القيمة العلمية والبحثية للترجمة

trans

أ.د. مسعود عمشوش

بالرغم من أن معظم مراكز البحث العلمي ودوائره تحرص على إدخال شعبة للترجمة في هيكليتها، لم يكن بعض القائمين على تلك الدوائر والمراكز، في الجامعة وخارجها، يعترفون بالقيمة البحثية لأعمال الترجمة، ولاينظرون إليها على أنها جهود علمية جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار في طلبات الحصول على الألقاب العلمية كالأعمال البحثية الأخرى. ومع ذلك، فمعظم المتخصصين في الترجمة يجمعون اليوم على أن الترجمة تتجاوز كثيراً عملية النقل من لغة إلى لغة ويلصقون بها أبعاداً علمية وبحثية وإبداعية تتطلب في الواقع ثقافة موسوعية ومنهجاً علميا وكذلك خبرة وممارسة طويلة.

(انظر احمد باعسو : “الترجمة والتأويل”، في مجلة “علامات في النقد”، الجزء 29، النادي الادبي الثقافي، 1998جدة، ص 264.).

ومن ناحيةٍ أخرى، تجمع النظريات المعاصرة للترجمة على أن الترجمة عملية ذهنية إنتاجية ترتكز على القراءة التأويلية المتمعنة والفهم التام للنص الأصلي والسياقة الثقافي الذي افرزه (Georges Mounin : Les Problèmes Théoriques de la Traduction Gallimard, Paris 1976,p. 225.).

وعلينا بالتالي ألا ننظر إلى المترجم بوصفه قارئا عاديا، بل بكونه متلقيا خاصا، لأنه يقوم كذلك بعملية إنتاج وصياغة وإرسال كل العناصر التي تلقاها بلغة ثانية. وهي عملية تضطره أن يتصرف كمرسل لنص جديد وأن يستحضر، في الوقت نفسه، قارئاً آخر له خصوصياته اللغوية والثقافية والتاريخية. لهذا فالمترجم “مدار لتفاعلات معقدة ووثيقة الصلة باللغة والمعنى والتاريخ والأنساق الثقافية”. (أحمد باعسو، مرجع مذكور، ص 266).

وتكريسا لهذا البعد الإنتاجي للترجمة يربط المفكر أوكتافيوا باث بين الترجمة والإبداع، حيث يقول: “إن الترجمة توأم الإبداع. فالترجمة لا تنفصل من جانب عن الإبداع كما اثبتت ذلك أعمال بودلير وباوند، ومن جانب آخر يوجد ثمة تفاعل دائم بين الإثنين، وعلاقة إثراء متبادل ومستديم. فأعظم الفترات إبداعاً في الشعر الغربي سبقتها او لازمتها امتزاجات مع تقاليد شعريه مختلفة اتخذت شكل المحاكاة في بعض الأحيان وشكل الترجمة احياناً أخرى” (اوكتافيو باث،”الترجمة : الأدب والحروف”، ترجمة عبدالله الحراصي، في مجلة (نزوى) العدد 12، اكتوبر 1997).

 ومن ناحيته، يرصد الأستاذ سعيد عبدالخير النوبان ظاهرة ارتباط الإبداع والعطاء العلمي بالترجمة في الحضارة العربية حيث يكتب : “لعل في التاريخ العربي الإسلامي خير مانستدل به على اهمية الترجمة العلمية في التقدم العلمي. ففي العصر العباسي اهتمت الخلافة بالترجمة من تراث الأمم الأخرى التي سبقتهم في فنون احتاجوا إليها في زمانهم. ثم انتقلوا من عصر الترجمة إلى الإبداع والتأليف في مختلف الفنون”. (انظر مقدمة ترجمته لكتاب آربي سارجنت : “حول مصادر التاريخ الحضرمي”، من منشورات جامعة عدن، طبع جامعة الكويت، بدون تاريخ)

لكل ذلك لم يتردد بعض الأساتذة المهتمين بشؤون البحث العلمي من إدراج الترجمة ضمن المجالات التي يشملها البحث العلمي إلى جانب المعالجة والتحقيق والفهرسة. ففي كتابة حول منهجية البحث، يعرف الاستاذ إميل يعقوب البحث العلمي بأنه “محاولة لاكتشاف جزء من المعرفة لإذاعته بين الناس والاستفادة منه. وتختلف البحوث باختلاف طبيعة مجالاتها: أولاً، معالجة موضوع معين؛ ثانياً، تعريب كتاب شرط أن يكون الكتاب على صلة باختصاص المترجم وأن يقدمه بمقدمه واسعة يعرض فيها خصائص الكتاب المعرب وأن يلحق معجما للمصطلحات والفهارس الفنية اللازمة؛ ثالثاً، تحقيق مخطوط؛ رابعاً، فهرسة بعض المؤلفات أو المجلدات” (د. إميل يعقوب: “منهجية البحث أو كيف تكتب بحثاً”، جروب برس، طرابلس 1986، ص 27).

وقد قام أولئك الأساتذة، الذين يعتبرون الترجمة فناً وعلماً في الوقت نفسه، بوضع معايير ومواصفات عديدة للترجمة. فهم يشترطون في المترجم أن يكون متقناً للغته واللغة الأجنبية التي ينقل منها، وأن يكون متخصصاً في المادة التي يقوم بترجمتها. ومن أهم المواصفات الأخرى للترجمة “البحثية”؛ أن يشكل النص المترجم إضافة علمية أو أدبية أو فلسفية أو ثقافية في اللغة المترجم إليها؛ وأن يكون النص المترجم بحاجة إلى شرح إو تقديم أو هوامش أو تصويبات. وأضاف المرحوم الأستاذ جعفر الظفاري، مؤسس مركز البحوث والدراسات اليمنية في جامعة عدن وأول رئيس لهيئة تحرير مجلة (اليمن)، إلى تلك الشروط: دقة المصطلحات، ودقة المعايير عند وضع الاسماء، وسلاسة الصياغة العربية وكذلك صحة الترقيم والتوثيق. ويؤكد رئيس تحرير مجلة (اليمن) العلمية المحكمة أن للترجمات التي تنشر في هذه المجلة وتلتزم بهذه الشروط القيمة العلمية نفسها التي تعطى للبحوث المحكمة. أما من وجهة نظر قانونية، فقد ساوت المادة 3 من القرار الجمهوري بالقانون رقم (19) لسنة 1994 بشأن الحق الفكري، بين حقوق المؤلف وحقوق المترجم، فقد جاء فيها : “يشمل حق المؤلف من قام بترجمة المنتج الى لغة اخرى وكذا من قام بتحويله من لونه الاصلي الى لون آخر او من قام بتلخيصه او تحويره او بشرحه او تعليق عليه بأي صورة تظهره في شكل مبتكر أو جديد مع عدم الاخلال بحقوق مؤلف العمل الأصلي”.

ويبيّن لنا هذا العرض لمجمل الآراء حول الترجمة وعلاقاتها بالإبداع والتأليف والبحث العلمي أنه لم يعد بالإمكان اعتبار الترجمة نشاطاً ثانوياً خالياً من الأبعاد البحثية والعلمية والابداعية. فالعكس هو الصحيح.

أما الترجمات التي، في اعتقادنا، تفي بجميع شروط الترجمة البحثية المحكمة (أو المشروحة) لاحتوائها على مقدمه، يشرح فيها المترجم الاستراتجيات التي اتبعها في الترجمة، والأسباب التي دفعته لاختيار ترجمة هذا النص أو ذاك، وهوامش وتعليقات وتصويبات (يمكن أن يتجاوز حجمها فحات النص المترجم نفسه)، فمن أهمها تلك الترجمات التي نشرها الأستاذ د. سعيد باعنقود في مجلة (اليمن)، والترجمة التي قام بها د. زكي باسليمان لكتاب حامد القادري : (كفاح أبناء العرب ضد الاستعمار الهولندي أفي اندونيسيا)، وكذلك ترجمة الأستاذ د. محمد سعيد القدال لكتاب فان در ميولين وهيرمان فون فيسمان: (حضرموت : إزاحة النقاب عن بعض غموضها). وهذا لا يعني أن تلك الترجمات تخلو من بعض الهفوات اللغوية والأخطاء المتعلقة بتعريب الأسماء أو إعادة نقلها الى العربية.

من خلال هذا الاستعراض السريع لواقع الترجمة في جامعة عدن يتبين لنا أن المثاقفة لا تشكل الدافع الأول من وراء القيام بمختلف أنواع النشاط الترجمي الذي يقوم به الأساتذة والباحثون في جامعة عدن. فقد بات جلياً أن الترجمة تدخل في صلب النشاط البحثي لعدد كبير من هؤلاء الأساتذة والباحثين. وهذا يؤكد لنا أن الترجمة ركن من أركان البحث العلمي والتعليم العالي.

ومن ناحيةٍ أخرى، يشير المستوى الرفيع الذي بلغته أخيراً بعض الأعمال المترجمة التي أصدرها دار جامعة عدن للطباعة والنشر إلى أن عدداً من المترجمين يبذلون جهوداً كبيرة ليضفوا على ترجماتهم أبعاداً علميه تجعلنا نرى فيها أعمالاً بحثية تضاهي تماماً البحوث العلمية. كما أن تركيز كثير من هؤلاء المترجمين على المواضيع اليمنية يضع بين أيدي الباحثين الآخرين مادة خام لا يمكنهم الاستغناء عنها إذا ما أريد للبحث العلمي والتعليم العالي أن يقتربا فعلاً من واقع بلادنا ومجتمعنا.

وإيمانا منّا بالقيمة العلمية للترجمة البحثية والعلمية المحكمة، استطعنا، خلال مشاركتنا في أعمال المجلس الأكاديمي لجامعة عدن، أن ندخل الكتاب الذي يتضمن ترجمة علمية محكمة ضمن الكتب التي يمكن تقديمها لنيل اللقب العلمي. وبناءّ على توصية من المجلس العلمي لمركز عبد فاضل فارع للدراسات الإنجليزية والترجمة، اتخذ مجلس الدراسات العليا بجامعة عدن، في مطلع العام المنصرم -2016-، قرارا يمكّن الطلبة الملتحقين ببرنامج الماجستير الترجمة بالمركز من تكريس رسائلهم العلمية للقيام بترجمة محكمة لنص مرتبط بعدن أو اليمن بشكل عام. وخلال الأشهر الماضية قمنا بتسجيل بعض الرسائل العلمية التي اختارت هذا المنحى. (انظر أيضا البحث الذي قدمناه لندوة (البحث العلمي في الجامعات اليمنية عام 1999)، بعنوان: دور الترجمة في البحث العلمي في جامعة عدن، وكتابنا (الترجمة في عدن).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *