بشير محمد خان مترجما

nizan

أ.د. مسعود عمشوش

ولد بشير محمد خان في عدن في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1938. ومثل كثير من سكان عدن اضطرت عائلته للنزوح مؤقتا من عدن إلى باكستان في نهاية عام 1940، وذلك تحت وطأة القصف الإيطالي على عدن في تلك الفترة، وقد عاد بشير مع عائلته إلى عدن حالما انتهت الحرب وكان حينئذ في السابعة من عمره. واستقرت العائلة في حافة الهاشمي بالشيخ عثمان لفترة من الزمن.

 وفي عدن درس بشير محمد في علي يد عدد من الأساتذة الإنجليز والعرب، مثل الشاعر محمد عبده غانم والشاعر لطفي جعفر أمان والشيخ عبد الله الشبوطي. ويؤكد أن ذلك التكوين قد ساعده على إتقان اللغتين الإنجليزية والعربية، وسهل له ممارسة الترجمة بينهما، حيث قال: “وجميعهم علموني بصدق وأمانة حتى أصبحت في أواخر المرحلة الثانوية من بين الأوائل في مادة اللغة العربية. وبحكم الاختلاط اليومي بأقراني من العرب القاطنين معي في الشيخ عثمان، كانت الغلبة للثقافة العربية، لكن الثقافة الإنجليزية لم تمح، وهذا جعلني أكثر قدرة على استخدام النص الإنجليزي بالطريقة الصحيحة لمخاطبة العقل الغربي، والشيء ذاته بالنسبة للنص العربي”. (انظر نجمي عبد المجيد، عدن 1839-1967، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، 2007، ص27).

وبعد أن حصل بشير محمد خان على شهادة الثانوية العامة (GCE) من جامعة لندن عام 1956، عمل مدرسا للغة الانجليزية في المدرسة المتوسطة بالتواهي حتى نهاية سنة 1958 حينما سافر إلى بيروت ليدرس الترجمة في الجامعة الأمريكية. وقد قال عن تلك الفترة: “بدايتي مع الترجمة كانت في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث تتلمذت على يد الأساتذة إبراهيم اليازجي والشاعر خليل حاوي ومحمد توفيق علي، وهؤلاء دفعوني إلى ترجمة جزء مما كان يهمهم من أمر كتاب لحاكم عدن السابق توم هكنبوتم، الصادر عام 1958”. (انظر نجمي عبد المجيد، ص27)

 وبعد أن عاد من بيروت سنة 1960، عمل بشير خان لمدة عامين بصفة (مترجم أول) في حكومة اتحاد الجنوب العربي. وفي سنة 1963اجتاز بامتياز امتحان التأهيل للترجمة الفورية، وانتقل للعمل في مكتب رئيس الوزراء لولاية عدن ليشغل الوظيفة نفسها. ثم عُيّن مترجما فوريا في المجلس التشريعي لعدن.

 وخلال مشواره الترجمي مارس بشير الترجمة الفورية والتحريرية، الوظيفية والأدبية. وفي اعتقادي أنه كان أفضل مترجم فوري عرفته مدينة عدن بين اللغتين العربية والإنجليزية. وقد استمر في فرض نفسه في هذا المجال حتى بعد الاستقلال وإلى وفاته. فبعد الاستقلال عُيّن رئيسا لقسم الإعلام في وزارة التربية ورئيسا لقسم الترجمة برئاسة مجلس الوزراء ومشرفا لقسم الترجمة في وكالة أنباء عدن، وفي عام 1982 عُيّن مديرا لدائرة الترجمة في وزارة التربية والتعليم، لكنه فرِّغ للعمل مترجما رسميا لرئيس مجلس الرئاسة حتى عام 1988.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، شارك بشير محمد خان، بصفة مترجم فوري، في كثير من المؤتمرات العلمية والسياسية، في عدن وخارجها، وذلك لتميزه في مجال تخصصه: الترجمة.

أما في مجال الترجمة الأدبية، فقد قام بشير محمد خان بترجمة روايتين: الأولى (التحدي) للروائي الأثيوبي أ. ب. جوبينا، وقد نشرتها له دار الهمداني-عدن عام 1984، والثانية (نهر الضباب) لدوير كونيكاد، وصدرت عن دار الهمداني 1985، وفي العام نفسه نشرت له دار الهمداني ترجمة لمجموعة قصائد إفريقية بعنوان (ألسنة اللهب). أما أهم ترجمة أدبية قام بها بشير خان فهي ترجمته لكتاب الفيلسوف والروائي الفرنسي بول نيزان (عدن العربية) التي قام بها عبر ترجمتها الإنجليزية، والتي قدمها وراجعها له الشاعر سعدي يوسف، ونشرتها دار الهمداني عام 1984. وقد قمنا بالعودة لهذه الترجمة في دراستنا (صورتان لعدن في كتابات بول نيزان (انظر مسعود عمشوش، عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عام 2002).

nizan33

كما أنجز بشير محمد خان ترجمة عدد من الكتب التي لا تزال في الأدراج: منها (البرتغاليون قبالة شواطئ الجنوب العربي) للأستاذ روبيرت سارجنت، و(الصراع حول اليمن الديموقراطية) لجوزيف كوستين، وأهمها ترجمته لكتاب أر. جي. جافين (عدن تحت الحكم البريطاني 1839-1967) الذي سلمت منه نسخ لجامعة عدن لتقوم بطباعته منذ نحو عشرين عاما. وللأسف لا تزال مخطوطة الترجمة في الإدراج في حين نشرت مؤخرا الترجمة التي قام بها للكتاب محمد محسن العمري.

رحم الله بشير محمد خان فقد وهب حياته للترجمة. وعلى الرغم من الصعوبة التي يواجهها عادة المترجمون الفوريون فقد كان يحرص على الأمانة والدقة. ولتجاوز تلك المعضلة بادر إلى دعوة جامعة عدن للعمل على تأهيل المترجمين محليا، وبشكل مستقل. وقال: “ليس بمترجم إلا من تعتمل في وجدانه صراعات ثقافية وفكرية تتباين وتعود لتمتزج لتخلق لديه رؤية ثقافية شاملة تمكنه من تحقيق الدقة في الترجمة والالتزام بالأمانة المطلقة بقدر الإمكان حين يترجم. وليس كل من أجاد لغتين أو أكثر بمترجم لأن الترجمة أولا ملكة يوهبها الله سبحانه وتعالى، ثم يصقلها الفرد بالممارسة أو التكوين الأكاديمي. وفي كل الأحوال المترجم الذي تحصل على التكوين الأكاديمي المناسب أفضل ممن اكتسب المهارة فقط. لذا أدعو إلى إدخال التأهيل الأكاديمي للمترجم في مساق بكالوريوس في كلية الآداب في كل جامعاتنا حتى يكون لدينا القاعدة المؤهلة علميا للقيام بالترجمة”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *