الترجمة في مجلة المستقبل

HPIM0914

أ.د. مسعود عمشوش

على الرغم من أن بريطانيا نجحت في وضع اللغة الإنجليزية في المكانة الأولى في مختلف جوانب الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية والقضائية، في مدينة عدن طوال فترة استعمارها لها، فمن المعلوم أن الصحافة المطبوعة باللغة العربية قد ازدهرت كثيرا في عدن منذ عام 1940، حينما أصدر محمد لقمان صحيفته (فتاة الجزيرة). فهناك عدد لا بأس به من الصحف والمجلات العربية المتميزة التي ظهرت في عدن خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

منها، إضافة إلى صحيفة (فتاة الجزيرة) و(القلم العدني)، (الذكرى 1948) لصاحبها الشيخ محمد علي باحميش، و(أفكار 1948) لمحمود لقمان، و(الفضول 1948) لعبد الله عبد الوهاب نعمان، و(الشباب) ليوسف مهيوب سلطان، و(النهضة) والتي أصدر أول أعدادها عبد الرحمن جرجرة في 24 نوفمبر من عام 1949، وكان سبب إغلاقها من قبل السلطات البريطانية في نهاية عام 1955م نشرها موضوعاً لعبد الله باذيب تحت عنوان “المسيح الذي يتكلم الإنجليزية.

وفي اعتقادنا من أهم المجلات العربية التي ظهرت في عدن (المستقبل، مجلة شباب جنوب الجزيرة) التي أسسها عايض سالمين باسنيد، وصدر العدد الأول منها في يناير 1949، وتوقفت في نهاية اسنة 1950. وهي مجلة يتراوح عدد صفحاتها بين 40 أو 70 صفحة. وقد نادت بتطوير التعليم والتخلص من براثن الجهل والتخلف، وحثت على النضال ضد الاستعمار، وفتحت صفحاتها للكتابة في مختلف القضايا: السياسية والعلمية والأدبية والدينية. مثلا تناول فيها عبد الرحيم لقمان تقنية تيار الوعي في الأدب الروائي في دراستين بعنوان (أثر علم النفسي الأدب الحديث)، ونشر الشاب حسين سالم باصديق دراسة بعنوان (الشرق والغرب). وفي أعدادها الأخيرة قامت بنشر المقالات الأولى للقائد البعثي علي عقيل بن يحيى وذلك تحت عنوان شامل (جنوب جزيرة العرب في نظرة التفكير القومي).

ولأنها أرادت فتح باب النقد لما ينشر فيها من قبل القراء والرد عليه عملاً بمبدأ احترام الرأي والرأي الآخر فقد أصبحت ساحة لأول المعارك القلمية في اليمن.

ونشرت كذلك عددا من النصوص الإبداعية، الشعرية والقصصية. وأعتقد أن القصتين القصيرتين اللتين نشرتا في العدد الأول: (المجنون) لحمزة علي لقمان و(حلم ظمآن) لحامد، جديرتان بأن تجعلانا نعيد النظر في تاريخ بدايات نضج القصة القصيرة في اليمن.

والذي يهمنا هنا: دور مجلة المستقبل في تنشيط حركة الترجمة في عدن. فهي قامت بنشر عدد من الترجمات من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. مثلا في عددها السادس نشرت ترجمة لقصة قصيرة بعنوان (ما وراء النهر (قام بها محمد أنعم الذي لم يذكر اسم مؤلف النص الإنجليزي. وفي العدد الثامن (يونيو1949)، نشرت لحمزة لقمان ترجمة لنص بعنوان) لحج منذ عشرين سنة)، وهو سرد لرحلة إلى لحج قام بها الأديب البريطاني إيفلين  واو.

أما في العدد 14، فقد نشرت مجلة (المستقبل) ترجمتين لعبد الله فاضل فارع، الذي كان حينها يدرس في القاهرة: الأولى ترجمة لقصيدة للشاعر الإنجليزي (ت كاريو T. Carew) بعنوان (الجمال الحق)، والثانية ترجمة لآخر قصيدة ألفها الشاعر الرومانسي البريطاني جون كيتس (الأماني الأخيرة)، وهي القصيدة التي يطلب فيها الشاعر، الذي لم يعمر أكثر من 26 عاما، الخلود. وقبل نص القصيدة قام المترجم الأستاذ عبد الله فاضل بشرح الاستراتيجية التي اتبعها في الترجمة وذلك على النحو الآتي: “هذه المقطوعة الغنائية (sonnet) هي آخر ما قاله كيتس من شعر، ولم يكن لها عنوان ووجدنا أن نطلق عليها (الأماني الأخيرة) كما تعبر عن ذلك المقطوعة. وتكاد تكون الترجمة “نقلا” وليس “تعريبا” مشوها يتصرف بالألفاظ -كما يقولون- ويحتفظ بالمعنى. وفي هذه القصائد المترجمة احتفظت أولا: بالنص تقريبا كما هو. ثانيا- عنيت بأن تكون الترجمة معبرة عن روح القصيدة كما كانت في اللغة التي كتبت بها، وهناك كما نعلم فرق بين أسلوب منظومنا ومنظومهم. ثالثا- ترجمة النظم نظما فيه إخلال أكثر من جمال التصرف الذي تسبغ فيه الترجمة ويمسخ روح المقطوعة ويجعلها عربية لفظا وأسلوبا، أجنبية المعاني. وهنا لم يكن لنا من الفضل إلا أن جعلنا القصيدة عربية لفظا، واحتفظنا بأسلوبها ومعناها الأجنبي الأصيل، وذلك ليعرف القارئ طريقة كل شاعر وأسلوبه من قراءته له، أكان بالعربية أم بالأجنبية”.

وعلى الرغم من لم يتردد المترجم عبد الله فاضل فارع في اللجوء إلى التناص مع القرآن في ترجمته للقصيدة، وذلك ج    حينما ترجم (And watching, with eternal lids apart) بـ (وأرقب بطرفين لا تأخذهما سنة ولا نوم). وختاما يمكن أن نشير إلى أن مجلة المستقبل كامت كذلك بنشر بعض القصائد والمقالات التي ألفها الأستاذ عبد الله فاضل فارع نفسه.

قصيدة جون كيتس وترجمتها التي قام بها عبد الله فاضل

Bright star! would I were steadfast as thou art—

   Not in lone splendor hung aloft the night,

And watching, with eternal lids apart,

   Like Nature’s patient sleepless Eremite,

The moving waters at their priest like task

   Of pure ablution round earth’s human shores,

Or gazing on the new soft fallen mask

   Of snow upon the mountains and the moors—

No—yet still steadfast, still unchangeable,

   Pillow’d upon my fair love’s ripening breast,

To feel for ever its soft fall and swell,

   Awake for ever in a sweet unrest,

Still, still to hear her tender-taken breath,

And so live ever—or else swoon to death.

John Keats-1819

أيها الكوكب المنير! ليتني كنت خالدا كخلودك.

لا أود أن أطل زاهِ في وحدتي، وأنا أصعد في أعالي الليل،

وأرقب بطرفين لا تأخذهما سنة ولا نوم،

كناسك الطبيعة الصبور الأرق،

المياه الجارية وهي تؤدي واجبها المقدس

في تطهير شواطئ الأرض الآدمية،

أو أشخص إلى قناع الثلج الجديد الناعم

وهو مسبل على الرواسي والأراضي البور،

لا، ومع ذلك أنشد الخلود، أنشد السرمدية،

وأنا أتوسد صدر حوريتي الناهد

لأحس إلى الأبد بهبوطه وصعوده الناعمين،

مستمد صحوتي الأبدية من عذوبة القلق،

فأخلد، أخلد لأنصت إلى أنفاسها الرقيقة،

كي يُكتب لي البقاء مديدا أو يقدر لي الفناء إغماءة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *