شفرات بدر العرابي

badr

بقلم بدر العرابي

شفرة السرة 6

التحقت بالمدرسة في سنة 1978. وكانت المدرسة مكونة من بنايتين متواضعتين: مبنى ترابي قديم وآخر حديث ومشيّد من الحجارة. وكانت الصفوف من (1-4) تقع في المبنى الترابي القديم، وكنا نشعر بالصعود كل عام دراسي جديد، ونتطلع بشغف للوصول إلى المبنى الحجري الحديث المخصص للمستويات العليا (5-8) الذي ننتقل إليه حينما ننتهي العام الدراسي الرابع.

في السنة الأولى دلفت أول مرة إلى الفصل وأنا أشعر بالرهبة والخوف. كنت أسمع حكايات من سبقنا من التلاميذ، حين نلتقي بالحارة: “أحد المدرسين كان قاسيا، يحمل عصى غليظة، وكان له طريقته الخاصة في ضرب التلاميذ؛ إذ يطلب من التلميذ أن يقف وأن يمد ظهر يده، فيضربه خمس أو عشرة ضربات، حسب ما ارتكبه من خطأ…. مدرس آخر يطفئ سيجارته بكتف أحد التلاميذ … وآخر يمرر العصا من بين فروج أصابع الكف، ثم يضغط بقوة .. “هذه الأخبار دائما ما تتكر في القرية، فتشعرنا -قبل ولوجنا المدرسة- بشيء من الخوف …حتى أن بعض الأطفال أصيبوا بعقدة من المدرسة، ورفضوا الدراسة … وكان مستقبلهم (الجندية) التجنيد في القوات المسلحة … وقلة منهم امتهنوا رعي الأغنام . كان أبي مدرسا، ويقوم بالتغطية مع بداية كل عام دراسي، في مدرسة القرية، وكان صارما في البيت إلى درجة أننا نصمت جميعا في حضوره، لاسيما أنا، كان يخيفني احمرار عينيه، وكنت دائما أشعر بالخوف ويرتعد جسمي حين (ينهر) أحد أخوتي موبخا إياه ….

كان أول يوم لي في الدراسة مخيفا جدا .. ولجنا الصف بعد الطابور الصباحي … كلنا مستجدون، وكل واحد منا كان يحس بشيء من الرهبة .. إلا أن بعضهم لم تظهر الرهبة على محياهم …. تأخر المدرس، فأحدث بعض الطلاب جلبة وضوضاء، استمر الحال ونحن ننظر لهم، وهم يمرون بيننا … تناهت أصواتهم إلى الخارج، وبعد لحظات يدلف المدرس وفي يمينه عصى غليظة …كان المدرس أبي ،وفور دخوله صاح_ مقطبا وجهه_ :”أيش هذه الفوضى ..من الذي كان يعمل الفوضى ..ويشير إلي : “قم ..قف ..تعال ..افتح يدك ” ويضربني بعصاه على راحت يدي بقوة وغضب شديد وعيناه تكادان تقطران دما ….كانت أمي حين يهم أبي بضربي في البيت، تتدخل فتوقف عصبيته وغضبه …. وحين هم بضربي في الصف كان لا يهمني ما يحدثه العصا من ألم على كفي، بقدر الإحباط واليأس الذي انتابني في أثناء الضرب والعصا يهوي جيئة ورجعة – فأمي بعيدة ، ولات حين مناص ،، كنت أسأل نفسي: “من سيوقف هذا الوحش عن ضربي الآن … نجحت تجربة الأستاذ أبي فساد صمت طويل في قاعة الصف …حتى أن حركة التلاميذ انعدمت تماما …صمت رهيب …ومنذ تلك الحادثة كان الصمت الرهيب يسود الصف حتى نهاية المرحلة الابتدائية .

شفرة السرة 7

 كان الراتب الشهري الذي يتقاضاه أبي من مهنة التدريس هو المصدر الوحيد الذي تقتات عليه الأسرة المكونة من ثلاثة عشر فردا: سبعة أبناء وأربع من الأناث، والأب والأم… وكان أبي يحاول بقدر ما يستطيع التوفيق بين راتبه الشهري ومتطلبات الأسرة … وكنا، أنا وإخوتي، من شدة الحاجة، نتبادل القمصان الخاصة بالدراسة (البنطلون الكاكي والقميص الأبيض) ، وكانت طاقة المال لا تسمح بأن تمنح لكل طالب يدرس منا زيا مدرسيا جديدا، وتعالج المشكلة بشراء قميص وبنطلون لفرد واحد منا، وربما أكبرنا ، ثم يتسلم الذي يليه الزي المدرسي السابق الذي استخدمه الأخ الأكبر في السنة السابقة ، ثم الأصغر منه، يمنح الذي يليه لباسه السابق ،وهكذا ،،،المهم يصل عندي لباس أخي الذي يكبرني وهو في حالة يرثى لها ، إلا أن الفرحة كانت تحصرني بهذا التبادل ،وكأنها من باب الشعور بالتغيير . وعلى الرغم من أن أخي الذي يكبرني كان بدينا، بل ويكبرني بأربع سنوات، فقد كنت مسلما لعبث حظي التعيس، ولا توجد لدي بدائل …ذات يوم همس بمسامعي أبي: “غدا سأنزل عدن، وسآتي لك بقميص مدرسي جديد “، لم تسعني الفرحة حينها . ذهب أبي لعدن لتخليص بعض أجهزة ،ومنها (ماكنة خياطة ) حرص أخي (أحمد ) على إحضارها معه من “روسيا ” لتساعد الأسرة في تحسين المعيشة وتغطية جزء من النفقات، بعد تخرجه من معهد الطيران في أثناء عودته النهائية … وكنت أنتظر عودة أبي بفارغ الصبر لا سيما أنني قد أخبرت زملائي بأن أبي سيشتري لي قميصا مدرسيا جديدا … مر اليوم الأول ،غابت الشمس وأنا على سطح المنزل ،أتطلع إلى قدوم (السيارة البيك آب زرقاء اللون )التي تحمل العائدين من عدن من أهل القرية ،وقد كانت (السيارة الوحيدة )التي يملكها أحد أهالي القرية ،يرتادها من يسافر إلى عدن أو الحوطة ،ويعود عبرها …رأيت بعض الغبار على مدخل القرية ،ونزلت مباشرة من سطح المنزل لملاقاة أبي ،إلا أن أبي لم يكن من العائدين ..عدت يائسا منكسرا إلى البيت ،سألتني أمي عن أبي : “أين أبيك ،هل عاد؟” أجبتها بصوت خافت فيه بعض حشرجة: _”لا” .. في مساء اليوم الثاني ،كررت السلوك نفسه ، صعدت سطح المنزل ،وكلي أمل جديد ،متناسيا النكسة السابقة ..إلا أن الحال تكرر ،ولم يأت أبي …في اليوم الثالث ،وقبل مغيب الشمس، كنت مستندا إلى صخرة دائرية بيضاء في المخرج الجنوبي من منزلنا ،وإذا بمجموعة من رجال القرية يتزعمهم رئيس الوحدة السكنية آنذاك- يدلفون المنزل ، فيتناهى إلى مسامعي نواح أمي ،ثم أخوتي ،،هرعت إلى الداخل فوجدت أمي وأخوتي وأخواتي يصرخون بحرقة ،ومن خلال كلمات أمي التي تخلطها مع البكاء ،علمت أن أبي مات ،فاتخذت لي زاوية قريبة من المطبخ، كنت أحاول الصراخ والبكاء ، وكلما مددت صوتي ،لم تؤازرني الدموع ،كنت طفلا حينها لم أتجاوز السابعة من العمر ،لكن تناهي صوت بكاء أمي ونواحها إلى مسامعي، كان يؤلمني كثيرا ، أحاول أمد حنجرتي بالبكاء ،لكن ليس ثمة دموعا ،إلا أنني كنت أشعر ببعض الحسرة التي تبثها بداخلي نبرة نواح أمي المرير …أرهقت أمي من العويل وأخوتي ، ثم خفت صوتها ، وبات حشرجات خافته تتناهى إلى مسامعي .

كنت أحاول أقنع نفسي بموت أبي، ولكني لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في قميص المدرسة، وأسأل نفسي:”هل أشترى لي القميص أم لا؟ .. ودلفت الغرفة التي وضعت أغراض أبي فيها حين أحضروه …. ورحت أتكهن. ما ذا تحوي تلك السلة؟ …ولمحت قطعة قماش صغيرة بيضاء .. وخيل لي أنه قميصي الذي اشتراه أبي …تقدمت قليلا من السلة ومددت يدي، رفعت قطعة القماش، لم يكن قميصا، ولكن قطعة قماش بيضاء، وعليها بعض النقط الحمراء …وفجأة يأتي أحدهم ليسلبني القطعة ويحملني إلى خارج الغرفة …. ثم أطلقت بعدها صرخاتي ونحيبي بحرقة استحثت كل أفراد الأسرة للعودة إلى الصراخ من جديد …… كنت طفلا، وكانت حسرتي على عدم نيل قميصي الموعود به من أبي تمنحني طاقة متواترة من العويل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *