الأبعاد الذاتية في كتاب (عابر سبيل)

aabersabeel1

الأبعاد الذاتية في كتاب (عابر سبيل) للدكتور عبد الله الجعيدي
أ.د. مسعود عمشوش
في مطلع العام الماضي (2017) أصدرت مكتبة الصالحية للنشر والتوزيع بغيل باوزير بحضرموت الطبعة الثانية من كتاب (عابر سبيل) للأستاذ الدكتور عبد الله سعيد بن جسار الجعيدي. ويحتوي الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة، على خمسة فصول هي: 1-صدى السنين على مشارف الخمسين، 2- من يوميات مدرس في الأرياف، 3- مسيرة النجاح: معوقات ومقترحات، شذرات من التجربة الذاتية، 4- مشاهدات ومواقف، 5- مع أولاد حاراتنا. وبينما تحتوي الفصول الثلاثة الأولى على أبعادٍ عدة من كتابة الذات، يتضمن الفصلان الرابع والخامس، اللذان يشكلان نحو ثلثي النص، مقالات تتناول جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية في المكلا تذكرنا بما سبق أن تناوله الدكتور الجعيدي في كتابه (أوراق مكلاوية).

وسنركز هنا على الجزء الأول من الكتاب، الذي ضمنه الدكتور عبد الله الجعيدي محاولة للتنقيب في ذاته، بهدف معرفتها والوصول إلى الهدوء النفسي الذي يتوق إليه كل إنسان. فهو يكتب في صفحة 104: “كان سقراط مصيبا عندما أطلق مقولته الشهيرة: اعرف نفسك. ويقال في الأثر: رحم الله امرْءًا عرف قدر نفسه. والحقيقة لكي يستمتع الإنسان بهدوء النفس يجب عليه أولا أن يفتش في ذاته، وأن يكتشف عوامل التنغيص الداخلي ويسارع في التخلص منها”.
ويؤكد الدكتور الجعيدي أنه قد شرع في الحديث عن تجربته بهدف إفادة القارئ من خلال تقديم بعض العبر والدروس له. وقد عبّر عن ذلك قائلا: “وفي هذه الوريقات سنوجز الكلام في نقطتين: الأولى تتعلق بصراع الذات داخليا مع نفسها ومع الآخر، لما لذلك من علاقة بمسيرة النجاح سلبا وإيجابا، ثم سأتحدث عن بعض جوانب من التجربة الشخصية المتواضعة لعل فيها عبرة وفائدة”. ص99-100
وفي الحقيقة لا يتناول الجعيدي من حياته، في هذا الكتاب، إلا ما له علاقة بدراسته الثانوية والجامعية، وعمله في سلك التربية والتعليم، وبشكل خاص حياته في عزب المدرسين في شبوة وحَجِر. ومن اللافت أنه، حينما يحاول الحديث عن نفسه ليعرفها، يتجنب استخدام ضمير المتكلم المفرد (أنا)، ويلجأ إلى طرق أخرى للتعبير عن ذاته. ففي الجزء الثالث من الكتاب الذي ركز فيه على الحديث عن دراساته الجامعية والعليا، يحاول الجعيدي أن يأخذ بعدا عن الشخص الذي كان. فهو مثل طه حسين في كتابه (الأيام)، يستخدم كلمة (صاحبنا) للحديث عن شخصيته في الماضي، ويبدأ قائلا: “وإذا عرجنا على الملف الشخصي لهذا المتحدث أمامكم ستجدون صاحبه شخصية عادية جداً، ومن ذلك الصنف من خلق الله الذين يعتمدون في أغلب الأحيان بعد الله على جهودهم الذاتية. ففي مسيرة حياته الماضية تجاوز عددا معقولا من المحطات بعد أن عانى الكثير من المطبات الطبيعية والصناعية، واضطر إلى استخدام وسائل نقل بطيئة، لكنها كانت تمضي إلى الأمام..”.
وبدلاً من أن يتحدث عن نجاحه وتميّزه الدراسي وإصراره على منافسة الزميلات، يتحدث عن نجاح (صاحبنا)، قائلا: “بدأ تفوق صاحبنا منذ المرحلة الجامعية الأولى (البكالوريوس)، ثم المرحلة الجامعية الثانية (الماجستير والدكتوراه)، وقبل ذلك كان ترتيبه ضمن العشرة الأوائل، ولم يكن له شرف تحقيق الترتيب الأول أو الثاني أو الثالث. وفي بداية عام 1986 ظهرت نتيجة الفصل الدراسي الأول لقسم التاريخ بكلية التربية والعلوم، وكان ترتيبه الثالث بعد زميلتين، وبعد أن درس صاحبنا النتيجة ووجد مساحة المتنافسين قوية قرر بينه وبين نفسه الدخول في حلبة المنافسة بهدف الوصول إلى المربع رقم واحد. كان تصميما صادقا، وكان الاستعداد شاقا، فقد تخلص من بعض الالتزامات الصديقة، وأعاد ترتيب الزمن وحاول تطويعه لصالحه. ولأنه من عشاق النهار ومن نوام الليل فكان الفجر أول صديق لازمه وتمسك به، وركز فيه على المقررات الدراسية التي تحتاج إلى قراءة متأنية. وكان أيضا يسرق من ظهره ما شاء له أن يسرق، وإجازته الحقيقية تبدأ من عصر الخميس إلى مساء الجمعة، وفترة راحته اليومية تبدأ من بعد صلاة المغرب إلى بعد صلاة العشاء، يقضيها في التجوال حول المدينة، أو في لعب الورقة (الباشتا) في المقهى القريب من مسجد بازرعة بحي برع السدة، وغالبا بعد الساعة التاسعة مساء يغط صاحبنا في النوم العميق”. ص105-106
وعلى الرغم من أن هذا الجزء الأول من (عابر سبيل) يُعد محاولة صادقة للكتابة عن الذات استخدم المؤلف فيها عددا من التقنيات المرتبطة بفن السيرة الذاتية الذي يتناول أساساً أحداث الحياة الشخصية للمؤلف، يتبيّن لنا أن عبد الله الجعيدي قد استخدم فيه أسلوب المؤرخ الذي يعطي الأولوية للعام قبل الخاص؛ فهو يميل إلى السرد التاريخي أكثر من سرد تفاصيل الحياة الشخصية. وهذا يقرب النص من فن المذكرات الذي من أهم سماته التركيز على الأحداث العامة، بعكس فن السيرة الذاتية الذي يركز – كما ذكرنا- على سرد تفاصيل الحياة الخاصة.
فحتى في الفصل الخاص بشذرات من التجربة الذاتية يبرز البعد التاريخي العام بقوة، إذ ينهيه المؤلف بالحديث عن دراسته للدكتوراه في بغداد قائلا: “بعد حصوله على شهادة الماجستير بأربعة أشهر عُيِّن [صاحبنا] مدرسا في كلية التربية والآداب جامعة حضرموت، وهو بهذا عاد إلى المكان الذي يرى أنه يستحقه وحلم بهِ، ثم بدأت أبواب الحظ تنفتح رويدا رويدا؛ فبعد سنة تهيأت له فرصة الدراسة في بغداد لنيل الدكتوراه على حساب الجامعة، وبعد ما يقارب ثلاث سنوات وقبل بضعة أشهر من المناقشة النهائية أغلق بوش الابن أبواب الحظ واحتلت قواته العراق، وبعد أربعة أشهر من الاحتلال دخل بغداد دخول المنهزمين في مشهد حزين، وفي وضع فككت فيه مؤسسات الأمن الوطني العراقي، وتدهورت الخدمة الكهربائية حيث وصلت ساعات انقطاع التيار في صيف بغداد إلى 12 ساعة في اليوم. وفي جو مشحون بالخوف والتوتر، وملوث بقوات الاحتلال، مكث صاحبنا ثلاثة أشهر حتى استكمل دراسته ليغادر بغداد نهاية عام 2003، ورئيسها صدام حسين ما يزال يقود المقاومة على حسب ما نسمع، والامريكان يعرضون الملايين مقابل رأسه حيا أو ميتا، أما رأس صاحبنا فقد خرج بفضل الله من بغداد سليما مرفوعا، ولكنه في أعماقه يدرك أنه لم يصل بعد إلى المحطة الأخيرة وأن المشوار لا يزال طويلا”. ص110-111
وحتى في الفصل الذي يحمل عنوان (من صدى السنين على مشارف الخمسين) الذي يسرد فيه المؤلف عودة الوالد من السعودية وثورة السلال التي كانت السبب في اختيار اسمه، يركز المؤلف على الأحداث التي جرت في محيطه الجغرافي، وبشكل رئيس المد اليساري ونظام الخدمة العسكرية وأثره في مساره التعليمي، والحياة في عزب المدرسين. وبالمقابل هناك شبه غياب للحديث عن الحياة العائلية.
ومن الطبيعي أن يحاول المؤلف أن يربط بين العام والخاص، ويحاول إقناع القارئ أن العام كثيرا ما يلقي بظلاله الثقيل على حياتنا الخاصة؛ ففي الجزء الثاني من “تلك الوريقات”، يذكر الجعيدي أنه، على الرغم من تفوقه العلمي وتكريمه، لم يتم تعيينه في ذلك الحين معيدا في الجامعة، ويبرر ذلك قائلا: “كان صاحبنا قد رفض الانضمام للحزب الحاكم وقتئذٍ لأسباب خاصة، رغم نصيحة الناصحين له بأن ذلك ربما يسهل له الخطوات ويفتح الأبواب، لكنه تمسك بوجهة نظره تاركا المقادير تقذف به أنى تشاء، وقد سمى هذه الرحلة في أوراقه الخاصة: رحلة التكريم والتركين، وكان يشعر ببعض الألم، لكنه ينام قرير العين راضيا عن نفسه”. ص107
إضافة إلى ذلك يتراجع البعد الذاتي كثيراً في (عابر سبيل)، بسبب حرص المؤلف على إعطاء نصه بعدا فلسفيا تأمليا واسعا. ويبرز هذا البعد بشكل لافت في الفصل الثالث من الكتاب (مسيرة النجاح، معوقات ومقترحات: شذرات من التجربة الذاتية). فالمؤلف يكرس النصف الأول بأكمله من هذا الفصل (ص99-104) للحديث بإسهاب، عن مبادئ النجاح والفشل والطموحات، والصراع الذاتي والانسجام الداخلي، متكئا فيه على مقولات سقراط وإبراهيم الفقي والمتنبي وغيرهم. ففي الصفحة الأولى من الفصل، مثلا، يكتب: “إن النجاح أو الاجتهاد حركة مستمرة وحياة متجددة، لهذا آثرنا أن يكون العنوان (مسيرة النجاح)، وهي مسيرة لها بداية في حياة الفرد الناجح وليس لها نهاية. إن النجاح محدود، والطموحات كالأحلام مفتوحة، وإذا كان بالإمكان لمس ثمرات النجاحات وتذوق حلاوتها فإن سماء الطموحات عالية وأشرعتها ممدودة، يشعر من حلّق فيها بالظل الوفير، والأمل الكبير والسلام المنير”.
والجعيدي، قبل أن يصبح كاتبا، كان قارئا نهماً، وقد أشار إلى قراءاته المنتظمة في الفصل الثالث من الكتاب الذي خصصه للحديث عن (شذرات من التجربة الذاتية)، قائلا: ” وضع صاحبنا لنفسه برنامجا صارما كانت القراءة اليومية المنظمة منذ الأيام الأولى للدراسة أهم علاماته، وهو برنامج استمر حتى محطة البكالوريوس. والاستثناءات لا تلغي العموميات”. ص106
ويبيّن (عابر سبيل) أنواع الكتب التي يميل المؤلف إلى قراءتها؛ فهو يذكر الكاتب المصري موسى عطا الله وإبراهيم الفقي والمتنبي وسقراط، وغيرهم. ويستشهد بعدد من الشعراء حتى الذين لا يتذكر أسماءهم، مثل الذي يقول: “شباب قنعٌ لا خير فيهم وبورك في الشباب الطامحينا”. ص102
ومن الواضح أن الذوق الأدبي الرفيع للدكتور الجعيدي، وقراءاته المتعددة، وانتظامه في ممارسته للكتابة بأنواعها، الصحفية والعلمية البحثية والتاريخية، قد مكنته من الارتقاء بأسلوبه الذي يزخر بالمفارقات والصور البلاغية والتوازن، والذي أشاد به الدكتور عبد الله حسين البار في التقديم الذي وضعه للكتاب، وقال فيه: “وأشهد لقد كان الجعيدي أديباً في كثير من صفحات كتابه… إن في الكتاب أسلوبية تتجاوز خطاب التاريخ الذي عُرِف به الجعيدي لتوغله في خطاب الأدبية كما علّم جاكبسون الآخرين أبعادها”. ص27

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *