محمد عبد القادر بافقيه صحفيا

sarookh600

محمد عبد القادر بافقيه والكتابة الصحفية

قراءة في كتابه (صاروخ إلى القرن العشرين)

أ.د. مسعود عمشوش

 في مطلع الستينيات من القرن الماضي اختار محمد عبد القادر بافقيه أن يركز جهوده على المجال التربوي، وعُيِّن أولاً مساعدا لمدير المعارف في المكلا ثم مديرا للإدارة. وبما أن هاجس الكتابة لديه كان قويا فقد بدأ في نشر بعض المقالات في صحيفة (المستقبل) التي كانت تصدر في عدن. وحينما بادر حسين البار إلى تأسيس صحيفته (الرائد) في المكلا عام 1960 أصبح محمد بافقيه من أبرز كتابها. لكنه لم يشأ أن يوقع مقالاته باسمه بل باسم مستعار: سندباد. ربما لأن المقالات التي كان يكتبها لا تتطابق بالضرورة مع وجهة نظر السلطات التي تخضع لها إدارة المعارف.

وفي عام 1965 قام محمد عبد القادر بافقيه بجمع عدد كبير من المقالات التي نشرها في صحيفة (الرائد) وعددٍ قليلٍ من المقالات التي نشرها صحيفة (الرأي العام) التي تأسست في المكلا عام 1963، وقدمها للناشر المبدع علي محمد الصبان -صاحب منشورات مؤسسة الصبان في عدن- الذي سارع بنشرها في كتاب بعنوان (صاروخ إلى القرن العشرين). ويقع الكتاب في مئة وأربع وثمانين صفحة.

وكثير من تلك المقالات تأتي في شكل عمود أو زاوية ثابته، يبدأه الكاتب بتناول الموضوع المحدد في العنوان، لكنه في نهايته يكرس عددا من الفقرات القصيرة للحديث بشكل مكثف عن سلبيات او إيجابيا بعض الظواهر المنتشرة في المجتمع. وهو أسلوب صحفي يمارسه عدد من الكتاب المرموقين في كبار الصحف.

مثلا في عدد (الرائد) الصادر بتاريخ 17 أكتوبر عام 1960 نشر بافقيه مقالا بعنوان (بين الشخبطة والتخطيط)، وتناول في جزئه الأول عشوائية التخطيط في مدينة المكلا حينذاك، وكتب في مستهلة “الناس في المكلا هذه الأيام أصيبوا بحمى شراء الأراضي. كانت الأراضي في الماضي رخيصة، ولم يكن الناس يتكالبون عليها. ثم تقرر أن تباع (بالحكر) أو الإجار -الامتياز 99 سنة-، فتوقف الناس عن الشراء، لأن الشراء بهذه الطريقة جديد عليهم. وفجأة انكسر السد. وإذا كان الناس يتدفقون كالسيل، فما السر في الإقبال على الأراضي؟ هل هو ارتفاع (الكروات)؟ أم هي موضة؟ أم هو مرض معدي؟”. ص31 أما الجزء الأخير من المقالة فيتضمن أربع فقرات قصيرة تتناول الأولى منها دعوة للمجلس البلدي للاهتمام بجمال المدينة، والثانية قضية حرمان الموظفين من ترشيح أنفسهم لعضوية المجلس البلدي، والثالثة انتشار ظاهرة التدخين بين الأطفال، والرابعة دعوة بعض القراء لصحيفة (الرائد) للقيام باستفتاء حول مسألة افتتاح دار سينما في المكلا. وفي الغالب ينهي بافقيه مقالاته ببيت شعر.

وفي مقال نشرته (الرائد) بتاريخ 21 يوليو سنة 1961 بعنون (التخطيط أم ذوات الملايين) يتناول بافقيه الإعلان عن توقيع اتفاقية التنقيب عن البترول في حضرموت، وكتب في فقرته الرابعة “توقيع الاتفاقية، نصيبنا من الأرباح. عائداتنا على البترول. كل هذه الأمور هامة، بل بالغة الأهمية. ولكنها ليست كل شيء. إننا نريد أن نكون شعبا من الذوات. ذوات الملايين. شعب يستخدم الأجانب ليقبض آخر الشهر أو آخر العام أرباحه. يقبضها باليد اليمنى ليبددها بالشمال. نريد لهذا الشعب أن يعمل، وأن يحتل كل الأعمال في الدولة وفي الشركات، وفي شركة البترول بالذات. فكيف يمكن أن نحقق ذلك؟ هناك طريقان لا ثالث لهما: الأول حصر الكفاءات الوطنية الموجودة بالداخل وبالخارج والاستفادة منها. حصرها رسميا وعلنيا وجديا. والثاني وهو الأهم: التعليم”. ص37

وفي 31 يوليو 1961، تنشر (الرائد) مقالا لبافقيه بعنوان (صاروخ إلى القرن العشرين)، ينتقد فيه بشكل ساخر الواقع المتخلف الذي يعيشه الحضارم وموقف بعضهم الرافض لكثير من التطورات التي أصبحت من الأمور المسلم بها في معظم أصقاع العالم حينذاك، مثل تعليم البنت وفتح دور السينما، ويرى أن الحل لهذه المعضلة نقل هؤلاء المحافظين على متن صاروخ إلى القرن العشرين، ويضيف: “سيصعد سندباد الزمان إلى الصاروخ في ملابسه التقليدية. ولن تكون آلات الصاروخ معقدة. فالتعقيد أمر لن نرضاه. نحن قوم نحب البساطة. سيكون هناك زران فقط. زر إذا ضغطته يدفع الصاروخ إلى الأمام؛ إلى القرن العشرين الذي لم نبلغه بعد، مثلا. وزر إذا ضغطته يدفع الصاروخ إلى الوراء؛ إلى القرون الغابرة بما فيها القرن الذي نعيش فيه. وهذا ضروري ليعود الصاروخ إلى مقره على الأقل. وتصوروا أية حيرة سيقع فيها صاحبنا قائد الصاروخ. أيّ الزرين يضغط؟ ولكن بما أن الغرض من إرسال الصاروخ هو اكتشاف القرن العشرين فأن قائده الهمام سوف يضغط الزر الأول بدافع الفضول على الأقل. والفضول، كما يزعم بعض أبناء هذا القرن: غريزة. فماذا سيرى؟ سيرى في القرن العشرين شعوبا تخطو إلى الأمام بخطى حثيثة، وسيرى علوما واكتشافات لم يكن الإنسان ليحلم بها من قبل. لن يجد أحدا يتحدث عن شرعية تعليم المرأة أو في حق الشعوب في انتخاب من يحكمها. ولن يجد –للأسف- من يتحدث في أمر فتح دار للسينما. ستكون كل مواضيع القرن العشرين غريبة. وسيجد أن الهوة بعيدة والنقلة شاسعة. وبما أنه بطبعه لا يؤمن بالطفرة فسيحكم على القرن العشرين بأنه قرنٌ مجنون، وأن أهله مجانين. لماذا كل هذه العجلة؟ إن العجلة من الشيطان”. ص50-51

وكرس بافقيه عددا من مقالاته لعرض بعض الكتب التي كان يقرأها باللغة العربية أو باللغة الإنجليزية، ففي مقال نشرته (الرائد) بتاريخ  12 ديسمبر 1960بعنوان (صهيوني في المكلا) يقوم بافقيه بعرض نقدي لكتاب حاكم عدن الأسبق السير هيكنبوثم: (الجنوب العربي)، ويرى أن أهم فصول الكتاب الفصل الذي خصصه المؤلف لـ(الاتحاد الفدرالي والمستقبل)، ويذكر أن “العلاج الذي يراه السير هيكنبوثم لمواجهة الحالة المنتظرة هو الاتحاد الفدرالي. ثم ينتقل إلى عرض لمشروع هذا الاتحاد وخطوطه العريضة، وهي: 1-قيام اتحادين منفصلين غربي وشرقي 2-يرأس الاتحادين مندوب سامي بريطاني يكون في نفس الوقت حاكما لعدن. 3- مجلس حكام أو رؤساء في كل الاتحادين. 4 مجلس تنفيذي وآخر تشريعي معينان في أول الأمر. 5- سلطات الاتحادين تقتصر على الجمارك والمواصلات والتعليم والصحة العامة. 6- عاصمة الاتحاد الغربي عدن وعاصمة الاتحاد الشرقي المكلا”. ص13-104

وفي مقالة أخرى يقدم بافقيه كتاب الرحالة البريطاني ولفريد تيسيقر (Arabian sands). ذكر فيه: ” لقد قرأت من قبل عدة مؤلفات لكتاب من الغرب زاروا البلاد العربية. بل لقد تعلمت الكثير من هذه الكتب عن هذه البلاد. ولكنني لم أستمتع بأي منها قدر استمتاعي بقراءة (رمال عربية) في لغته الأصلية. ولا غرابة فقد استقبل كبار النقاد هذا الكتاب عند صدوره أعظم استقبال. وقالوا عنه من غير تحفظ أنه قمة)، وأنه خير ما كتب عن الصحراء العربية” ص108. وبالمقابل ينتقد بافقيه الترجمة العربية التي قام بها للكتاب اللبنانيان نجده هاجر وإبراهيم عبد الستار، وقال عنها: “ومنذ أشهر صدرت في بيروت ترجمة عربية لكتاب (رمال العرب) فهرعت إلى اقتنائه وقراءته. والآن وقد فرغت من قراءة الترجمة العربية أجدني محتارا فيما إذا كان المترجمان قد أنصفا الكتاب بعملهما هذا. وفيما إذا كانا قد تمكنا من نقل روحه الساحرة إلى القراء الذين لم يتمكنوا من قراءته في لغته الأصلية. ولا أريد أن أتعجل وأحكم على الترجمة لأنني قد أخذت بالكتاب في لغته الأصلية، إذ ربما كان تأثري السابق قد ألقى غشاوة على عقلي وأنا أقرأ المحاولة العربية لترجمته. على أنه لا مفر من ذكر بعض الهنات الواضحة بل الصارخة”. ص109

وفي العدد الثاني من صحيفة (الراي العام) الصادر في 19 يوليو 1963 نشر بافقيه مقالا بعنوان (اللامعقول)، قدم فيه مسرح العبث أو اللامعقول الذي – بعد أن انتشر في الغرب- بدأ يترك بعض الأصداء في المسرح المصري. ويقدم بإيجاز شديد مسرحية الكراسي لأوجين يونسكو. وفي الفقرة الأخيرة يقوم بافقيه بإجراء مضاهاة ساخرة بين ما يحدث في تلك المسرحية العبثية وما يجري في المجلس التشريعي في المكلا، ويكتب “ولنخرج من دائرة اللامعقول برموزه المغلقة وإضاءته الخافتة إلى ضوء النهار. مسرحية الكراسي التي نتحدث عنها اليوم هي مسرحية المجلس التشريعي. والممثلون الذين يقفون على خشبة المسرح الرمزي الخافت الإضاءة هم الحالمون بكراسي المجلس، أما المتفرجون فهم الأبطال الحقيقيون الذين لم يلعبوا الدور بعد. فمتي يقفز الأبطال إلى المسرح. متى يتحرك شباب هذا البلد؟ متى يتاح لنا مسرح معقول في بلد كل ما فيها لا معقول ولا مقبول.. متى؟”. ص161

وفي ختام هذا العرض أتساءل: ألا يمكن أن نقترح إلزام طلبة أقسام الصحافة في جامعات بلادنا بدراسة الكتب التي تتضمن مقالات لعض الرواد مثل محمد علي لقمان ومحمد علي باشراحيل وعلي عبد الرزاق باذيب ومحمد عبد القادر بافقيه ومحمد بن هاشم وغيرهم؟ فهي تتضمن عبرا ودروسا في كيفية تفاعل المثقفين والكتاب مع محيطهم وبيئتهم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *