أيامي في الثانوية

فس

مسعود عمشوش

في بداية العام الدراسي 1971/1972 انتقلت من المرحلة الوسطى، التي أصبحت المرحلة الإعدادية، إلى المرحلة الثانوية. وبعكس المدرسة الوسطى (بن داعر) التي تقع وسط حي الثورة بين البساتين والمنازل، والتي يحيط بها سور متهالك، تقع المدرسة الثانوية خلف الكهرباء (القديمة) ودار باحبيشي، قرب جبل سيؤن الشرقي، وكانت مبانيها لا تزال في طور التشييد، وليس بقربها أي بيت، وكان العم أحمد بن زيلع (لويو) يبذل جهودا طيبة في سبيل تشجير المدرسة لاسيما حول المطبخ ومساكن المدرسين. وكان الطلبة يعتبرون الثانوية بعيدة جدا، أما بالنسبة لي – كنت أسكن في الطرف الغربي من القرن خلف مسجد عمر حيمد- فكانت قريبة، بل أنها أقرب من الوسطى. وكان بإمكاني الذهاب للبيت خلال الاستراحة.

في السنة الأولى انتابني شعور بأنني قزم بين عدد كبير من العمالقة، إذ أن معظم الطلبة في الثانوية كانوا فعلا كبارا مقارنة بسني أنا الذي دخلت مدرسة القرن في الخامسة، قبل أخي سالم الذي دخل الثانوية في العام نفسه. وإضافة إلى زملائي الذين انتقلوا معي من الوسطى مثل هود بارجاء وعوض باصحيح ورمضان باجبير وحسين بن جديد وحاج باوزير وخميس عوض ويحيى المشهور وعبد الحافظ باحشوان، كان هناك عمالقة أخرون كثيرون في الصفوف العليا، وهم ليس من سيؤن فقط بل من مختلف مدن وقرى السلطنة الكثيرية؛ من ساه وتاربه وتريم والحوطة، بل ومن تريم التي كان بها وسطى لكن لم يكن بها ثانوية، بل وحتى من شبام التي كانت تتبع للسلطنة القعيطية، وكان المرحوم عبد المطلب جبر حينها في المستوى الثالث وصالح مطبق في الثاني، وكلهم (شيابة)، ولا يستطيعون أن يخفوا ابتسامتهم عندما ينظرون لي بسني وحجمي الصغيرين. وكان بعضهم يشكل جزءا مهما في الفرق الأساسية لنادي الأحقاف: مثل حسين بن جديد أو صالح عبد الله، وبعضهم في نادي الأهلي: مثل عوض باصحيح ورمضان باجبير وسعيد باجيدة والحارس عرفان بن عبادة.
كانت المدرسة واسعة وتضم مباني لسكن الطلبة القادمين من خارج سيؤن، وقد تعرفت على بعضهم، مثل سعيد الجابري وحاج باوزير من ساه، وحسين العيدروس ومبارك سعد من تاربه، وسهل بن سهل وجنيد الجنيد من تريم، وأحمد خميس من قاهر. وتضم المدرسة كذلك مساكن للمدرسين ومطبخ (يسلم بشير)، ومختبرا واسعا قمنا فيه بتشريح الطيور والضفادع، ومكتبة واسعة، الكتب الإنجليزية فيها أكثر من العربية. وفي إحدى تلك السنوات استمعنا فيها للشاعر عبد الله البردوني.
وتزامنت سنوات دراستي في الثانوية مع سنوات الخضم الثوري الذي شهدته جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وكذلك الثورة المضادة في تلك الفترة 1971-1974. بالنسبة لنا في المدرسة انعكس ذلك في ظهور القَسَم الذي علينا ترديده في الطابور الصباحي الذي لفترة تم نقله إلى الساحة التي تقع أمام الكهرباء القديمة، والتي كنا نستخدمها للعب كرة القدم في العصر، والتي اعتبرت نقطة وسط بين موقع الثانوية وموقع مدارس القرن (أو مدارس العمال بنين وبنات)، وكذلك في تغيير لون القميص (الشميز) من الأبيض إلى الكاكي (على ما أعتقد في السنة الثالثة). وفي كثير من الأحيان كان على الطلبة أن يشاركوا في المسيرات التضامنية وليست الاحتجاجية طبعا، أو حضور إعدام عميل من الثورة المضادة قام بزرع الألغام، وهناك أيضا المبادرات الجماهيرية، وحصة التربية الرياضية التي حولها المرحوم …. بلفاس إلى تربية شبه عسكرية. أما الرياضة فكنا نمارسها حقا في فصل الشتاء عندما نتسلق الجبل الشرقي ونصل إلى منتصفه عند علامة بنية اكتشفنا أنها بقعة ملحية تتوسط ذلك الجبل.

وطبعا في المستوى الأول كنّا ندرس معا، وكانت هناك شعب عدة. وفي نهاية المستوى الأول كانت درجاتي ممتازة، حتى في الرياضيات التي قمت بتدريسها بعد تخرجي في مدرسة النهضة. وبما أن الإدارة اعتادت أن تضع أصحاب الدرجات العليا في القسم العلمي وأصحاب الدرجات المتدنية في القسم الأدبي، فقد نزل اسمي مع أخي سالم في القسم العلمي. لكنني رفضت وطلبت من الأستاذ عبد اللاه محمد هاشم، الذي عُين مديرا للمدرسة في مكان ابوبكر عباد…، أن يحولني إلى القسم الأدبي. وفي البداية رفض بشدة، ولم يوافق إلا بعد أن قضيت أسبوعا أبكي عند باب مكتبه. وطبعا لم تواجهني أي صعوبة في القسم الأدبي وكنت أتنافس أنا ويحيى المشهور على المرتبة الأولى.

وكان المدرسون في الثانوية في تلك الفترة سوريين وفلسطينيين ومصريين بالإضافة إلى عدد من الحضارم؛ أذكر منهم وعمر محسن الكثيري الذي درسنا لفترة وجيزة اقتصاد سياسي قبل أن يستدعيه سعيد النوبان للتدريس في كلية الاقتصاد بجامعة عدن. وكذلك جارنا المرحوم حسن بن عبيد اللاه السقاف الذي كان يدرسنا تربية إسلامية. وأذكر أن الطلبة في المستوى الثالث لم يكونوا حريصين على حضور المادة، وعندما أذكـّر الأستاذ حسن – الله يرحمه- أنه (عندنا حصة) يسألني: (وهل فيه طلبه في الفصل؟). ونذهب معا إلى الصف، وبعد أن يتأكد أنني أحفظ تماما سورة يس يكتب في السبورة مطلع قصيدة شوقي (نكبة دمشق: سلامٌ من/ صبا بردى/أرق/ ودمعٌ لا / يكفكفُ يا/ دمشقُ) ويطلب مني أن أقطعه عروضيا.

وفي أثناء دراستي في الثانوية كنت أقضي معظم العصريات في مكتبة الشهيد التي تمّ افتتاحها بجانب محطة البترول، وكان مديرها أبوبكر بارجاء ومساعده محمد بن قاضي اللذان كانا ينشغلان بالدورات التي تـُنظم في مقر التنظيم السياسي الجبهة القومية يسلماني المفاتيح ويحملاني مسؤولية المكتبة. وفي الحقيقة كان عدد القراء مرتفعا لأن المكتبة تقوم بإعارة الكتب وتصلها بانتظام عدد كبير من المجلات العربية مثل: المصور وأخر ساعة وروزا اليوسف والموعد وطبيبك والطليعة الكويتية والعربي.

وفي المساء كنت أذهب أما السينما أو اتحاد الطلبة، وهناك يرفض (الكبار) أن أشاركهم في لعبة الطائرة، لأن صغر حجمي يعد في رأيهم نقطة ضعف يستفيد منها الفريق الآخر. لهذا كانت أفلام رعاة البقر أو الهندية أرحم. والسينما كانت أمام المكتبة.
حتى عام 1975، كانت مناهج الثانوية العامة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مصرية بنسبة 90%، وتـُعد الامتحانات وتصحح في مصر. وبعد نحو شهرين من انتهاء الامتحانات، في صيف عام1974، كنت مواظبا على العودة للبيت بعد صلاة العشاء والجلوس مع أمي – الله يرحمها – في الحوش (التكة)، وأستمع لبرنامج ندوة المستمعين من هنا لندن. وذات ليلة فوجئت بالمذيع يقرأ في إذاعة عدن أسماء الأوائل في امتحانات الثانوية العامة. وتهيأ لي أنه قرأ اسمي، لكنني لم أكن متأكدا، فسألت أمي، وردت: نعم اسمك الأول أو الثاني.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *