت مسرحيتي الثانية (الضحية) ناجحة، وقد تخلصت من أسر تأثير توفيق الحكيم، وأطول من المسرحية الأولى، وكنت قد استوحيت موضوعها من خبر قصير نُشِر على صفحات الطليعة عن واقعة حدثت بوادي حضرموت، يفيد ذلك الخبر أن فتاة رمت بنقسها في بئر عميق بعد أن شاع عنها أهل قريتها بأنها حامل سفاحا، على هذا الخبر بنيت مسرحية الضحية)، لأبين كيف أن إشاعة كاذبة تكوت مصدرا لعذاب فتاة بريئة. وقد نشرت هذه المسرحية في صحيفة (الطليعة) يوم 26 أبريل 1962”.
وعند عودتي لصحيفة (الطليعة) تبيّن لي أن الخبر الذي يعد مصدر المسرحية قد نشرته (الطليعة) في رأس صفحتها الأولى لعددها الرابع والأربعين بعد المائة، الصادر بتاريخ 5 أبريل 1962، أي قبل عشرين فقط من نشر باوزير لمسرحيته، وهذا نصه: “القصة الكاملة لحادثة انتحار سيدة رباط باعشن في الشهر الماضي: الشائعات هي التي قتلت الضحية المسكينة. عُلِم الآن أن المرأة التي انتحرت في الشهر الماضي، حيث ألقت بنفسها في أعماق بئر برباط باعشن تدعى […….]. وكانت هذه المرأة قد أتهِمت من قبل بعض النسوة بأنها قد حملت حملا غير شرعي، وقد ذهبت على قاضي الخريبة ونفت ما نسب إليها من تهمة باطلة وطلبت منها أن يعين من شاء من النسوة للتأكد من كذب هذه التهمة. وقد دعاها القاضي إلى العودة إلى بلدها بعد أن طيّب خاطرها، ولكن المرأة، كما يبدو استسلمت للهواجس. وقبل الحادث ذهبت هذه المرأة إلى مسجد بارحيم بالمدينة، وكان المسجد مزدحما بالناس وتحدثت فيهم قائلة: أني بريئة، ثم بدأت تخلع ملابسها، إلا أن رئيس المجلس أخذ بيدها وأخرجها إلى خارج المسجد. وفي صباح اليوم التالي ألقت المرأة بنفسها في البئر، ويحتمل أن تكون قد فقدت عقلها تماما. رحم الله هذه الضحية، وقاتل الله الشائعات ومروجيها”
وفي العدد المائة والستين من صحيفة الطليعة (2 أغسطس 1962)، نشر عبدالله سالم باوزير قصة قصيرة أخرة بعنوان (المبروك)ن تناول فيها موضوع البيوت التي يعتقد أهلها أنها مسكونة بالجن.
ومن الغريب حقا أن يكتب المؤلف أنه استوحاها من حادثة نشرت خبرها صحيفة (الطليعة)؛ فهو يؤكد في سيرته الذاتية: “آخر قصة نشرتها في الطليعة كانت (المتسللون)، التي نُشرت يوم 11 أبريل 1963، واستوحيت أحداثها من ثورة 26 سبتمبر. وقبلها كنت قد كتبت قصة (المبروك)، وهي عن الشعوذة، مستلهما ظهور مشعوذ في قرية [….] في وادي حضرموت، أثار ضجة بين المواطنين السذج، وكان يداوي كل المراض بخاتم عادي”. (أنا والحياة، ص184)
والحقيقة أن الطليعة نشرت للأستاذ مبارك كرامة سليمان مقالا مطولا عن ظاهرة (صاحب الخاتم) في وادي حضرموت. لكن هذا المقال لم يتحدث إلا عن طرق العلاج الروحي ولم يتناول مطلقا قضية (البيوت المسكونة). بالمقابل نشرت (الطليعة) في عددها الحادي والخمسين بعد المائة (31 مايو 1962)، أي قبل شهرين فقط من نشر باوزير لقصته (المبروك)، خبر عن حادث وقع في مدينة سيؤن، ونعتقد أنه المصدر الحقيقي (للمبروك)، وقد نقلته (الطليعة) على النحو الآتي: “اخلاء 4 منازل للجن في سيؤن. أخليت أربعة منازل في سحيل سيؤن بزعم أن الجن قد سكنوها. وقد طلب [….] الوسيط بين السكان والجن مبلغا من المال يتراوح بين المائتين والأربعمائة شلن مقابل نقل الرجل. وقد دفع البعض من سكان المنازل (المسكونة) للوسيط المبلغ الذي طلب منهم وهم [………]، وامتنع عن الدفع […..]، واضطروا تحت تأثير الوسيط الروحي إلى اخلاء مساكنهم واستأجروا منازل أخرى”. وفي اعتقادي تحاشى القاص عبد الله باوزير، الذي كان يعمل حينها في (دار الطليعة) ذكر هذا المصدر لأن الخبر المنشور في (الطليعة) أدى إلى رفع دعوى قضائية من قبل (الوسيط الروحي) الذي ذكرته الصحيفة ضد بعض سكان (البيوت المسكونة) الذين اضطروا إلى تكذيب ما جاء في الخبر. وقد نشرت (الطليعة) خبر التكذيب مشفوعا بالتأكيد أن التكذيب قد تم تحت التهديد.
وعلى الرغم من العلاقات الجيدة التي كانت تربط عبد الله باوزير وخاله صاحب دار الطليعة، فقد قرر عبد الله فجأة مغادرة المكلا و(دار الطليعة) والعودة إلى عدن، وذلك في يونيو 1963. وقد برر عودته إلى عدن في سيرته الذاتية قائلا: “في حوالي منتصف عام 1963 غادرت حضرموت عائدا إلى عدن، بعد استقالتي من عملي بدار الطليعة، وكنت قد ضقت ذرعا بذلك العمل بعد أن استنفذت الأغراض التي دخلت ذلك العمل من أجلها، فقد ترسخت أقدامي في كتابة القصة، وأصبح مجتمع حضرموت الصغير والراكد لا يسع تطلعاتي في مجال كتابة القصة، فمدن حضرموت صغيرة، والحياة تجري على سطحها رتيبة وغير متفاعلة، لهذا رأيت أن عدن هي مكاني الحقيقي في مجال الإبداع، حيث أن الحياة فيها متفاعلة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وفنيا”. ص187 والذي لم يذكره باوزير هو أن عودته إلى حضرموت تزامنت في الحقيقة مع عودة الآلاف من الحضارم إلى حضرموت بعد انتشار خبر اكتشاف البترول فيها، وقد تزامنت مغادرته لها مع شعوره أن ذلك الخبر كان مجرد قصة خيالية.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *