أول مجلس ثقافي بريطاني في الجزيرة العربية

british council11

 أ.د. مسعود عمشوش، مدير مركز عبدالله فاضل للدراسات الإنجليزية والترجمة

جامعة عدن

يذكر محمد علي لقمان، في الحلقة الخامسة والستين من مذكراته، (رجال وشؤون وذكريات، ص235) أنه ناقش مع ستيوارت بيراون، مدير مكتب النشر في عدن، موضوع افتتاح فرع للمجلس الثقافي البريطاني، وذلك في عام 1940، وعرض عليه مكتبه في طريق (الاسبيلاند) ليكون مقرا للمجلس. لكن إجراءات الافتتاح أخذت وقتا طويلا، ولم يتم الافتتاح إلا في الثلاثين من يوليو سنة 1941، أي بعد أن انتقل ستيوارت بيراون إلى عمله الجديد في بغداد عام 1941، وذلك من قبل السير جون هاثورن هول (Sir John Hathorn Hall 1894–1979)) الذي عُيّن حاكما وقائدا عاما في عدن من أكتوبر 1940 حتى يناير 1945.

وفي خطاب الافتتاح أكد السير هاثورن هال “إن هذا المجلس سوف ينشر الثقافة، ويعين على انتشار المعرفة والثقافة البريطانية والحياة الإنجليزية، ونحن مدينون للعرب بالشيء الكثير من الثقافة، لاسيما في العلوم والرياضيات والفلك، ونحاول أن نقدم الآن للعرب قسطا مما لهم علينا”. ثم ذكر أن من أهم أنشطة المجلس البريطاني: تنظيم المحاضرات العلمية والأدبية والمناظرات الاجتماعية، والعروض السينمائية الأسبوعية، وتوفير فرص اختلاط اليمنيين بالأوربيين ورفد المكتبة بمختلف الكتب العربية والأجنبية، واستضافة أساتذة للتدريس والقاء المحاضرات. واختتم حاكم عدن البريطاني حديثة عن أثر هذا المعهد قائلا: “والأمل وطيد أن هذا المعهد سيحتفظ بهذه الروح الطيبة، وسيفي بنشر محاسن المدينة الحديثة، والحضارة الجديدة والأدب الإنجليزي، واللغة العربية بين أبناء الإنجليز، وقد ألف الأستاذ اميرسن والسيد محمد عبده غانم كتابا لتعليم اللغة العربية الدارجة “(الحركة الثقافية ص 12).

وتضمن تقرير المجلس الثقافي البريطاني (للفصل الأول من عام 1942) تفصيلا لهذا الحدث، وبيّن أن المجلس الثقافي البريطاني الذي افتتح في عدن عام 1941 يقع تحت الإشراف المباشر للإدارة العامة في لندن، وأنه يتم إرسال بعض المتطلبات عبر فرع القاهرة. وذكر التقرير أيضا أن الضابط موريس ليك هو ممثل الإدارة العامة للمجلس البريطاني في فرع عدن، أما أول مدير له فقد كان أميرسون L.H.S. Emerson (انظر صورة التقرير في الملحق).

أما د. علي صلاح الأرضي، فيذكر في كتابه (تاريخ التعليم في عدن، ص 34-35) أن “من أهم ما تميز به عقد الأربعينيات [من القرن الماضي] بالنسبة لعدن والمحميات: ظهور الأندية والمنتديات الثقافية والإصلاحية ومنها مؤسسات ثقافية تابعة لسلطات الاحتلال كالمجلس الثقافي البريطاني الذي استخدم مختلف الأساليب لتحقيق أهدافه ومنها: أ- إقامة المحاضرات العلمية والأدبية، ب- إقامة المناظرات مع حرية القول والفكر، ج-اختلاط المواطنين برجال الدولة والأوروبيين في جلسات المعهد، د- العروض السينمائية، هـ- ارتياد غرف المطالعة المزودة بالكتب المختارة، و- تقديم المنح الدراسية”.

وبالفعل التحق عدد كبير من أبناء عدن بالمجلس الذي أطلق عليه تسمية المعهد البريطاني. ويؤكد محمد علي لقمان أنه أول الأعضاء، مذكرا بالجهود التي بذلها لتأسيسه في صيفة (فتاة الجزيرة، قائلا: “كانت عدن بحاجة ماسة إلى مكتبة عمومية تنفع الناس، فاقترح محرر هذه الجريدة (محمد علي لقمان) على الأستاذ ستيوارت بيراون تأسيس معهد يؤمه الشباب العدني، وصادف هذا الاقتراح قبولا، ورأت هيئة المعهد البريطاني تحت إشراف نائبها المستر دنداس في الشرق الأوسط، أن تقوم بتأسيس ناد يضم المكتبة المطلوبة في عدة لغات”.

وقد أسهم المجلس البريطاني بعد في تمكين عدد من أبناء عدن من مواصلة تعليمهم الثانوي او الجامعي في الخارج؛ وذكر محمد علي لقمان في العدد 252 من صحيفة (فتاة الجزيرة 31ديسمبر 1944) أن المجلس البريطاني في عدن كان إحدى الهيئتين الرسميتين اللتين تقومان بإعداد البعثات الدراسية من عدن.

أما أ.د. أحمد علي الهمداني، الذي تحدث في كتابه (عدن من الرياد الزمنية إلى الريادة الإبداعية) عن مساحة الحرية التي منحتها السياسة البريطانية الليبرالية في عدن للسكان في مجال التعبير عن الآراء، فقد ذكر أن المجلس البريطاني قد احتضن (جمعية الأدب والمناظرات) في مطلع عام 1943، وكان رئيس الجمعية محمد حسن خليفة وسكرتيرها عبد القوي حسن مكاوي، وكان هدفها نشر الثقافة الإنجليزية بين المواطنين. (عدن من الرياد الزمنية إلى الريادة الإبداعية، ص16)

كما أخذ المسؤولون عن المجلس الثقافي البريطاني بعدن في الاعتبار العادات والتقاليد الاجتماعية الخاصة بالسكان المحليين، لذلك بادروا، في سنة 1943، إلى افتتاح قسم خاص بالنساء في إطار المجلس الثقافي البريطاني. وفي عام 1952 قد سمي هذا القسم: نادي نساء عدن. وقد أشارت دورين انجرامز إلى هذا القسم وعدم إقبال النساء المحليات في البداية عليه، في كتابها (أيامي في الجزيرة العربية: حضرموت جنوب الجزيرة 1943-1944، ص211)، قائلة: “سعيا إلى استقطاب النساء للقيام بدور أكثر فاعلية في المجتمع افتتح المجلس الثقافي البريطاني [بعدن] ناديا خاصا بالنساء في عدن، لكن كان هذا الأمر بعيد المنال، ولا يمكن تحقيقه بين بين يوم وليلة، لأن الغالبية الساحقة من الرجال لا يمكن أن يسمحوا لزوجاتهم أو قريباتهم بممارسة نشاط متحرر كالانضمام إلى ناد، لذلك كان أكثر مرتادات النادي الدائمات من الجاليات الهندية والصومالية، كما انضمت إليه بعض الأوروبيات، وأسرتا آل حسن علي وآل جعفر”.

وأخيرا، يمكن أن نشير إلى أن افتتاح المجلس الثقافي البريطاني في عدن سنة 1941 قد أسهم أيضا في تحفيز أندية المدينة على مضاعفة حجم أنشطتها في المجال الثقافي. والأرجح أن بعض الأندية والمعاهد، مثل مجلس عدن الثقافي الذي تأسس عام 1948 برئاسة الصحفي الشاعر علي محمد لقمان، تعد صدى مباشرا لنجاح المجلس الثقافي البريطاني في عدن.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *