بلفقيه رسول الأغنية الحضرمية

bikkab2

مسعود عمشوش

استمعت لأغاني الفنان أبوبكر سالم بلفقيه أول مرة في منتصف ستينيات القرن الماضي من إذاعة عدن التي كنت أحرص على الاستماع إليها إلى جانب برنامج (ندوة المستمعين) من هنا لندن. وحينها كان من النادر ألا يذيع راديو عدن، الذي سجل أغنية (ياورد محلى جمالك لبلفقيه سنة 1956) أغنية واحد على الأقل لبلفقيه في اليوم. وفي نهاية الستينيات اشترى ابن عمي أحمد عمشوش، أطال الله في عمره، أكثر من عشرين أسطوانة شمعية كلها لأغاني بلفقيه، وجرامافون يعمل على البطاريات. وكان أبي- الله يرحمه- يغضب حينما يدرك أننا قد تركنا العمل في المزرعة وتحلقنا حول الجرامافون لنستمع إلى الأغاني. وفي تلك الفترة استطعت أن أشاهد الفنان أبوبكر سالم بلفقيه مع بعض أصدقائه يتنزهون في القرن، وذلك بعد أن غنى قصيدة حسين المحضار (ليلة في الطويلة …خير من ألف ليلة….)

ومن المؤكد أن مدرس اللغة العربية الشاب أبوبكر سالم بلفقيه قد حرص بعد انتقاله إلى عدن في خمسينيات القرن الماضي على أن يكون فنانا عدنيا قبل أن يصبح رسولا للأغنية الحضرمية في عدن ثم في مختلف أصقاع الجزيرة العربية. وللمرور إلى الآفاق العدنية ثم العربية كان على بلفقيه أن يتخلص من بعض مظاهر لهجته الحضرمية. ولم يكن ذلك صعبا عليه؛ فبما أنه –رحمه الله- يمتلك طبقات صوتية واسعة فقد كان من السهل عليه التخلص متى ما شاء من الياء الحضرمية، وكذلك من القاف (البدوية) التي دأب على نطقها بالطريقة العدنية في جميع أغانيه. ويؤكد الوالد عوض باجرش أن بعض العدنيين من ذوي الأصول الحضرمية عرضوا عليه خلال فترة إقامته الطويلة في عدن ضمان شراء جميع تذاكر السهرات التي كان يقيمها في عدن بشرط أن يحافظ فيها على نطق القاف الحضرمية.

وعلى مستوى المفردات حرص بلفقيه أن تكون كلمات أول أغنية سجلتها له إذاعة عدن سنة 1956 (يا ورد محلى جمالك بين الورود، من كلماته وألحانه) بعيدة من آثار اللهجة الحضرمية. ومن أشهر الأغاني العدنية الأخرى التي كتبها ولحنها بلفقيه في تلك الفترة الأولى من مشواره الفني الذي تجاوز نصف القرن:” (خاف ربك)، (يا حبيبي يا خفيف الروح) و(سهران ليلي طويل). وفي سنة 1961 غنى قصيدة (الصباح الجديد) التي كتبها الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي عام 1933. وفي تلك الفترة تعرف بلفقيه كذلك بالشاعر الكبير لطفي جعفر أمان، وغنى له عددا من قصائده مثل: (وصفوا لي الحب) و(كانت لنا أيام) و(أعيش لك).

لكن شهرة بلفقيه ارتبطت كثيرا، كما نعرف، بغنائه قصائد الشاعر والملحن الحضرمي حسين أبوبكر المحضار المليئة بالمفردات والتراكيب اللغوية الخاصة باللهجة الحضرمية وشعر الدان الحضرمي. وهناك قصائد للمحضار تحتاج لاستيعابها معرفة واسعة بمعجم اللهجة الحضرمية، لا سيما أن المحضار يستخدم مفردات حضرمية تتجاوز لهجة مدينته الشحر. فكثيرا ما سألوني بعض أبناء الشحر مثلا عن معنى كلمة (الغونة أي الغسق وهي في الحقيقة فصحى) التي استخدمها الشاعر في قصيدته (مشكلة في الناس) التي تبدأ على النحو الآتي:

لا تـواجهم بشي عنك يقولونه
لا تعامـلهم بشـده دوب وليونه
كون بين البين
وخذ ما جاك من هذا وذاك
مشكلة في الناس
إن راضيتهم عـادوك
وإن عاديتهم طلبوا رضــاك
مـــن كلام الناس
يا ما ناس مفتونه
حد يحطونه وحد قدهم يشلونه
قد بلغ لا وين ليهم يرفعونه للسماك
مشكلة في الناس
إن راضيتهم عـادوك
وإن عاديتهم طلبوا رضاك
كل ما ذكروك قالو ذبلت أغصـونه
وانطفت شمسه وغابت عنده الغــونه
بس أنا لي عين ما شافت في الدنيا سواك
مشكلة في الناس
إن راضيتهم عـادوك
وإن عاديتهم طلبوا رضاك”.

وبما أنّ بلفقيه، بعد استقراره في المملكة العربية السعودية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، أراد أن يصبح رسول الأغنية الحضرمية في مختلف أصقاع الجزيرة، فقد بذل جهدا كبيرا لتمكين مستمعيه من الاستمتاع بالأغنية الحضرمية وتقريب كلماتها إليهم. ونشير هنا إلى أن هناك كثيرا من قصائد المحضار غناها بجدارة نجوم الطرب الحضرمي مثل بدوي زبير وكرامة مرسال، لكنها لم تحظ بالشهرة خارج حضرموت وعلى مستوى الجزيرة إلا بعد أن غناها الفنان أبوبكر سالم بلفقيه. ومن أجل ذلك اضطر بلفقيه في بعض الأحيان إلى تحوير بعض كلمات قصائد المحضار، الخاصة باللهجة الحضرمية، ففي حين احتفظ بدوي زبير بالنص الأصلي لكلمات أغنية (على عينك) التي تقول (واللي ماعز نفسه في الهوى سيبه .. وعبّر فوقه الشاك)، قام بلفقيه بتحويرها على النحو الآتي: “واللي ماعز نفسه في الهوى سيبه ..ولا تسقيه من ماءك). والأغنية تقول:

على عينك وعين الحاسد الواشي معاك .. ايوه على عينك
أنا ما زلت من فوق الثريا والسماك .. ولا أعرفك وينك
عجب مالي أراك تعادينا بلا حجه وتظهر لي جفاك
ذا ايش لي جاك
واللي ماعز نفسه في الهوى سيبه .. وعبّر فوقه الشاك”.

ومن أشهر قصائد المحضار التي غناها محمد جمعة خان قبل أن يغنيها بلفقيه قصيدة

(يا روم تصلح لشاجع سُلوبه)، والتي تقول:

 تمنيت ولحقت تمنـــات قلبـي *  صفا لي مــع باشة الغيــد شربي                    هنيئاً لمن طاب في العشق مشروبه

 سقى الله ليلة رضـا من حبيبي *  نعمنا بها وأنطفى الوجد ذي بي                     وبتنا على أنس والحان مرغوبه   

 بعـــدنا بها عن عيون المراقب * وبـــدر السماء فوقنا والكواكب  

كأنا عن الناس في حال غيبوبه
في وادي الحجيرات حيث التقينا * وحيث الصَّبَـا هب ريحه علينا                    سقى الله وادي الحجيرات وشعوبه  

منــــازل عرفنا بها ما عـــرفنا * وذقنا بها في الهــــوى كل معنى                      ولا زال فيها المحبين محبوبه

مكثنا بها بين الاشجـــار نرتع * وفي ذلك الوادي ننزل ونطلـــع

ولا سور يحوي علينا ولا نوبه

ولم تخلد القصيدة إلا بالتحوير الذي أدخله عليها بلفقيه الذي جعلها تبدأ بالقفلة الآتية:

يا زين فيك الحلا والعذوبة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *