الشاعر كريم معتوق في ما يشبه سيرته الذاتية

karim-maatook-

مسعود عمشوش

منذ القرن الثامن عشر غدت السيرة الذاتية جنسا أدبيا واسع الانتشار في كثير من الآداب الغربية. لكن، في الأدب العربي، بسبب ضيق هامش الحرية الإبداعية والفكرية والاجتماعية التي مُنِحت للقلم العربي، ظلت أشكال كتابة الذات بما فيها السيرة الذاتية محدودة، وتتداخل في كثير من الأحيان مع الكتابة الروائية. بل يزعم بعض النقاد أن عددا من الأدباء العرب يفضلون تناول جوانب من تجاربهم الذاتية في قصصهم ورواياتهم السير ذاتية التي يستطيعون فيها التصدي بحرية لمختلف الموضوعات والتابوهات.

ومع ذلك، فمنذ بداية ثمانينات القرن العشرين، أقدم عددٌ من العرب، لاسيما من بين الكتاب الكبار سنا وتجربة وإنتاجا، على نشر سيرهم الذاتية. فخلال العقود الأربعة الماضية ظهرت )البئر الأولى(، و(شارع الأميرات) لجبرا إبراهيم جبرا، و(أوراق العمر) للويس عوض، و(أوراقي .. حياتي) لنوال السعداوي، و(حملة تفتيش.. أوراق شخصية) للطيفة الزيات، و(رحلة جبلية – رحلة صعبة)، و(الرحلة الأصعب) لفدوى طوقان، و (صور من الماضي) لهشام شرابي، و(مرايا ساحلية: سيرة مبكرة) لأمير تاج السر، و(غربة الراعي) لإحسان عباس، و(مجرد ذكريات) لرفعت السعيد، و(سيرة حياتي – 1) لعبد الرحمن بدوي، و(مسارب – 1) لأمين مازن، و (سيرة الفتى الأحمر) لفواز الطرابلسي، و(ذكريات الأدب والحب) لسهيل ادريس.. وغيرها. وقد لفت هذا الانتشار لنصوص السيرة الذاتية في الأدب العربي انتباه د. جابر عصفور، مؤلف (زمن الرواية)، ودفعه إلى التأكيد أنه “ينبغي أن نستبدل بشعار زمن الرواية شعار زمن القص أو زمن السرد لندخل فيه كتب السّيَر التي يكتبها المؤلفون عن الأعلام الذين شغلوا الدنيا والناس، أو التي يكتبها عن أنفسهم هؤلاء الأعلام”.

وعلى الرغم من هذا الارتفاع النسبي لعدد نصوص السيرة الذاتية في الأدب العربي، وإقبال عدد كبير من الأدباء والمثقفين على قراءتها، يُلاحظ أن الاهتمام بفن السيرة الذاتية، كتابة ونقدا، لا يزال محدودا في الجزيرة العربية بشكل عام والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص. وفي الحقيقة لم أستطع حتى الآن القيام برصد مدونة كتابة الذات التي أنجزها الكتاب الإمارتيون. وفي ظل غياب مثل هذا الرصد أو أي دراسة سابقة لأدب السيرة الذاتية في الإمارات، رأيت أن أقوم بقراءة سريعة لكتاب الشاعر كريم معتوق (سيرة ذاتية تشبهني، الطريق إلى الحياة، نبطي للنشر، أبوظبي 2015)، الذي يُعد من نصوص السيرة الذاتية النادرة التي ظهرت مؤخرا في الإمارات العربية المتحدة.

لماذا التشابه وليس التطابق؟

يعرف فليب لوجون، في نصه المرجعي ((L’autobiographie، السيرة الذاتية بأنها سردٌ استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك حينما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة. ويفصّل لوجون تعريفه قائلا: “يعتمد هذا التحديد على عناصر تتعلق بـوضــع المؤلف وتطابقه مع الراوي، وموقف الراوي وتطابقه مع الشخصية الرئيسية، ومنظور النص: سـرد استعادي نثري، والموضوع المعالج: حياة فرد، أو تاريخ شخصية. وعليه فالسيرة الذاتية تفترض التطابق الحقيقي بين شخصية المؤلف وشخصية الراوي.

ونحن هنا نسلم مع فيليب لوجون أن معظم نصوص السيرة الذاتية تعتمد السرد والنثر. ومع ذلك هناك عددٌ من السير الذاتية التي كُتِبت شعراً، منها سيرة الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هوجو الذي يقدم ديوانه الرئيس (التأملات) على أنه سيرتُه الذاتية. وفي الأدب العربي كتب محمود درويش ملامح من سيرته الذاتية في أربعة من مؤلفاته هي: (يوميات الحزن العادي)، و(ذاكرة للنسيان)، و(في حضرة الغياب)، و(أثر الفراشة)، وقد مزج في بعضها الشعر بالنثر. ونعثر على الظاهرة نفسها عند الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، الذي، منذ بداية هذه الألفية شرع في نشر سلسلة من النصوص تحمل كلها في عنوانها كلمة (كتاب… منها: كتاب القرية، وكتاب الأصدقاء وكتاب صنعاء)، وتمزج جميعها بين الشعر والنثر، ويعترف المقالح أنه تناول فيها سيرته الذاتية.

وكذلك فعل الشاعر كريم معتوق في نصه الذي بين أيدينا. وفي رأينا أن مزج الشعر بالنثر في النص لا يعني – في حد ذاته أو بالضرورة- غياب التطابق بين شخصية المؤلف وشخصية الراوي، وبالتالي لا يبرر مزج الشعر بالنثر رغبة كريم معتوق في وضع كلمة (تشبهني) – التي تلغي التطابق التام بين المؤلف والراوي- في عنوان كتابه. فمن اللافت حقا أن كريم معتوق يلجأ إلى تبرير إضافته لكلمة (تشبهني) في العنوان بمزجه الشعر بالنثر فيها، كما أنه يرى أن الشعر يحرّف الحقيقة ويعطي مساحة واسعة للخيال والكذب، وهو ما يتنافى مع معيارية فن السيرة الذاتية وواقعيتها اللازمتين لتطابق شخصية المؤلف مع شخصية الراوي؛ فهو يكتب في مقدمة نصه: “وأسميته سيرة ذاتية تشبهني لوجود الشعر فيه بشكل متلازم مع الحدث، حيث يحرّف الشعر الحقيقة عن موضعها حين يردفها بالخيال، ولكي لا تكون بتلك الدقة التي تحملها السير الذاتية عادة فتخسر ألق الأدب”.ص6

والغريب أن الشاعر كريم معتوق، حين (يحلل) الكذب والخيال في الجزء الشعري من السيرة الذاتية، فهو بالمقابل (يحرمه) في الجزء النثري منها، وذلك عندما يكتب: ” فالشاعر والكاتب بشكل عام هو المعني الأول بما يقدمه للقارئ شريطة ألا يكذب في السرد، وله أن يقول ما شاء في الشعر من خيال ومبالغة وكذب أدبي محبب، فأنا أضع بين يدي القارئ سيرة شعرية ترتدي الذاتية لباسا ملازما لها”.ص7

سيرة ذاتية لتسويغ الشعر والعشق:

في اعتقادي، إذا كان جان بول سارتر قد كرس كتابه (كلمات)، الذي يُعد سيرته الذاتية، ليفسر لنا الأسباب التي جعلت منه كاتبا عاشقا للكلمة، فكريم  معتوق يسعى، في ما يشبه سيرته الذاتية، إلى تقديم الأسباب التي جعلت منه شاعرا. وفي الوهلة الأولى يبدو لنا الكتاب وكأنه سيرة ذاتية تقليدية تبدأ بالولادة. لكنه -الكتاب- لا يبدأ بولادة كريم معتوق، الإنسان العادي، بل بولادة كريم الشاعر. فهو يستهل سيرته قائلا: “لم أولد مصادفة كغيري، ….. جئت من سبب خجول، كنت أريد أن أكون ولدا ﻷنني كنت أريد أن أكون شاعرا”. ص9

ومن الواضح أن كريما يربط الشعر بالعشق. وإذا كان يقول إن الشعر قدره، فالقدر بالنسبة له هو الحب. فتسويغ الشعر يعني تبرير العشق؛ “لقد كان الشعر قدري بسن مبكرة، فحملني على جناحيه إلى المراهقة قبل مجايليني، وأدخلني من بوابة العشق الكبيرة، علمني السهر يسن مبكرة، وعرفني بالأنا واﻵخر بي، وأسرّ لي بمتعة القراءة فكتمت سري، وأرشدني إلى الرسم فكانت رسمتي الأولى قلبَ الحبِّ المثقوب بسهمٍ وتسيل منه الدماء بحرفين عليه”. ص13

ويكرس كريم الجزء الأكبر من نصه للشعر، فيتحدث مطولا عن مصادر إلهامه الشعري ومفهومه للشعر، و”القصيدة الجيدة”، فالشعر بالنسبة له موهبةٌ، وقدرٌ من الله، ولا يمكن تعلمه، “ولا يشكل التعليم والقراءة إلا تجميلا وتقوية للشاعر، ولكنها لا تصنعه، وما دليل أوضح من أن النقاد ومدرسي اللغة العربية الذين يعرفون أوزانها وصرفها ونحوها لا يكتبون الشعر”. ص42 ومع ذلك فالطفل كريم كثرت زياراته للمكتبة وقرأ صغيرا دواوين نزار وأمين نخلة وعمر أبو ريشة وبدر شاكر السياب وإيليا أبو ماضي؛ “وهو أهم شاعر عربي لما صنعته به قصيدته الطلاسم”. ص43

ومادامت سيرة كريم سيرةً للشعر فقد ضمنها تعريفا للقصيدة الجيدة، فهو يرى أن “القصيدة الجيدة، بتعريف مبسط، هي القصيدة التي استطاع الشاعر إخفاء الصنعة فيها، إخفاء أدواته فيها، فالقصيدة هي نتاج ورشة ذهنية وعاطفية، وأدوات هذه الورشة تظهر وتختفي من شاعر إلى آخر، وحين يقال عن قصيدة بأنها ضعيفة، فمن جهة أخرى يكون التلقي قد اكتشف فيها الصنعة، أو أنه استمع إلى صوت المطارق والمنشار في القصيدة…” ص162

ويصور كريم الأيام التي قضاها في المدرسة الثانوية وكأنها أيام شعر وليس أيام دراسة. ويؤكد أن الشعر كان مدرسته الأولى: “لقد علمني الشعر الحياة قبل كل المعلمين”.ص16 وعلى الرغم من تدنِّي مستواه في مادتي اللغة العربية واللغة الإنجليزية، فقد “كان الشعر ملازما له في كل مكان يذهب إليه”، ويذكر أن أول قصيدة نشرها كانت حول (دلال المغربي) الفتاة الفلسطينية التي قامت بعملية داخل فلسطين واستشهدت أثناء محاولة المسعفين لها”. ص49 لكن لم تكن فلسطينية أول “كائنة شعرية” عشقها الشاعر الشاب كريم، بنت الجيران التي وبخته لتلصصه على زوجة جاره الحلاق الفلسطيني جمال الذي أقسم ألا يصلي إلا بعد تحرير القدس.

ويعترف كريم أن الشعر قد اغتال طفولته وبراءته، فقد توالت شخبطاته على الجدران ورسوماته لقلب الحب المجروح بالسهم، “ولم يكن هناك من تغير بها إلا الحرف الآخر المقابل لحرف الكاف، تغيرت الحروف كثيرا، وتغيرت معها أماكن الانتظار ووقت الانصراف من المدرسة، ووقت المغادرة صباحا، وتغيرت البقالة التي أرتادها كذلك، وتغير أو كبر ذلك الطفل، لقد اغتال الشعر براءتي الأولى ولم أعتب عليه، فحاصرتني كائنات الشعر”.ص29

ويكرس كريم فصلا طويلا من نصه للحديث عن الوطن بوصفه مصدرا من مصادر إلهامه. وإذا كان يرى أن الوطن مصدر مهم من مصادر إلهام الشاعر فهو ينتقد ميل الشعراء إلى عدم استخدامهم هذا المصدر إلا في المناسبات، ويقول: “الوطن مصدر هام من مصادر اﻹلهام في تجربة الشاعر، وقد لاحظت أن غالبية الشعراء والكتاب لا يكتبون عن الوطن إلا في المناسبات الوطنية، وتكون كتاباتهم غالبا في حب الوطن دون البحث عن تفاصيل الحياة اليومية، كأن الوطن بعزته وأمانه ورخائه لا يمكن أن نراه واضح المعالم إلا في أيام معدودة بالسنة، وربما ساعد على ذلك الاهتمام الإعلامي الكبير بالمناسبات الوطنية، حيث يغيب عن اﻷجهزة اﻹعلامية الوطن طوال السنة”. ص80

أما بالنسبة له، فهو يقول:

 “سأكتب عنك يا وطني

بغير مناسبات العيد

لأنك ساكنٌ فينا

ﻷنك حاكمٌ وتزيد

أراك بكل سانحةٍ

تمد قصائدي بوريد”.

مستوى البوح في ما يشبه سيرة كريم معتوق الذاتية:

مقارنة بما تتضمنه كتابات السيرة الذاتية الغربية يُعد مستوى البوح في السيرة الذاتية العربية متواضعا جدا بشكل عام. وفيما يتعلق بالسيرة الذاتية لكريم معتوق، إذا ما استثنينا ما قاله الراوي عن علاقاته البريئة وغير البريئة، والمبكرة والمتأخرة، مع عدد كبير من الكائنات الشعرية: (الجارات، ونزيلات الفنادق التي سكنها في كثير من المدن في مختلف أرجاء المعمورة)، لن نجد هناك ما يمكن أن نضعه في خانة البوح في هذه السيرة الذاتية التي يقول المؤلف في نهاية مقدمته لها إنها “تشبهه تماما”.ص7، ويبدو أن القليل من البوح الذي يتضمنه النص يهدف أساسا إلى الرفع من القيمة الإنسانية للشاعر كريم. فهو كما ذكرنا يبدأ بالحديث عن ولادته، لكن هذا الشاعر الإماراتي المزروعي لا يتحدث عن جذوره، ويكتفي بالقول إنه ينتمي إلى “حزب الفقراء.. في تلك المرحلة”، أي في فترة الطفولة ص16. ويتحدث قليلا عن قيامه ببعض السرقات “الحميدة”، أي سرقة ما لا يريد، وهي سرقات لا تزال في ذمته حتى اليوم،ص17 وكذلك تفويت صلاة الجماعة في المسجد ص18، والولع المبكر برسمات القلوب و..العشق.

مبررات كتابة ما يشبه السيرة الذاتية:

تسردُ السيرة الذاتية عادةً تجربةِ شخصيةٍ ما في نهايةِ مسارها. أما كريم معتوق، الذي اتسم بالعجلة في تعاطي الشعر والعشق، فقد كان على عجلة من أمره أيضا في سرد حياته وتجربته التي لا تزال اليوم في أوجها. كما أنه يعترف أنه قد مارس الانتقائية في سرد ما مضى من حياته. وقد ضمّن نص سيرته عددا من المبررات للجوئه المبكر لكتابة السيرة الذاتية. ومن تلك المبررات محاولته استعادة توازنه من خلال استعادة الزمن الماضي والابتعاد عن ضجيج الحياة العامة؛ فهو يقول في نهاية نصه: ” (أدب السيرة الذاتية هو أدب الهروب إلى الذاكرة، والهروب الذي مارسته هنا، أعادني إلى ذاتي التي كادت أن تتبدد مني، بوفرة الحياة التي حولي، لقد أعادت لي توازني الذي أنشده، وتوافقي مع نفسي الذي يؤهلني للتوافق مع من حولي، فما أحوجنا للتوافق مع الأخر”ص188.

 ومن المبررات التي يسوغ بها كريم معتوق كتابته لفن السيرة الذاتية، وهو فن سردي في المقام الأول: محاولة الهروب إلى السرد؛ ومن المعلوم أن الشاعر كريم سبق أن مارس السرد في نصين روائيين هما: (رحلة إلى اسطنبول) و(ابن الخراز)، كما أنه مارس السرد في بعض قصائده، لاسيما في ديوانه (رحلة الأيام السبعة). وقد قال في إحدى مقابلاته الصحفية: “أزعم أنني ممن ساهموا في تكريس السرد في الشعر العربي وهو اتجاه لا يتقنه الكثير، أو لنقل لا يحبه الكثير أو لا يكتبه الكثير أو لا يستطيعه الكثير”.

وعلى الرغم من أن كريم يشير في نهاية مقدمة سيرته إلى أن معظم القصائد التي يتضمنها الجزء الشعري من نصه لم تنشر من قبل فمن المؤكد أن القارئ سينجذب أكثر- في رأيي- إلى الجانب النثري السردي من الكتاب ، إذ أن عددا من القصائد المهمة التي تضمنها النص سبق إن نشرت في دواوين الشاعر، وبشكل رئيس في ديوانه: (هذا أنا).

وفي نهاية هذا العرض الموجز يمكن الإشارة إلى أن نص كريم معتوق مليء بالإحالات –التناصية- مع عدد من نصوص السيرة الذاتية العربية والأجنبية. فمن الصعب مثلا عدم تذكر (اعترافات) جان جاك روسو عند قراءة هذه الجملة التي يضمنها كريم (سرد الخاتمة): “في هذا الكتاب أزعم أنه هذا أنا بكل براءتي وخبثي وعنفي وليني، وبكل ما كنت عليها أعرضه للقارئ هنا، فهذا أنا”. ص187 أما آخر سطر في ما يشبه سيرة كريم معتوق “أنا ها هنا قد جئت أقترف الحياة” فيحيلنا إلى حكيم معارة النعمان.

لذاتية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *