لمحات من تاريخ مقاومة ابن عبدات في حضرموت

binadbdat1

قراءة في كتاب (لمحات من تاريخ مقاومة ابن عبدات في حضرموت)

مسعود عمشوش
تكتسب الثورة (أو الحركة أو المقاومة) ـ التي قام بها ابن عبدات الكثيري ضد البريطانيين بين عام 1939 وعام 1945 في مدينة الغرفة ـ أهمية كبيرة في تاريخ حضرموت الحديث، ولذلك حظيت باهتمام عدد كبير من المؤرخين والكتاب، مثل سلطان ناجي وصلاح البكري ومحمد عبد القادر بامطرف والدكتور محمد سعيد داود والمؤرخ جعفر محمد السقاف.

وفي عام 2014 كرّس لها الأستاذ خالد بن مبارك باعافية كتابا بعنوان (لمحات من تاريخ مقاومة ابن عبدات)، صدر عن مكتبة تريم الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، ويقع في 90 صفحة.

وقد قام الأستاذ المؤرخ جعفر محمد السقاف بوضع تقديم / تقريظ للكتاب، تناول فيه التباين الذي برز بين المؤرخين عند تصنيفهم لثورة ابن عبدات. وكتب “إن حركة بن عبدات، أو كما يسميها البعض ثورة بن عبدات، دخلت التاريخ من أوسع أبوابها، وقد كتب لي الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف رسالة يستفسر فيها عن حركة بن عبدات، وهل هي ثورة وطنية أم حركة قبلية، وأخيرا استقر رأيه على أنها حركة وليست ثورة، واقتفيت أثره في أبحاثي عنها، المنشورة بالصحافة، وكذا سلك الأستاذ محمد سعيد داود، أما علي عقيل بن يحيى فقد سماها ثورة بن عبدات في كتابه (حضرموت)” ص7

أما محمد بن عبدات، حفيد المقدم صالح بن عبيد بن عبدات الكثيري، فقد نشر مقالة تقديمية لكتاب باعافية عدّ فيها ما قام به جده “أوّل ثورة ضد الاستعمار في شبه الجزيرة العربية، وكان هدفها التحرر من براثن المستعمر والقضاء على الحكم السلاطيني حينها في حضرموت، وإقامة دولة تحقق كل طموحات وآمال الحضارم، وحينها وقف إلى جانب هذه الثورة العظيمة كل الشرفاء من أبناء حضرموت الذين يتطلعون لغد مشرق لهذا الوطن الغالي، ومن هؤلاء قبيلة الحموم التي ناصرت بقوة ثورة بن عبدات ضد الظلم والاستبداد والغطرسة الاستعمارية”.

ينتمي المقدم صالح عبيد بن مبارك بن عبدات، الذي قام بتسوير مدينة الغرفة عام 1924، إلى فخيذة آل عامر الكثيرية التي يطلق عليها: الشنافر آل كثير. وهو من مواليد الغرفة وهاجر في مطلع القرن العشرين إلى جاوة (اندونيسيا منذ عام 1948حاليا)، وأسس فيها مصانع للنسيج واشترى مزارع وعقارات مكنته من جمع ثروة كبيرة نقل جزءا كبيرا منها إلى حضرموت، وتحديدا إلى مدينة الغرفة التي كانت تعاني من أعمال السلب والنهب وقطاع الطرق، وشرع، منذ عشرينيات القرن الماضي، بتنفيذ عدد من الإصلاحات الأمنية والتنموية فيها، وذلك بإشراف أخيه عمر عبيد بن عبدات، منها: (في عام 1924) بناء سور حول المدينة ليحفظها من النهب والسلب، وجعل عليها حراسة مشددة، وأمر جميع الوافدين إليها بترك (بنادقهم) عند حرس البوابات، وأكد على المساواة بين الناس، ولم يفرض أي جمارك أو (عشور) على الواردات والصادرات.

وتوفي المقدم صالح عبيد بن عبدات، الذي أختير نائبا لرئيس حركة الإرشاد في جاوة، في جاكرتا في شهر فبراير عام 1939، أي بعد أشهر من وفاة السلطان علي بن منصور الكثيري الذي لم يوقع اتفاقية الاستشارة مع بريطانيا ولا يميل للأوروبيين كما أكدت فريا ستارك في كتاباتها عن حضرموت، ومن المعلوم أن السلطان جعفر بن منصور الكثيري هو الذي وقع تلك الاتفاقية في أواخر 1938، بينما كان السلطان القعيطي في المكلا قد سارع إلى توقيعها في عام 1937.

وبعد وفاة صالح أصبح أخوه عمر بن عبيد مقدم آل بن عبدات الكثيري، وجعل من الغرفة إمارة لا تعترف بالمستشار البريطاني ولا بسلطنة آل عبد الله الكثيري في سيؤن، وبعد وفاة عمر في يونيو من العام نفسه (1939) خلفه ابن أخيه عبيد صالح بن عبدات، وهو الذي قررت بريطانيا القضاء عليه بقوة السلاح بعد أن قام بإهانة مستشارها هارولد انجرامس.

وفي الجانب الاجتماعي يذكر خالد باعافية أن “ابن عبدات اتخذ بعض الإجراءات المنسجمة مع مبادئ الحركة الإرشادية، حيث قضى على الظلم الذي كان سائدا في المدينة، وأزال طغيان الأقوياء على الضعفاء، وأقام العدل، وجعل الناس على اختلاف طبقاتهم سواسية في الحقوق والواجبات، وخصص الأموال للمشاريع الخيرية، كتقديم المساعدات للفقراء والمساكين والأرامل والعجزة والمحتاجين من سكان الغرفة”.ص25

وفي الجانب الاقتصادي قام ابن عبدات، عام 1344 هجرية، بصك عملة خاصة بمدينة الغرفة، وهي أول عملة حضرمية تعادل قيمتها مقدار وزنها من الفضة، وقد ساعدت تلك العملة على إنعاش السوق المحلية في المدينة.

وفي الجانب العسكري، “كان اعتمد ابن عبدات على العبيد المعتوقين وعلى قبائل الحموم المعروفين بعداوتهم لبريطانيا، وكان محبوب البدوي الحارس الخاص لابن عبدات وقائد الجيش الذي عصف بالإنجليز وأعوانهم واستعصى عليهم ووقف مواقف الأبطال، وكان بطلا في جميع المعارك التي خاضها ضد الأعداء”.ص25

وليدير شؤون (الإمارة) أحاط الأمير (السركال) عبيد صالح بن عبدات نفسه بعدد من المستشارين المثقفين منهم: محمد عبيد بن عبود، الذي تولى شؤون السكرتارية، وعمر سالم باعباد المترجم الخاص بن عبدات، و“كذلك الشيخ هود عبد الله باعباد باشميلة، الذي كان له دور في جلب الحموم، لأن المشايخ كان لهم دور في الإصلاح والإرشاد والكلمة المسموعة لهم، وكان الشاعر خميس كندي إعلامي إمارة ابن عبدات والمنافح عن قضاياها”.

ويؤكد خالد باعافية أن مقاومة ابن عبدات كانت “حركة شعبية منظمة، وساندته فيها، إضافة إلى الحموم وآل باعباد، عدد من القيادات السياسية المحلية والعربية “مثل علي بن صلاح القعيطي ومحمد بن عامر بن منيباري الكثيري وحسين الدباغ الذي جاء من السعودية”.

يعود أول تدخل بريطاني عسكري للقضاء على سلطة بن عبدات إلى نهاية عام 1938، حينما قاد انجرامس حملة فاشلة لاقتحام الغرفة بقصد إخضاعها لمعاهدة الاستشارة ونظام المستعمرات البريطانية، وفي عام 1939، وبعد فشل الحملة، سافر انجرامس إلى اندونيسيا والملايو لإقناع مناصري بن عبدات بالتخلي عنه والكف عن دعمه بالمال والسلاح، وبعد عودته إلى سيؤن تبيّن له أن جهاز اللاسلكي كان عاطلا، وعندما أراد أن يذهب إلى شبام ليستخدم الجهاز الموجود فيها لم يسمح عبيد صالح بن عبدات له المرور في مدينة الغرفة إلا بعد أن اعتذر له بوصفه أميرا (سركال) لمدينة الغرفة، ومنذ تلك اللحظة قرّر انجرامس استخدام مختلف الوسائل العسكرية للقضاء على حكم آل بن عبدات في الغرفة.

ويسرد خالد باعافية ذلك قائلا: “وقامت طائرات سلاح الجو البريطاني بالقصف الجوي على الغرفة بالقنابل لمدة ثلاثة أيام دون جدوى، إلى أن أرغم الجنود من الحموم المتمركزين في أعالي الجبال الطائرات على المغادرة والابتعاد من سماء الغرفة.. وبعد ذلك فكر ابن عبدات في مناورتهم وأراد إبلاغهم أنه أقوى من كل الأعمال التي يناؤونه بها، فأرسل بعض الجنود إلى الجبل المطل على سيؤن وأطلقوا الرصاص تجاه قصر سيؤن، فرفع السلطان ذلك إلى المستشار البريطاني الذي بدوره رفع الأمر على عدن، وجاء الحكم: على ابن عبدات أن يدخل سيؤن بأربعة ألف رصاصة وألف روبية، ويسلم ذلك للسلطان بيديه، لكن ابن عبدات لم ينفذ الحكم، فتوجه انجرامس إلى الغرفة لكي يقوم بتدميرها بعد أن رفض ابن عبدات دفع الغرامة، وقام القائد العسكري بتوزيع منشورات عبر الطائرات لأهالي الغرفة تأمرهم فيها بريطانيا بمغادرة المدينة لأن قوات كبيرة ستشن عليها حربا لا هوادة فيها، واستعد أهالي الغرفة للهجوم والقضاء المرتقب في شهر ربيع الأول من عام 1359هـ الموافق، ابريل 1940م، وقامت القوات البريطانية بالهجوم للمرة الثانية وضربت الغرفة من الجو بتسع طائرات قذفت المدينة بقنابل الـ(فنستنت)، وجاءت من المكلا فرق الجيش النظامي وشنت هجوما بريا، لكنها باءت بالفشل، واضطرت للانسحاب تحت ضربات رجال المقاومة التابعين لابن عبدات”. وفي منتصف العام، حينما أعلنت إيطاليا دخولها الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا وبدأت تضرب ميناء عدن من بالطائرات والسفن القادمة من القرن الافريقي، اضطرت بريطانيا إلى تعليق حملتها على ابن عبدات في الغرفة، وتم توقيع هدنة بين الطرفين واتفق أن يتم التفاوض بشأن دفع الغرامة في عدن بعد ستة أشهر، ولم يتردد الشاعر الشعبي خميس سالم كندي، إعلامي ابن عبدات، في جعل تلك الحرب امتدادا للحرب العالمية الثانية التي تدور رحاها ليس فقط في أوروبا، بل وفي أفريقيا وميناء عدن، وقال:

ردّوش يا الغرفة كما برلين

مستر جرامس هو وشمبرلين

بن صالح مبارك لقاش رسم

عاند بش قرانه

هم قايسوش العَبْر

من ضرْب القنابل باتودين

وقد اعتبرت القبائل المجاورة تلك الهدنة انتصارا لابن عبدات، “ووقفت معه وكذلك قبائل الحموم، كما وقف إلى جانبه السلطان علي بن صلاح القعيطي الذي سجل أنموذجا رائعا ومتميزا في الدفاع عن القضايا الوطنية وتعرض إلى سخط الإنجليز ولأعوانهم، فصمد صمود الرجال وتحمل في سبيل مبادئه المشقات فصبر واحتسب وأمد ابن عبدات بجميع أنواع السلاح والعتاد وسمح الأمير علي بن صلاح الحموم أن يمروا عبر القطن وقد وقعت اتفاقية بين ابن عبدات وبين الأمير علي بن صلاح للدفاع عن الوطن”.ص49 وبإيعاز من الحاكم البريطاني أرسل السلطان جعفر الكثيري رسالة إلى الأمير علي بن صلاح القعيطي، حاكم شبام والقطن، يحذره فيها من مغبة دعمه لابن عبدات.

وفي مطلع عام 1945، بعد أن تمّ دحر القوات الإيطالية والألمانية في معظم الجبهات، وقامت بريطانيا بتحويل جزء من قواتها العائدة من تلك الجبهات إلى حضرموت لتنفيذ ما سبق أن قررته عام 1939: القضاء على ابن عبدات. ويكتب خالد باعافية: “في فبراير 1945، في عهد المستشار روئست فلندي، جرّدت الحكومة البريطانية حملة ضخمة ضد بن عبدات، بعد أن جهزت جيش عرعرم لم تعرف البلاد مثله، فيه المدافع الكبيرة والدبابات الهائلة والسيارات المصفحة.. وقامت بمحاصرة الغرفة وبدأت الحرب بالمدفعية التي كانت تضرب الحصون، وصدر الأمر بالهجوم وكان حصن المناخ والطنافرة أول حصن سقط في يد القوات النظامية، وهكذا استمرت الحرب بين بريطانيا وابن عبدات حتى سقطت الغرفة في يد البريطانيين في السابع من مارس 1945”.

وبعد استسلام ابن عبدات، تمت محاكمته وتقرر حبسه خمس سنوات، ومنعه من السفر من حضرموت، لكن بريطانيا أمرت بإطلاق سراحه بعد أقل من عشرة أشهر، وغادر إلى عدن ثم عاد إلى الشحر، وبعد ذلك سافر إلى اندونيسيا وتوفي هناك عام 1963. “أما سكرتيره محمد عبيد بن عبود فتم تسليمه للسلطنة الكثيرية التي نفته إلى عدن، وهناك عاش بقية عمره ومات فيها، وحُكِم على الشيخ هود عبد الله باعباد باشميلة بالإعدام ومات في السجن. أما الأستاذ عمر سالم باعباد فقد غادر البلاد في مطلع عام 1941 للانضمام إلى انقلاب الكيلاني ضد الإنجليز هناكن وهرب خميس سالم كندي إلى المكلا ومنها إلى عدن ثم إلى الحبشة وعاش بقية عمره في المهجر”.ص58

وبالنسبة للحليف علي بن صلاح القعيطي، فبسبب توقيعه على معاهدة مع ابن عبدات تمّ نفيه إلى الشحر سنة 1946، ثم محاكمته، وفي عام 1947 غادر إلى عدن للعلاج ولم يطل به المقام فيها إذ عاد إلى القطن لينتقل إلى جوار ربه الحادي والثلاثين من مايو 1948، ومن الواضح أن أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من ثورة ابن عبدات وحلفائه ضد البريطانيين تكمن في عدم وجود موقف واحد وموحد داخل البيتين الحاكمين في حضرموت آنذاك، الكثيري والقعيطي، تجاه الوجود البريطاني.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *