القرن ص ب 4010

qarn.2jpg

مسعود عمشوش
كان القرن من الأحياء الأكثر خضرة في سيؤن، وكان معظم السكان المستقرين فيه من العمال والمزارعين، وقليل جدا هم العلويون الذين استقروا في الأراضي التي يمتلكونها في الحي قبل أن تتفاقم أزمة الأراضي في أحياء سيؤن الغربية. وأبرز هؤلاء آل بن حسين السقاف الذين كانوا وما زالوا يتميزون حقا بالتواضع وحب العمل. وهو ما أكسبهم حب جميع سكان الحي.

وفي الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي لم يكن بحي القرن إلا بضعة دكاكين تبيع السلع الأساسية لا سيما المواد الغذائية؛ أهمها دكان عبيد، الذي على الرغم من ضيقه الشديد أصبح (ملتقى) للكبار من أبناء الحي الذين يأتون إليه بعد صلاة العشاء -وفي رمضان بعد صلاة التراويح- للأكل والمداعة (الرشبة) والتدخين الذي كان ممنوعا في البيوت، ولعب (البطة) واللهو، وفيه كانت صناديق الحنضل والشاي السيلاني (أبو ولد) وجحلة (أو زير) اللخم القريني تتجاور دون أن يؤثر أحدها في الأخرى. وكان هناك دكان عقيل ودكان البكيري ودكان منصور، ودكان سقاف بن حسين الذي يتميّز عن الدكاكين الأخرى بشيء من الاتساع والترتيب. وكانت أمامه ساحة واسعة نستخدمها نحن الأطفال للعب كرة القدم أو اللعب بالبطاقات التي تحمل صور أشهر الممثلين والفنانين المصريين الذين كنت أشاهدهم أيضا على شاشة سينما سيؤن منذ منتصف الستينيات، وخلف الدكان كان هناك حوش تستخدمه النساء لإقامة بعض المناسبات في العصر أو المساء ولاسيما للترازيح في رمضان.
وكان الناس الذين يتعاملون بالدين يفضلون الشراء من دكان سقاف لأنه كان دقيقا في مسك الدفاتر، وربما لهذا السبب تمّ اختياره متعهدا لتموين سجن حصن الحوارث بالمواد الغذائية. وكنا نحن أيضا نشتري من عنده. وقبل أن يستعين بصهره عوض الدقيل في تسيير أمور الدكان، كان في بعض الأحيان حينما أمر للدكان، يطلب مني البقاء في الدكان ريثما يقوم هو بقضاء بعض الحاجات، وربما للذهاب بدراجته النارية إلى حصن الحوارث.

ومن الخدمات الجليلة التي كان يقدمها دكان سقاف أنه أصبح مكتب بريد القرن؛ فبعد أن هاجر كثير من السكان إلى العربية السعودية قام بريد سيؤن بتحديد الصندوق رقم 4010 لحي القرن. وكان سقاف بن حسين يعرج على الصندوق شبه يوميا لإحضار رسائل سكان القرن الذين يترددون على الدكان لأخذها. وكان لزاما عليَّ أن أدون ذلك الرقم على ظروف الرسائل التي يطلبن مني بعض النسوة كتابتها لأزواجهن في السعودية. وفيما بعد استفدت كثيرا من ص ب 4010 لاستلام بعض الرسائل من برنامج (ندوة المستمعين) الذي كان يبث من (هنا لندن)، ثم لاستلام سيل المجلات الصينية والعراقية والكويتية التي لا أدري كيف أصبحت مشتركا فيها. وعندما سافرت إلى فرنسا في منتصف السبعينيات كنت أبعث برسائلي لأهلي عبر ص ب 4010.
وفي السبعينيات طُلِب من سقاف بن حسين، أطال الله عمره، أن يصبح خطيبا لمسجد محمد بن عمر (جامع القرن)، وفي تلك الفترة تزوج من ابنة هادي الدقيل، أحد عمال القرن، وقد أنجبت له عددا من الأبناء والبنات، و أصبح ابنه المرحوم عبد الرحمن خطيبا لمسجد القرن وبعد وفاته خلفه أخوه علوي بن سقاف، أما عمر بن سقاف فهو خطيب مسجد طه وسط سيؤن.
وكان لسقاف بن حسين أخ اسمه (عبد الله؟؟)، وكان رحمه الله متواضعا ودمثا وطيب الأخلاق، ولفترة من الزمن فتح طاحونة في حوش البيت، وكان يقدم لزبائنه بالإضافة إلى طحن الحبوب أنواعا عدة من القصائد والحكايات المسلية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *